مستقبل العلاقات الأوروبية-التركية

آرون ستاين وترينكيد فالكونيس

في السنوات الأخيرة حدث تدهور في العلاقات التركية الأوروبية بشكل كبير، مع تقدم ضئيل في محاولات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ المفاوضات الأخيرة التي بدأت في عام 2005، ولكن تصرفات تركيا عقب الانقلاب العسكري الفاشل، وصعود التيار اليميني القومي الشعوبي في الغرب، كل  ذلك زاد من الإضرار بأي أفق لتحسين العلاقات بين الجانبين، ووصل الأمر إلى تدهور جديد في نوفمبر/تشرين الثاني، حين مرر البرلمان الأوروبي قراراً غير ملزمبتجميد عملية انضمام تركيا.

منذ يوليو/تموز، فصلت الحكومة التركية إجمالي 125 ألف شخص من الجيش والوظائف الحكومية والقضاء، واعتقلت 36 ألفاً في انتظار المحاكمة. وبينما ينتقد الاتحاد الأوروبي سياسات تركيا بشكل متزايد، فهو أيضا يعتمد على أنقرة لتعزيز اتفاقية مارس 2016 للاجئين، والتي تهدف إلى وقف تدفق اللاجئين المهاجرين لدول الاتحاد الأوروبي عبر تركيا – وهي قضية دفعت نحو المزيد من الجاذبية لليمين الشعوبي في أوروبا.

هناك مؤشرات تقول بأن هذه التوترات تؤثر على الشأن الداخلي الأوروبي والسياسات التركية، مع وجود مجموعات سياسية تقوم باستغلال تدهور العلاقات المتزايد للدفع نحو مزيد من الشعبوية الداخلية.

قامت الحكومة التركية، بقيادة رجب طيب أردوغان، بإلقاء اللوم على قوى خارجية تدعم الانقلاب، واتهمت الغرب بدعم الارهاب. الخطاب المناهض لأوروبا يضيف إلى سردية حزب العدالة والتنمية، بأن الاتحاد الأوروبي والكثير الدول الأعضاء فيه قد فشلوا في إظهار التضامن بعد فشل محاولة الانقلاب في تركيا. في الشهور الأخيرة، عمدت تركيا إلى انتقاد واسع لما تسميه الدعم الأوروبي لحزب العمال الكردستاني، وهي جماعة متمردة تقاتل ضد قوات الأمن التركي في جنوب شرق تركيا. وكرد على انتقادات وجُهت لتركيا أخيراً – والتي اشتملت على  تقارير استقصت بعناية انتهاكات حقوق الإنسان في جنوب شرق تركيا والتعذيب في بعض السجون – هدد أردوغان بأنه سيفتح حدوده لتدفق المهاجرين لأوروبا، والانضمام إلى مجموعة شنغهاي الخماسية، وهو اتحاد فضفاض يضم خمسة أنظمة استبدادية، أو إجراء استفتاء على عملية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي – وهو تحرك شعوبي، بني على سنوات من الخطاب الشائع في تركيا، بأن بروكسل تحتاج إلى تركيا، أكثر من احتياج تركيا إلى بروكسل، وذلك من أجل التغلب على التحديات الاقتصادية المستدامة منذ الأزمة الاقتصادية في عام 2008.

في بريطانيا، هناك مخاوف غير ذات أساس من الهجرة، كما أن المحادثات التركية بشأن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي لعبت دورا في مناقشة خروج بريطانيا من الاتحاد. إن توسيع النقاش بشأن الهجرة من المتوقع أن يلعب دوراً رئيسياً في الانتخابات العامة في عام 2017 في فرنسا وألمانيا، وهو نفس الوقت الذي يحتمل فيه أن تعقد تركيا استفتاءً حول عضويتها في الاتحاد الأوروبي، هذه التصويتات لديها إمكانية تحديد مستقبل العلاقات الأوروبية التركية وبالعكس.

في ألمانيا، تقع الأحزاب السياسية تحت ضغط من أعداد كبيرة من المواطنين الألمان، الذين ينتمون لأصول تركية، والذين يشكلون معا قوة انتخابية مهمة لمختلف الأحزاب السياسية، وذلك وفقا لأحدالدراسات التي أجرتها نتالي فيرسيو في Le Temps.  تظهر هذه الدراسة أن هؤلاء الناخبين يهتمون أولاً بتقوية العلاقات بين تركيا وألمانيا، وموقف الحكومة الألمانية من الأكراد، وضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؛ إلا أن الأحزاب المحافظة الألمانية أيضاً تقع تحت ضغط، نتيجة صعود الحزب اليمين المتطرف “البديل الألماني.” استطاع حزب البديل الألماني، بموقفه المناهض للهجرة والمعادي بشدة لتركيا أن يحصل على مكاسب إقليمية في الانتخابات التي جرت في بداية العام، وهزيمة حزب الاتحاد الديمقراطي برئاسة أنجيلا ميركل في مسقط رأسها، ميكلينبورج-فوربوميرن. كرد فعل، وجهت ميركل خطابها حيال المواطنين الألمان من أصول تركية، وطلبت منهم مؤخراً أن يختاروا بين ألمانيا وتركيا، وذلك عقب تظاهرات مؤيدة لأردوغان في كولونيا. بالرغم من أن التحديات التي تواجهها ميركل من قبل اليمين هي وحزبها، حزب الاتحاد الديمقراطي، إلا أن لديها المتسع من الحافز السياسي للوصول إلى الناخبين الألمان المنحدرين من أصول تركية، أو المخاطرة بخسارة الأصوات لصالح الحزب الثاني الأكبر، وهو الحزب الاشتراكي الديمقراطي. يقدر تعداد الناخبين من أصول تركية بنسبة 5% من مجموع الناخبين الألمان – والذين يشكلون حوالي 3 مليون ناخب وفقا لجريدة “لي إيكو”. يحظى الحزب الاشتراكي الديمقراطي بدعم ملحوظ من هؤلاء الناخبين المنحدرين من أصول تركية، وهي حقيقة تؤكد على نفوذ الناخب التركي في السياسة الداخلية الألمانية. في الانتخابات المحلية لعام 2016، على سبيل المثال، كان الصوت التركي مكون مهم في فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي في برلين. قلبت النتائج موازين الائتلاف الحاكم في البرلمان المحلي من ائتلاف حزب الاتحاد الديمقراطي – الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إلى ائتلاف يساري يتكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر وحزب اليسار.

لدى فرنسا آلية انتخابية مختلفة، وهي تقليدياً متحفظة بشكل دائم على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، الجبهة التي تخوض الانتخابات الفرنسية – الجبهة القومية برئاسة مارين لو بان والجمهوريون برئاسة فرنسوان فيلون – ينتمون إلى أحزاب اليمين، بقاعدة من الناخبين المحافظين، وتمكنوا من الحصول على شعبية، بتبني موقف قوي ضد الهجرة؛ استفادت لو بان من المشاعر المناهضة للمسلمين في فرنسا، بينما تحول فيلون إلى بطل يمثل القيم الكاثوليكية في فرنسا. في أثناء حكم الرئيس نيكولا ساركوزي، كان فيلون رئيساً للوزراء في الفترة ما بين عامي 2007 – 2012، وكان موقف فيلون هو أن تركيا لا تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي بسبب الاختلاف الثقافي. يعتقد فيلون أيضا أن اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا منح أردوغان تنازلات كثيرة. في استطلاعات الرأي الأخيرة حصل المرشحان على 24% و27% من الأصوات، مما يؤمن وصولهما للجولة الثانية، الأمر الذي يعني إقصاء اليسار بشكل كبير. انتخاب مارين لو بان ربما يغير بشكل دائم الاتحاد الأوروبي، والفرص المحدودة التي تحظى بها تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن حتى الأكثر اعتدالا – بالرغم من أنه من اليمين المعتدل – وهو فيلون، يعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

كما أن اليسار ليس من المتوقع أن يدعم محاولات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، هناك العديد من كبار القيادات اليسارية، مثل جين-لوك ميلينكون في فرنسا، وبابلو ايجليسيس في أسبانيا شاركوا في مسيرات لدعم حزب الشعب الديمقراطي، وهو حزب يساري معارض له صلات غير مباشرة بحزب العمال الكردستاني، وذلك عقب اعتقال تسعة من أعضائه. جان لوك ميلينكون اتهم تركيا أيضا بدعم تنظيم داعش سراً، هذه المسيرات المؤيدة للأكراد هي معارضة واضحة لقمع أردوغان للأحزاب السياسية ذات الأغلبية الكردية في تركيا، وهي إظهار لدعم حزب العمال الكردستاني أو فرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي. بالإضافة إلى ذلك، اختار وفد من رؤساء الوزراء الأوروبيين في زيارتهم لتركيا حضور جلسة لحزب الشعب الديمقراطي لدعم نواب البرلمان المعتقلين. كما حاول الوفد مقابلة صلاح الدين ديمتراس القيادي المعتقل بحزب الشعب الديمقراطي، لكن تم منعهم بواسطة السلطات التركية. 

إن صعود اليمين المتطرف يفتح نقاشات حول الهجرة وقضايا الهوية في العديد من الدول الغربية، الانتخابات في فرنسا وألمانيا، بالتزامن مع التحول الاستبدادي لسياسات تركيا، يمكن أن يقضي بشكل نهائي على أي فرصة لتركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما أن نهاية هذا الاتفاق قد يضر بشدة بالعلاقات بين الطرفين، فالحفاظ على الحالة الراهنة أمر مستحيل. هناك اختبار هام للاتحاد الأوروبي، من أجل التأكيد على مصداقيته في المشهد الدولي، ألا وهو تبني رد فعل موحد لموقف تركيا السياسي.

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط