الألغام: إرث تنظيم داعش في الرقة

الألغام: إرث تنظيم داعش في الرقة

 اشترك في نشرتنا 

ردد عناصر تنظيم داعش أثناء خروجهم من الرقة، عقب الاتفاق بين التنظيم وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 15 أكتوبر/تشرين الأول الماضي “الأرض ستقاتل عنا، الأرض ستقاتل عنا” في إشارة إلى الكم الكبير من الألغام التي زرعها التنظيم في مدينة الرقة، حتى لا يكاد يخلو منزل أو شارع من العشرات منها. فلطالما شكلت الألغام التي استخدمها التنظيم في معاركه في سوريا والعراق سلاحاً فتاكاً عمل على تطويره من خلال عمليات التمويه والنوعية، حاصداً بها أرواح المقاتلين ضده في المعارك، والمدنيين الذين حاولوا الهرب من بطشه أو عادوا إلى منازلهم بعد سقوط التنظيم في الرقة.

وبحسب موقع “الرقة تذبح بصمت” يقدر عدد المدنيين الذين قتلوا بسبب الألغام التي زرعها تنظيم داعش بحوالي 330 قتيل خلال الشهرين الماضيين، إضافة لعدد كبير من المقاتلين من قوات قسد لم يتم الإعلان عنهم بشكل رسمي، ويضاف إلى تلك الأرقام عددٌ كبير من الجرحى بفعل تلك الألغام والقذائف غير المنفجرة، والتي في مجملها كانت حالات بتر للأطراف السفلية أو الإصابة بحروق شديدة، وما زاد الأمر سوءًا هو عدم وجود خرائط لتوزيع تلك الألغام كما يتم في الجيوش النظامية، والتي تسلمها عادة بعد انتهاء المعركة ليسهل تفكيكها.

وكان لافتقار تنظيم داعش للعناصر البشرية والقدرة العسكرية أمام قوة الخصم المدعوم جواً من قبل التحالف الدولي، دوراً في اعتماده على زراعة الألغام، بغية زرع الرعب وإرهاب عدوه وتأخير تقدمه، والتي وضعها في كل ما يمكنه زرعه فيها من حفر وحدائق وممتلكات وتمديدات الصرف الصحي، حتى أنّ ألعاب الأطفال قد تم تفخيخها، حيث وثقت حالة لمقتل امرأة بفعل لغم مزروع في لعبة طفلتها.

هذا وفي الوقت الذي عملت فيه معاهدة “أوتاوا” (والتي تنص على حظر استخدام الألغام المضادة للأفراد حيز التنفيذ عام 1999) على خفض عدد ضحايا تلك الألغام، عمل داعش على عكس هذا الاتجاه، ما دفع أهالي المدينة والمنظمات العاملة في المنطقة إلى رفع أصواتهم مطالبين بتكثيف الجهود لإزالة تلك الألغام، حيث تعمل في مدينة الرقة حالياً ثلاث منظمات متخصصة في نزع الألغام وهي ماغ وتيترا تيك وهاندي كاب، إلا أنّ كوادرها الحالية غير كافية مع وجود الأعداد الكبيرة من الألغام، والتي تقدر بحسب مصادر محلية غير رسمية بنحو 80 ألف لغم، ما دفع المنظمات المذكورة إلى تنظيم دورات للمتطوعين المحليين، بغية تسريع وتيرة إزالة الألغام، هذا وتعمل فرق نزع الألغام على إزالة الألغام والقذائف غير المنفجرة من الشوارع والمباني الرئيسية، إلا أنها لا تقوم بإزالتها من البيوت، إذ يتوجب على أصحاب المنازل استئجار أحد العاملين من الفرق المدربة بمبلغ 75 ألف ليرة للغرفة الواحدة (حوالي 150 دولار أمريكي)، ما يشكل عائقاً أمام عودة السكان للمدينة المدمرة بشكل شبه كلي، مع ضيق ذات اليد التي يعاني منها الأهالي حالياً.

وفي تقرير أصدره فريق بلجيكي لأبحاث تسليح النزاعات، بالمراقبة عبر خطوط التماس بين القوات الكردية في شوريا والعراق وتنظيم داعش، في الفترة من يوليو/تموز 2014 حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وبتحليل العبوات والذخائر التي تم استردادها من التنظيم، تبين أن مصدر معظم الأسلحة والمواد الكيماوية التي استخدمها التنظيم من روسيا والصين وأوروبا الشرقية، والتي تعتبر مصدر إمداد لقوات نظام الأسد، وكشف التقرير أيضا أن إحدى الإشكاليات تمثلت في أن تنظيم داعش كان قادرًا على تصنيع سلاحه وعبواته الناسفة بفضل سلسلة إمدادات قوية، بدأت في عام 2014. وفق داميين سبليترز قائد فريق الباحثين، Top of FormBottom of Form  وقد عمل تنظيم داعش خلال فترة نشاطه في سوريا والعراق على تطوير صناعاته الحربية بشكل عام، معتمداً على نظام تصنيع خاص به، مقسم بين عمليات البحث والتطوير والإنتاج الضخم والتوزيع المنظم، وكان لصناعة الألغام والأحزمة الناسفة اهتماماً خاصاً، وذلك لتنفيذ عملياته الانتحارية والاغتيالات ولمواجهة تقدم القوات البرية نحو مناطق سيطرته، إذ اعتمد بشكل كبير على مادة الـ “سي فور”، والتي تعد من المواد شديدة الانفجار، وتبلغ قوتها التدميرية خمسة أضعاف القوة التدميرية لمادة الـ “تي إن تي” المعروفة، كما طور من أشكال تلك الألغام وطرق صناعتها، إذ لم يعد الأمر يقتصر على إنتاج الألغام بكميات هائلة، بل باستخدام طرق جديدة لتفجيرها وإخفائها، فبالإضافة إلى نشرها في معظم شوارع المدينة والأراضي الزراعية المحيطة بها، نشر التنظيم ألغامه في بيوت المدنيين ومقتنياتهم الخاصة ومجارير الصرف الصحي ومولدات الكهرباء، الأمر الذي ينبئ بطول إرث التنظيم المدفون في الأرض.

هذا وقد تم اكتشاف معامل خاصة لصناعة قوالب من مادة الجبصين والخشب، في مناطق سيطرة التنظيم سابقاً كمدينة الباب في ريف حلب الشرقي، بهدف تمويه الألغام، لتكون كالحجارة المتناثرة في الشوارع والممتلكات، كما عمد التنظيم إلى استحداث أعدادٍ كبيرة من الألغام المموهة والتي تدعى بالأشراك الخداعية، كما طور التنظيم من طرق انفجار تلك الألغام، معتمداً على خبراء مختصين من عناصره الذين كانوا يعملون في الجيوش سابقاً، أو ممن دُربوا في العراق أو أفغانستان، كما ساهم سوق السلاح في المنطقة باستيراد التنظيم للمواد المتفجرة كمادة الـ “سي فور” والأسمدة ونترات الأمونيوم المستخدمة في هذا المجال.

ليبقى التحدي الأكبر حالياً، أمام مدني الرقة والمنظمات العاملة فيها، في إزالة هذه الكمية الكبيرة من الألغام، والتي تعد الحجر الأساس للبدء في عملية إعادة الإعمار للمدينة المدمرة كلياً، كما تفتح الباب أمام تحدي أمني جديد يتمثل بقدرة عناصر التنظيم المدربين على انتاج تلك الألغام والأحزمة الناسفة، في الوصول إلى أماكن جديدة أو العودة إلى بلدانهم، وتبادل الخبرات مع عناصر متطرفة في أماكن مختلفة من العالم، ما ينذر بحقبة جديدة من الأعمال الفردية ذات القدرة التدميرية الكبيرة حول العالم.

اشترك في نشرتنا  English

فراس حنوش

عضو حملة الرقة تذبح بصمت، عمل طبيب ميداني في سوريا سابقاً، وانخرط في برنامج دعم المعارضة السورية المعتدلة.

شاهد أيضاً

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.