الأمر التنفيذي

يفهم الخياطون ضرورة القياس ما لا يقل عن مرتين قبل قص الثوب. ويطبق القادة والمدراء الجيدون عادة نفس الإجراء في صنع القرار. “تصرف على عجل، وأندم في وقت الفراغ” ليس بمجرد قول مأثور، إنه درس يتم تعلمه في كثير من الأحيان بطريقة صعبة، من قِبل أولئك الذين يتصرفون بلا مبالاة. وعلى الرغم من أن ردود فعل البيت الأبيض تجاه الارتباك والخوف اللذان كرس لهما الأمر التنفيذي الخاص بـ “حماية الأمة من دخول الإرهابيين الأجانب إلى الولايات المتحدة”، كانت مدافعة ومتحدية، إلا أن الرهان هنا هو على تعلم الدرس، وعلى أن النظام العادي، القائم منذ فترة طويلة، سوف يعود إلى السلطة التنفيذية لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولقد كُتب الكثير عن كيف يتعارض هذا الأمر التنفيذي مع المُثل ويقوض أمن الولايات المتحدة، وتكمن وجهة النظر هنا في أن هذا الأمر التنفيذي معيب على مستويات عدة، الأمر الذي من شأنه أن يجعل الإجراءات التصحيحية لبعض منه وشيكة وبسرعة كبيرة؛ ويتعامل مسئولون في وزارتى الأمن الداخلي والخارجية الآن مع عواقب هذا العمل المتسرع والتوظيف السئ له. ومن الواضح أن الضرورة السياسية للحصول على شئ ما من أجل الناخبين المعنيين حقاً بقضية الإرهاب قد فاقت الواجب، أولاً باستكمال إرشادات التنفيذ لوزارات الحكومة ووكالاتها، وينشغل كبار المسئولين الأمريكيين الآن بالقيام بما كان ينبغي أن يتم قبل وضع قطعة من الورق أمام الرئيس للتوقيع.

ومن حيث جوهر الأمر التنفيذي، فالكثير غير مرغوب فيه، ويُفهم ذلك تماماً من ناحية أن العديد من الأمريكيين يخشون تصدير الإرهاب من الشرق الأوسط إلى أمريكا الشمالية؛ ففي أعقاب ما حدث في أماكن مثل باريس وبروكسل وأسطنبول، فإن هذا الخوف ليس بغير المبرر. وفي أعقاب الأعمال الإرهابية الداخلية المروعة التي اُرتكبت من قبل أفراد مختلي العقل باسم الإسلام، فإنه من غير الدقيق وضع كل أو معظم هذه المخاوف في فئة الإسلاموفوبيا. فنعم، يتواجد عنصريون مفعمون بالكراهية في الولايات المتحدة كما يتواجدون في كل بلد. ونعم، هناك أشخاص حتى في البيت الأبيض ممن ربما لا يقدروا حتى الآن تضحيات الأمريكيين المسلمين في قواتنا المسلحة، وكذلك لم يقدروا ضرورة العمل يداً بيد مع المسلمين في جميع أنحاء العالم، من أجل هزيمة التطرف الإسلامي. ولكن لا شئ من هذا يمحو الإيمان الحقيقي لدى العديد من الأمريكيين بأن الإرهابيين في منطقة الشرق الأوسط سوف يستخدمون أية وسيلة تحت تصرفهم، من أجل تكرار ما قد قاموا به في نيس وبرلين وأنقرة في الولايات المتحدة.

وقد جعل الرئيس ترامب شغله الشاغل هو معالجة هذا القلق أثناء حملته الانتخابية. مرة أخرى: فالتصريحات بشأن حظر هجرة المسلمين، وعلى الرغم من استفادته منها على نحو فعال في شئ حقيقي، إلا أنه لم يخترع تلك القضية، والآن هو يشعر بأنه ملزم بفعل شئ ما حيال ذلك الذي عمل من أجله خلال الحملة الانتخابية.

ويمكن للمرء أن يأمل فقط في أن الفوضى التي حدثت في نهاية الاسبوع الماضي، والتي برزت من خلالها المعاناة غير المبررة لكثير من الناس، ممن يعتمدون على حماية الولايات المتحدة، سوف تسفر عن إعادة النظر على وجه السرعة في الأمر التنفيذي، حيث أن من مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة القيام بذلك.

ففي سوريا على سبيل المثال، تأثرت سمعة إدارة أوباما كثيراً، وبالتالي سمعة الولايات المتحدة، برفضها حماية سوري واحد من القتل الجماعي الذي يقوم به نظام الأسد، وذلك على مدار خمس سنوات. هل نحن الآن نُضاعف من هذا الأداء المخزي عن طريق وصم السوريين تحديداً بكونهم يُشكلون خطورة على الأمن القومي الأمريكي؟ هل سوف ننكر، ضمناً، الإسهامات التي قدمها المهاجرون السوريون إلى الولايات المتحدة، وذلك في الجزء الأفضل من المئة وخمسين عاماً. فمن الناحية المثالية، سيتم إبلاغ الرئيس ترامب بأن عملية الفحص للاجئين السوريين تتسم بالحكمة والتعقل المطلقين. ومن الناحية المثالية، أنه سيتآلف –ربما بمساعدة قادة الكنيسة – مع الإسهامات التي يقدمها ضحايا وحشية نظام الأسد إلى مجتمعاتهم الأمريكية الجديدة. ومن الناحية المثالية يمكن للوكالات تقديم اثنين أو ثلاثة تعديلات رمزية دقيقة إلى النظام تُمكنه من أن يدعي النصر.

في العراق، يعمل جنود أمريكيون من الرجال والنساء بشكل وثيق مع الجيش العراقي لهزيمة تنظيم داعش، من أجل استعادة السيطرة على الموصل. هل قد سبق إصدار هذا الأمر التنفيذي تفكيراً متأنياً ومناقشة لآثار حماية القوة؟  وبما أن الولايات المتحدة تعمل من أجل عراق مستقر ومزدهر ومستعد بقوة للتعاون مع واشنطن في المنطقة وخارجها، فهل قد تم إنجاز الإجراءات التحليلية المناسبة بشأن مسألة كيف لإيران في العراق أن تستغل الأمر التنفيذي على حساب المصالح الأمريكية؟ هل تمت استشارة الحكومة العراقية سلفاً؟ وهل اُخذ بوجهات نظرها في عين الاعتبار؟

أصدر مركز الحريري والمجلس الأطلنطي منذ وقت ليس ببعيد تقريراً لـ مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط، والذي قد كتبها كل من ستيفن هادلي ومادلين أولبرايت. ولم يخفي التقرير شيئاً. وقد وضع ما يتعلق بـ “الإبقاء على أمريكا والأمريكيين – في مأمن من الإرهاب” رقم واحد في قائمة المصالح الأمريكية الحيوية؛ وقبل كل شئ، فإن هذا التقرير – الذي هو الآن بين أيدي المسؤولين الرئيسين في إدارة ترامب- قد دعا إلى شراكة وثيقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وبين شعوب ودول الشرق الأوسط: وهي شراكة لإنهاء الحروب في المنطقة، ولوضع المنطقة على طريق “من فشل الدولة والحرب الأهلية نحو نظام سلمي ومستقر لدول ذات سيادة”.

المسؤولية الأولى للرئيس ترامب هي أمن الأمريكيين- والوقت الذي يستقر فيه هو ومستشاريه في مناصبهم، فمن المرجح أنهم سيروا أن التهديدات المنبثقة من الشرق الأوسط لا يمكن ولن يمكن أن تغيب معالجتها على نحو كاف في ظل سياسة أمريكية تتسم بالشراكة. وستكون الشراكة بعيدة المنال، إذا تم الانتقاص من كرامة الشركاء الفعليين والمحتملين. إن نسيج الأمن القومي الأمريكي يتطلب قياساً دقيقاً قبل وضع المقص فيه.

Read in English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط