تاريخ إدلب القديم يندثر على أيدي المتطرفين

تاريخ إدلب القديم يندثر على أيدي المتطرفين

اشترك في نشرتنا 

تشهد إدلب محاولات يائسة من فرق تطوعية للحفاظ على ما تبقى من آثار المدينة الواقعة في شمال غربي سوريا،  إلا أنها  لم تنجح بسبب سيطرة الجهاديين على معظم أرجاء المدينة، لأن أي مكان يحتوي على قطع أثرية هو عرضة للسرقة المباشرة في وضح النهار من عناصر ملثمة محسوبة على تيارات جهادية معروفة في إدلب في إشارة إلى هيئة تحرير الشام، هذا ما أكده أحد المتطوعين من أبناء المدينة مشيراً الى أن ما تم حفظه هو فقط اثار بسيطة وليست ضمن قائمة اهتمامات الجهاديين، أي ما ليس له قيمة مادية من تماثيل فخارية أو لوحات أثرية، في حين يعمل بعض الجهاديين ممن ينتمون لهيئة تحرير الشام ليل نهار ضمن ورش خاصة على نبش القرى القديمة في معظم أرجاء المدينة.

قرية البارة في جبل الزاوية مثال واضح عما يجري من بحث وتنقيب عن الآثار، فالقرية تحوي ملحقًا بطول 4 كم وعرض 3 كم، هو القرية الأثرية التي تضم شواهد مهمة لحضارات تعاقبت عليها، معظم القبور والكنائس في القرية شبه مدمرة بسبب كثرة عمليات الحفر فيها. أكد ناشطون من المنطقة أن العمليات مستمرة حتى الآن، مؤكدين أن هناك عشرات الأنفاق انشأها الجهاديون ورفعوا عليها علم الهيئة كي لا يتجرأ أحد على منعهم من اتمام العمل أو المضي فيه دون عوائق من ناحية تدخل هذه الجهات التطوعية التي كانت تعمل على حفظ ما تبقى من أثار المدينة.

قرية القنية المسيحية في ريف إدلب الغربي تعرضت لعملية سلب كبيرة شملت الكنيسة والدير الواقع بجانبها بسبب أعمال تنقيب وتخريب تهدف البحث عن الذهب. تقع القرية الآن تحت سيطرة مجموعات متشددة محسوبة على الإسلاميين المؤيدين للقاعدة. والقرية كان يقطنها مسيحيو سوريا الشرقيين، إلا أنهم تركوها بعد دخول تنظيم داعش إليها في عام 2014، ولم يعودا إليها بعد مغادرة التنظيم في العام التالي، مما سمح لجبهة النصرة آنذاك بالدخول إليها وفرض السيطرة المطلقة عليها. لا يُسمح لأي أحد في الوقت الراهن بالتوجه الى الكنيسة وتُمنع إقامة القداس فيها كما منعت دار القضاء في مدينة دركوش أي مسيحي من العودة للقرية بعد سيطرة هيئة تحرير الشام عليها (التي يقودها أعضاء ما سُمي جبهة النصرة سابقا).

فيما يخص شبكات التهريب الكبيرة التي أنشأتها الهيئة فإنها وحتى وقت قريب كانت تنقل الآثار واللقى الذهبية إلى تركيا، وهناك تتولى هذه الشبكات بيعها إلى دول أخرى بطريقة غير شرعية، تتولى فيها عصابات نقلها إلى تلك الدول، كما أشارت دراسات تسلط الضوء عن العلاقة بين التهريب بكل أشكاله والعصابات غير الشرعية.

تجارة الآثار هي تجارة كبيرة مربحة ولا تحتاج إلى معدات معقدة كما أكّد أحد منقبي الآثار ممن يعمل في هذا المجال يدعى حكيم وهو سوري متخصص في البحث عن الآثار الذهبية، قال في اتصال هاتفي إن تنظيم داعش في السابق وجند الأقصى وهيئة تحرير الشام لديها فتوى دينية ببيع الاثار واللقى الذهبية دون أي تردد، يؤكد حكيم أن المسؤولين الشرعيين لهذه التنظيمات يعتبرون الآثار التي تمجد شخصيات تاريخية بمثابة أصنام ولا مانع من الاستفادة منها بما يخدم “الشريعة الإسلامية”، وأضاف الشاب أن المجموعات الجهادية من المغرب العربي هي من تختص بشكل رئيسي بالبحث والتنقيب عن الذهب، ويستعملون الأجهزة نفسها التي تستخدم في كشف الألغام، حيث يجرون عليها تعديلات بسيطة تؤدي إلى زيادة الحساسية تجاه المواد المعدنية المخبأة في باطن الأرض.

في بداية العام الماضي نشطت مجموعات كثيرة في البحث عن الآثار بسبب توقف القتال لفترة وجيزة ضمن ما يسمى مناطق خفض التصعيد، تحولت مدينة سرمدا إلى سوق رئيسي لتجارة الآثار والأسلحة وغيرها، وهي تقع بالقرب من مدينة باب الهوى، احدى البوابات الحدودية مع تركيا في غرب سوريا، وتوجد غرف خاصة على تطبيق تلجرام أنشأها مهربي الآثار في المنطقة تعرض فيها اللوحات الأثرية الذهبية والتماثيل ويشترك فيها تجار من تركيا، ويتم فيها عقد الصفقات، ثم يتم تهريبها بطريق غير قانوني إلى الجانب التركي. إلا أن هذه التجارة شهدت تراجعا ملحوظًا في الوقت الراهن بسبب إحكام الجيش التركي مراقبته على كافة المنافذ الحدودية بعد الانتهاء من بناء الجدار الفاصل الذي منع تسلل هذه الاثار إلى دول الجوار، ورغم ذلك فإن العديد من هذه الشبكات لا زالت تحتفظ بمخزون أثري يمكن وصفه بالنفيس، وتنتظر الفرصة المناسبة لنقله إلى الجانب التركي.

لا تحتوي إدلب على النفط الخام، لكن العديد من أبناء المدينة يؤكدون أن المدينة تضم عشرات الشواهد والأماكن التي تدل على الحضارات التي كانت تعيش في المنطقة كمملكة ايبلا، وتحوي المدينة على 400 موقع آثري، جعلت هذه الحضارات من المدينة مدفنًا لكميات كبيرة من الذهب. محافظة إدلب غنية بالآثار القديمة، ويرجع تاريخ بعضها إلى ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد، ويوجد على حدودها الجنوبية موقع اللطامنة العائد إلى العصر الحجري القديم. وقد شهدت المنطقة منذ الألف الرابع قبل الميلاد موجات من الهجرة الكلدانية والآرامية أسست فيها الكثير من القرى التي تسمى كفرا مثل كفرلاته وكفرزيبا وكفركيلا وكفرتخاريم وغيرها، أو يبدأ اسمها بكلمة معر (مغر) كمعراته ومعرزاف ومعرتارح وغيرها،  وتضم محافظة إدلب الكثير من المناطق التاريخية الأثرية، وتاريخها حافل بالحوادث والعمران، لأن أراضيها كانت ممراً للغزاة على مر العصور ومن أشهر مدنها الأثرية، مدينة ايبلا التاريخية في تل مرديخ قرب سراقب وهي حاضرة أقدم مملكة ازدهرت في سوريا بين عامي 2400 و2250 ق. م.

عثر مؤخرًا جهادي فرنسي على عملة نقدية يعود تاريخها إلى حقبة ما قبل الميلاد. بالإضافة إلى تمثال ذهبي يزن 5 كيلو جرامات، قام بعرضهما في غرف تطبيق تلجرام بانتظار الحصول على عرض مناسب، وقال ضمن هذه الغرفة أنه يطلب مبلغ 100 ألف دولار لقاء عشرين قطعة نقدية بالإضافة الى التمثال. يعتبر هذا الجهادي أن ما وجده هو ملك له وحصل عليه كثمرة لتعبه، وسيدفع لهيئة تحرير الشام 5% من قيمة الصفقة التي ينوي عقدها، ومن ثم يصبح ما تبقى حلالًا وفق ما يؤكده الشرعيين من الهيئة في غرفة تطبيق تلجرام هذه.

قام الجهاديون بتخريب متعمد للأعمدة الحجرية الكبيرة إدلب معتبرين أنها شاهد على حضارات غير إسلامية، ويحق لهم التصرف فيها كونها لا تنتمي للحضارة الإسلامية، قرى جبل الزاوية تضم عشرات الأعمدة كبيرة الحجم تعرضت للتخريب والتدمير ضمن في هذا السياق. لا يوجد أي سلطة قادرة على وقف هذا التخريب، كما أن الحفاظ عليها في أماكن معلومة بعد استخراجها يجعلها عرضة للسرقة أكثر من كونها مخبأة تحت الأرض. دخل تنظيم جند الاقصى في عام 2015 إلى متحف إدلب المركزي، وقام بالسيطرة على كل الاثار المتواجدة في المتحف، في عام 2016، قام بتهريب جزء كبير منها إلى مناطق تنظيم داعش في العراق، حيث الأمور هناك أيسر من ناحية تسويقها وبيعها بأسعار مرتفعة، فالتعقيدات الأمنية على الجانب العراقي أقل مقارنة بالجانب التركي، مما يسهل وصول التجار إلى مناطق سيطرة التنظيم لإنجاز مثل هذه الصفقات.

اشترك في نشرتنا English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة