احتمالات انهيار سد الفرات تتزايد في ظل العمليات العسكرية حوله

تدهور وضع سد الفرات خلال الصراع الجاري، معرضًا المنطقة لخطر كارثة بيئية، وأكبر هذه التهديدات هي قصف طائرات التحالف لموضع تنظيم داعش، واهمال صيانة السد.

عندما دخلت قوات المعارضة مبنى محطة القوى، التي يدار من خلالها السد، الساعة العاشرة والنصف ليلا من يوم العاشر من فبراير/شباط 2013، أبدت استعدادها للتعاون مع إدارة المحطة، واعلنت انها لن تتدخل في أعمال السد، وستقدم المساعدة المطلوبة لضمان سير العمل في المحطة الكهرومائية، والحفاظ على السد. رغم أنها لم تلتزم بهذا الكلام بصورة كاملة، إلا
أن المحطة ومهندسيها وفنييها بقيت تتمتع باستقلالية مقبولة، وبقيت صلتها مع مركز تنسيق دمشق لتوزيع الطاقة ووزارة الموارد المائية، واستمر النظام في دفع الرواتب وتخصيص ميزانية لخدمة أعمال الصيانة والشراء وغيره. كما أن قوات النظام المتمركزة في مطار الطبقة العسكري اتفقت على عدم استهداف مبني المحطة وملحقاتها، الذي يبعد حوالي ثمانية كم عنها، إلا أن بعض قذائف المدفعية سقطت على مبنى المحطة، وأكثر من صاروخ بعيد المدى سقط في البحيرة، على بعد مئات الامتار من المحطة وجسم السد.

إذا كان التواصل مستمراً مع وزارة الموارد المائية، التي يتبع لها سد الفرات وبقية السدود، وعن طريقها كان يتم التواصل مع القوات المتواجدة في المطار لإصلاح خطوط الضغط العالي، التي تنقل الكهرباء من ساحة التوزيع إلى بقية المحافظات السورية، لأن جاهزية هذه الخطوط يلعب دورا كبيراً في قدرة المحطة الكهرمائية على تصريف مفيد  لمياه البحيرة، والتحكم بمنسوب المياه فيها.

دخل تنظيم داعش مدينة الطبقة، وسيطر على محطة سد الفرات في نهاية 2013، بعد أن أحكم سيطرتها على مدينة الرقة في الشهر التاسع من العام نفسه.

حافظ التنظيم على وجود الكادر الهندسي والفني في محطة سد الفرات، لعدم امتلاكه كادراً تشغيليا لها، ولكنه لم يدفع رواتبا للموظفين، إلا لمن بايع التنظيم، وكانوا قلة قليلة؛ واستمر العاملين بقبض رواتبهم من النظام من مدينتي حماه ودير الزور، واستطاع من بقي في المحطة الحفاظ على جاهزيتها، رغم كل الصعوبات النفسية والمعيشية وقيادات داعش التعسفية، إلا أن استمرار الضغوط أجبر قسماً مهماً من المهندسين المتميزين على الخروج، هاربين من جحيم المعاناة، مما جعل المحطة في وضع حرج من الناحية الفنية.

نظراً لإصابة معظم خطوط نقل الطاقة من ساحة توزيع المحطة إلى المحافظات السورية، فقد انخفض مستوى توليد المحطة إلى حدوده الدنيا، ولكن ظلت هذه الحدود قادرة على التوازن بين واردات البحيرة من تركيا، وصادراتها من المحطة، بحيث يتم الحفاظ على منسوب المياه في البحيرة ضمن المنسوب الآمن.

وهنا يجدر الذكر أن الحصة المقررة من مياه الفرات الممررة من تركيا هي 700 متر مكعب/ثانية، إلا انه في الفترات التي أعقبت سيطرة داعش على السدود، انخفضت هذه الكمية الى حدود دنيا، وصلت في بعض الاشهر إلى الصفر.

كانت المحطة تسير الى مصير سيء عبر هذه السنوات من الإهمال، وفقدان قطع الغيار بشكل كامل، وهجرة الخبرات الفنية، وبقاء الوضع مستقراً حتى الآن، ليس معناه أن الكارثة بعيدة وإنما أن وقوعها محتم.

تعلب محطة سد الفرات دوراً في حماية السد من خطر الانهيار، من خلال تحكمها في تمرير المياه من البحيرة عن طريق عنفات (توربنات) التوليد، أو عن طريق بوابات المفيض الثمانية، الموجودة على سطح المحطة، للتحكم في مستوى المياه في البحيرة.

يبلغ طول بحيرة سد الفرات حوالي 90 كم من مدينة الطبقة وحتى سد تشرين على أطراف منبج، وعرضها الوسطي ثمانية كم، ويمتد جسم السد 4 كم بمقطع هرمي قاعدته 512م وارتفاعه 60م وعرض السطح 20 متراً، تم بنائه من ركام مدكوك من الحصى والرمل. يحجز السد خلفه 14.1 مليارمتر مكعب من الماء الصالح للشرب، بالإضافة إلى ثروة سمكية هائلة، كما تقوم البحيرة بري مشاريع زراعية شاسعة المساحة على طرفيها. انتهت أعمال البناء عام 1971، ومنذ ذلك التاريخ تقوم أعمال الهندسة المدنية بالإشراف عليه، واجراء قياسات الهبوطات والرشوحات، واجراء الصيانة اللازمة لضمان استقراره.

تدور الآن معارك طاحنة بين قوات سوريا الديمقراطية وداعش في محيط السد، وتستهدف طائرات التحالف داعش في مدينة الطبقة القريبة من المحطة، تنتقل الاهتزازات الناتجة عن الانفجارات موجاتها لتصل الى أساسات المحطة، وتؤثر على جسم السد وتضعف من تماسكه.

سيؤدي الاستهداف المباشر للمحطة أو جسم السد قصداً أو خطأً إلى انهياره بشكل متسارع، مع الاخذ بعين الاعتبار أن داعش تستعمل السد ومبنى المحطة الكهرومائية قاعدة وسجناً، لإدراكها أنها لن تكون هدفا مباشرا لقوات سوريا الديمقراطية أو التحالف، عدا عما يمكن أن تفعله داعش من تفجير السد أو تفخيخه، أو زرع عبوات متفجرة هنا وهناك في المحطة أو في جسم السد.

إن ما فعله تنظيم داعش من فتح جزئي لثلاث من بوابات المفيض، ورفع منسوب المياه خلف السد وغمر مناطق شاسعة خلفه هو خطة عسكرية لخلق مانع طبيعي، يمنع تقدم القوات المهاجمة خلاله، ويمنع الالتفاف على المدينة، ولا يبقى لقوات سوريا الديمقراطية سوى الطريق المار فوق جسم السد بعرض 20 متراً، وهو مكشوف تماماً ومسيطر عليه نارياً؛ وهنا تكمن مشكلة أكبر، إذ أن تحول جسم السد إلى ساحة قتال وقصف سيؤدي إلى اصابته، وربما إلى إحداث أضرار في جداره الحاجز للمياه من طرف البحيرة، مما سيؤدي إلى وصول المياه إلى الركام الرملي المشكل لجسم السد ويذيبه. وتتصاعد هذه العملية بشكل متسارع لإحداث كهوف خلف التدعيم البيتوني لجسم السد المواجه لمياه البحيرة، الذي لن يتحمل ثقل المياه والضغط الواقع عليه، وبالتالي فإن انهيار السد يعتبر في هذه الحالة أمراً واقعاً، ولا يمكن ايقافه.

كان من الأحسن لو هاجمت قوات سوريا الديمقراطية المدينة من جزئها الغربي، لكن إمكانية الدخول إليها أقل خطورة على جسم السد، ولكن يبدو أن لا خيار أمامهم، اذ ستكون جبهة القتال من الطرف الغربي واسعة جداً.

سيؤدي انهيار السد خلال أقل من عشر دقائق إلى انطلاق المياه إلى سد البعث، الذي يبتعد عن سد الفرات بـ 25 كم، ويحجز في بحيرته 90 مليون متراً مكعب من المياه، وستجرفه السيول لينضم إلى الكارثة متجهاً إلى الرقة، بسرعة تتجاوز 120 كم/ساعة، وخلال أقل من نصف ساعة ستصل المياه الى الرقة، وتغمرها بارتفاع قد يتجاوز 20 متراً، وخلال ساعتين ستصل إلى دير الزور ومنها إلى البوكمال والعراق.

بالإضافة إلى القضاء على كل مظاهر الحياة وتغيير المناظر الطبيعية، سيصل تأثير انهيار السد إلى آبار النفط الموجودة في دير الزور، وربما تختلط المياه بالنفط الخام لتشكل كارثة بيئية أخرى.

سيؤثر انهيار السد على المناطق قبل السد، وصولا إلى حدود تركيا، مسبباً جفاف وعطش الاراضي الزراعية. ينبغي على الاطراف المتقاتلة أن تعي الخطر، وتأخذ حيطتها لئلا تكون سببا لوقوع هذه المأساة الانسانية والبيئية.

Read in English

عبد الجواد سكران

مهندس قضي عشرين عاماً يعمل في محطة سد الفرات، وفي عام 2013 تم تكليفه بإدارة محطتي سد الفرات والبعث، ولكنه ترك سوريا في نفس العام.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط