مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

 

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية. أشارت عناصر الدفاع المدني إلى أن معظم الغارات الجوية استهدفت المشافي والمدارس وما تبقى من البنى التحتية في المنطقة الواقعة تحت سيطرة المعارضة في شمال سوريا على مساحة 5000 كيلو متر مربع. أكثر من 300 غارة جوية وفق الناشط هادي العبد الله تسببت في تدمير 5 مشافي، وجعلت مدن جسر الشغور مدينة اشباح، ولم يعد يقطنها سوي ما يقرب من عشرة آلاف نسمة فقط بعد أن كان عدد سكانها قبل 2011 حوالي 45 ألف نسمة. بررت روسيا هذا القصف الوحشي عبر بيان أصدرته قاعدتها العسكرية في حميميم، حيث أكدت صفحة القاعدة الروسية على فيسبوك أن فصائل المعارضة المعتدلة تتحمل مسؤولية هذا القصف لأنها تسمح بوجود هيئة تحرير الشام في إدلب، وأن السبب الرئيسي وراء هذه الحملة على هو محاولة عناصر من الهيئة التقدم في اتجاه ريف حماه الشمالي لأسر مجموعة من عناصر الشرطة العسكرية الروسية كانت تنتشر في المنطقة، إلا أن المحاولة لم تنجح رغم محاصرة ثلاثة جنود روس، وبلغت خسائر هيئة تحرير الشام في هذه المعركة قرابة الـ 150 من العناصر المدربة لديها.

ثم جاء رد القاعدة العسكرية الروسية على رسالة من أحد المواطنين في إدلب حيال استهداف روسيا للمدنيين في المحافظة “على السكان المحليين سحب الثقة من التنظيمات المتطرفة بأسرع وقت، لن يكون مصير المدينة مختلفاً عما حدث في المدن التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، وقد أشرنا إلى ذلك في وقت سابق، مناطق خفض التوتر ستكون الفرصة الوحيدة التي ستسبق الحلول العسكرية فيما لو بقيت التنظيمات المتطرفة تمارس نشاطاتها في تلك المناطق.”

بلغ عدد الضحايا جراء هذه الموجة من الغارات الجوية قرابة 150 ضحية، غالبيتهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى عمليات نزوح باتجاه مناطق الشريط الحدودي مع تركيا – التي كان رئيسها، أردوغان، يجتمع مع بوتين حينما كانت الطائرات الروسية تقصف مدينة حارم، الواقعة في مواجهة مدينة الريحانية التركية، والغارة تمت بعد دخول الطيران الروسي المجال الجوي التركي، فمدينة حارم لا يمكن قصفها من الجو على الاطلاق من داخل الأراضي السورية فقط لأنها متداخلة مع الأراضي التركية. وقد رد ناشطون معارضون بإطلاق هاشتاج روسيا قاتلة وليست ضامنة، وروسيا تقتل المدنيين، باللغات العربية والانجليزية والروسية إضافة إلى التركية.

عاقبت روسيا السكان المدنيين في إدلب، ولم تستهدف أي من المجموعات التي تتهمها بالتطرف كهيئة تحرير الشام أو الحزب التركستاني أو أي مجموعات متطرفة أخرى، ويبدو أن الهدف الأساسي من هذه الموجة من القصف كان منع قوات المعارضة من التفكير بشن بأي عمليات عسكرية أخرى، لأن قوات النظام تواجه صعوبات وخسائر كثيرة في صفوفها بسبب اشتداد المعركة مع تنظيم داعش، ففي بداية شهر سبتمبر/أيلول اعلن التنظيم مقتل واصابة 130 فرد من قوات الأسد خلال المعارك في مدينة دير الزور. وفي أواخر شهر سبتمبر/أيلول أعلن فيلق الرحمن عن عدد من العمليات العسكرية ضد قوات النظام، نتج عنها سقوط العديد من القتلى والجرحى. على الجانب الأخر، وفي ظل حقيقة زيادة عدد الضحايا من القوات الروسية المشاركة في القتال في سوريا، يدرك الجيش الروسي صعوبة الاعتماد على الجيش السوري، حيث تنتشر الرشوة والمحسوبية في جميع مفاصله. نشرت صحيفة الشرق الأوسط تقريراً في أغسطس الماضي عن تجاوز عدد قتلى الجيش الروسي عتبة الـ 40 جندياً، وهو ما نفته وزارة الدفاع الروسية. وكانت أخر الخسائر التي تلقاها الجيش الروسي تحطم طائرة حربية روسية ومقتل طياريها بالقرب من مدينة اللاذقية.

في هذه الظروف في إدلب، تعاني هيئة تحرير الشام من أزمات داخل صفوفها، فهناك عشرات المجموعات (مثل الكتيبة الألمانية والكتيبة الشيشانية والكتيبة البريطانية، بالإضافة إلى مجموعات سورية مؤيدة للتدخل التركي منها حركة نور الدين زنكي – والتي انشقت عن هيئة تحرير الشام مؤخراً – وكتائب أنصار الشام) التي تعارض قتال الجيش التركي وستنشق حال دخول الاتراك. وعلى صعيد الحاضنة الشعبية، تدهورت شعبية هيئة تحرير الشام كثيراً بسبب سياساتها، في مدينة معرة النعمان هناك مظاهرات بصورة شبه أسبوعية تعلن رفضها لسطو الهيئة. وفي إدلب ينظم النشطاء لرسم علم الثورة وإنزال علم هيئة تحرير الشام المنتشر في المدينة.

تزداد الأمور تعقيداً مع مضي الوقت، ومع كل محاولة عسكرية تفكر فيها أو تقوم بها المعارضة السورية بكافة أطيافها يكون الثمن هو أسراب من الطائرات الروسية تقصف بوحشية. يضاف إلى ذلك تردد الجيش التركي في دخول إدلب والذي يتيح لروسيا استهداف المنطقة تحت اسم محاربة الإرهاب. كما أن هذا التردد يعطي هيئة تحرير الشام مزيداً من الوقت لإيجاد حلول تستطيع من خلالها البقاء أطول فترة ممكنة في المدينة بأشكال جديدة، حيث تحاول الهيئة إخفاء مقراتها العسكرية في المدينة، وتسعى نحو انشاء إدارة مدنية في إدلب تكون ستاراً لاستمرار سيطرتها على المدينة، ومن ثم نزعة شرعية تبرير روسيا ضربها المناطق المأهولة بالسكان بحجة تواجد عناصر هيئة تحرير الشام فيها. ولكن هناك تسريبات عن نية الهيئة التوجه إلى ريف حلب الجنوبي لشن عملية عسكرية هناك في محاولة لأرباك الأعداء الكثر، ومحاولة إرضاء حاضنتها الشعبية في إدلب، بعد أن قامت روسيا بتأليب السكان ضدها.  

وسط هذه التناقضات والقصف الروسي المستمر يتم تهجير سكان إدلب المنهكين من الحرب، هؤلاء السكان يبحثون عن أية حلول تبعدهم عن الروس والنظام السوري، وهو مالا يقبله النظام في سوريا على لسان وزير الخارجية وليد المعلم حيث قال في المؤتمر العام للأمم المتحدة في نيويورك إن الحكومة السورية مصممة على استعادة السيادة على كافة الأراضي السورية وتحريرها ممن وصفهم بالمجموعات الإرهابية.

رغم أن معظم الأخبار لم تعد تعتبر إدلب منطقة يسيطر عليها جهاديين، وما من شك في استعادة النظام السوري السيطرة عليها، فإنها ما تزال تمثل شوكة في خاصرة النظام، فهناك نشطاء يمثلون الثورة السلمية ويقاومون النظام وهيئة تحرير الشام على حد سواء، وهو أمر يكذب رواية النظام وحلفائه عن محاربة الإرهابيين. وتوضح المعارك بين قوات المعارضة والجهاديين والنظام ضعف قوات النظام وعدم قدرتها على القتال على أكثر من جبهة، ما يجبر روسيا على التدخل المستمر لحماية النظام. قد تسقط محافظة إدلب تحت سيطرة النظام، إلا أنّ ما يحدث في إدلب ينبغي أن يذكر أصحاب الشأن في سوريا، أن الحرب لن تنتهي بسيطرة النظام على سوريا، لأنه لا يستطيع، ولأن المعارضة ستستمر في مقاومته، ما يثير السؤال: كيف ننهي هذه الحرب؟

 English اشترك في نشرتنا

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

تركيا: إدارة التوترات وخيارات للتعاطي

يستكشف هذا التقرير أيضا الأسباب الجذرية للتوترات الأمريكية التركية، ويقدم عدداً من خيارات السياسة للمساعدة في إدارة العلاقات بين الطرفين.

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات

كارثة صحية في الغوطة الشرقية

يتداعى الوضع الطبي في غوطة دمشق الشرقية، حصار النظام السوري على المنطقة مستمر منذ أربعة أعوام، ما ينذر بكارثة صحية قريباً، ضحيتها المدنيون الذين يحتاجون لعلاج يبعد عنهم عدة كيلومترات فقط في العاصمة دمشق، لكن لا يستطيعون الذهاب إليه.