تراجع قوات النخبة السورية

تراجع قوات النخبة السورية

يضر التوتر المتزايد بالعلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد، وقوات النخبة السورية التابعة للقبائل العربية، في الوقت الذي يتعاون فيه الطرفان في معركة الرقة. في الخامس والعشرين من أغسطس/آب، انشقت سبع وحدات تابعة لقوات النخبة السورية، والتي يأتي أغلب مقاتليها من دير الزور، وانضمت إلى المجلس العسكري في دير الزور، والذي تم تشكيله من جانب قوات سوريا الديمقراطية حديثاً، وهو مجلس عسكري يشكل ائتلافا بين قوات سوريا الديمقراطية والولايات المتحدة استعدادا لمعركة متوقعة لطرد تنظيم داعش من دير الزور. بينما تبدو قوات النخبة السورية كجزء من العملية في الرقة جنباً إلى جنب مع قوات سوريا الديمقراطية، إلا أن آفاق التعاون بين المجموعتين مظلمة. قد تزداد التوترات الأخيرة، وإذا وضعنا في الاعتبار صغر حجم قوات النخبة السورية، فإن هذه القوات يمكن أن تجد نفسها في وضع أسوأ إذا ما طردت من معركة دير الزور، وخسرت دعم الولايات المتحدة.

حتى الآن، هناك قضيتان تتسببان في توتر العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات النخبة السورية، الأولى هى تضاد الأجندتين السياسيتين فيما يتعلق برؤية كلا منهما للكيفية التي يجب أن تكون عليها سوريا، أو على الأقل المنطقة الشمالية الشرقية، والأخرى هو أن الطرفان لديهما أهداف مختلفة بالنسبة لحكم المناطق ذات الأغلبية العربية بمجرد هزيمة تنظيم داعش، سواء كانت الرقة أو دير الزور.

قامت قوات النخبة السورية، والتي أسسها في مايو/آيار 2016 القيادي القبلي والمعارض السوري البارز أحمد الجربا، ببناء تحالف مع قوات سوريا الديمقراطية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، مما جعل هذه القوات شريكاً في عملية تحرير الرقة من سيطرة تنظيم داعش. على عكس المجموعات العربية الأخرى التي تشارك في عملية الرقة، فإن قوات النخبة السورية ليست عضواً في قوات سوريا الديمقراطية، التي يبلغ قوامها 50 ألف شخص. كل المجموعات العربية الأخرى المشاركة في قوات سوريا الديمقراطية، التي أسستها الولايات المتحدة وتعمل تحت قيادتها المركزية، لهم رؤيتهم الفردية، والتي تندرج بشكل كبير في رؤية المجموعة المهيمنة على جل تشكيل هذه القوات، خاصة وحدات حماية الشعب الكردية. وبينما تقدم قوات النخبة السورية نفسها بوصفها شريكاً في الائتلاف الدولي ضد داعش، يبدو أن الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية استغلوا الصلات القبلية الطبيعية التي تمتلكها قوات النخبة السورية في بداية العملية من أجل التواصل مع القيادات العربية القبلية في الرقة، من أجل الحصول على دعم سياسي. جزئياً، بسبب قوات النخبة السورية، لم تفتقر قوات سوريا الديمقراطية للعنصر البشري.

بالرغم من ذلك، فإن أجندتي المجموعتين تظل متباعدةتين بشكل يجعل من اختلافهما المطلق أمر متوقع؛ ليس لدى قوات سوريا الديمقراطية، مشروع ضد الأسد مثل قوات النخبة السورية، بينما المقاتلون الذين شكلوا قوات النخبة السورية كانوا في يوم من الأيام أعضاء في المجلس العسكري التابع للجيش السوري الحر، والذي تأسس في 2014، وتم حله عقب هزيمته في مجزرة الشعيطات سيئة السمعة.

إضافة إلى ذلك، فإن قوات النخبة السورية مرتبطة بالحزب السياسي السوري المعارض “تيار الغد السوري”، والذي يقع مقره في القاهرة، والذي، منذ بث خبر الانشقاق، وهو يعزز على موقعه الإلكتروني رؤية وطنية للبلاد، ويؤكد على أن العلاقات مع قوات سوريا الديمقراطية مستمرة. إلا أن الحزب قد صرح بأن قوات النخبة السورية عليها أن تلقى المزيد من الدعم من الولايات المتحدة، ويجب أن يكون لها دور في المستقبل السوري، وهو انتقاد غير مباشر لحقيقة أن الولايات المتحدة تمنح دعماً أكبر لقوات سوريا الديمقراطية. على جانب آخر، فإن قوات سوريا الديمقراطية تتصل بقيادتها السياسية الممثلة في المجلس السوري الديمقراطي، والمؤسس في العام 2015 ويسيطر عليه السوريين الأكراد، يرغب في نظام فيدرالي لكل سوريا، بما يضمن توفير حكم ذاتي كردي في شمال شرق البلاد.

التحالف الأصلي بين قوات النخبة السورية وقوات سوريا الديمقراطية كان تحالفاً تم تشكيله بين القيادات: تيار الغد السوري ممثلا لقوات النخبة السورية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الجناح السياسي لوحدات حماية الشعب الكردية، وهو الحزب المحرك لقوات سوريا الديمقراطية، والقوة الحاكمة في مناطق الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا؛ وقعت القيادتان مذكرة تفاهم في سبتمبر/أيلول 2016 بالقاهرة، تؤكد على الحاجة إلى التعاون، وإيجاد حل للأزمة السورية. في يونيو/حزيران أجرى الكاتب حوارا مع منذر أكبيك، المتحدث الرسمي لحزب الغد السوري، حيث قال إنه بالرغم من اتفاق حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب الغد السوري على التشارك، إلا أنهما لم يتفقا على الفيدرالية “لكنهما اتفقا على اللامركزية”.

أما نقطة التوتر الأخرى فهي الدور الذي يفترض أن تقوم به قوات النخبة السورية في إدارة المناطق ذات الأغلبية العربية بعد هزيمة داعش؛ مع انضمام قوات النخبة السورية لعملية الرقة، كانت هذه القوة العربية تتطلع إلى الحصول على دور حاكم في الرقة بعد داعش، بالنظر إلى أنها تضم مقاتلين من قبائل الرقة. قال أكبيك أيضا أن قوات النخبة السورية كانت تناقش مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية دور محتمل لها في حكم الرقة.  في أغسطس/آب، بدأت قوات النخبة السورية في انتقاد الولايات المتحدة لعدم وجود استراتيجية واضحة لكيفية التعامل مع مسائل الحكم في الرقة ودير الزور بعد هزيمة داعش، مما يوحي بأن قوات النخبة السورية لم يتم منحها الدور الذي تريده. على الرغم من أن قوات النخبة السورية تقبل ظاهرياً العمل مع قوات سوريا الديمقراطية – على عكس المجموعات المعارضة العربية الرئيسية الأخرى – يبدو أن قوات النخبة السورية تعارض بشدة الحكم الكردى الذي يتسع ليشمل مناطق غير كردية.

بينما رحبت قوات سوريا الديمقراطية بالتعاون مع قوات النخبة السورية عسكرياً، فإن القوات التي يقودها الأكراد لديها هواجس من وجود مجموعة عربية لا تؤيد رؤيتها، ولا تتبع قيادتها العسكرية المباشرة، وقد وصلت الخلافات بين الجانبين في يوليو/تموز إلى حد انسحاب قوات النخبة السورية من مواقعها في الرقة تقريبا. إن انشقاق مقاتلي قوات النخبة السورية وانضمامهم لقوات سوريا الديمقراطية في عملية دير الزور، يعزز بالفعل هيمنة قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة الشمالية الشرقية. ومنذ بداية الشراكة بين المجموعتين، سعت قوات النخبة السورية إلى المحافظة على استقلالها، وعدم إدراجها ضمن قوات سوريا الديمقراطية؛ قال المتحدث باسم قوات النخبة السورية محمد سيف شاكر للكاتب في يونيو/حزيران أنهم غير راضين عن حجم الدعم العسكري الذي تتلقاه المجموعة من الولايات المتحدة، ولكن أيضا، وعلى وجه الخصوص، أنه يأتي من خلال قنوات تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وليس بشكل مستقل لهم كمجموعة مستقلة.

وتزعم قوات النخبة السورية بأن لديها ما بين ثلاثة آلاف وثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل بين صفوفها، وقد ورد أن الانشقاق كان بين حوالي ثلاثمائة جندي، إلا أنه لم يتم التأكد بعد. ومع ذلك،تزعم مصادر الأخبار المؤيدة للأكراد أن قوات النخبة السورية ليست لديها سوى ألف مقاتل.

عانى أعضاء وقادة كل من قوات سوريا الديمقراطية وقوات النخبة السورية على يد داعش، وهم مدفوعون بالكراهية الشخصية لمواجهة الجماعة الإرهابية؛ ومع ذلك، فإن أهدافهم السياسية لسوريا بعد داعش بدأت تُفسد علاقاتهم وتضر بهم. ونظراً لصغر حجم القوات القبلية، والافتقار إلى المعدات العسكرية والتدريب، وضعف الروابط مع الولايات المتحدة بالمقارنة مع قوات سوريا الديمقراطية، فإن قوات النخبة السورية قد تفقد المزيد من مقاتليها، الذين سينضمون إلى قوات سوريا الديمقراطية؛ وفي الوقت الذي تواصل فيه تحدي قوات سوريا الديمقراطية، فإن قوات النخبة السورية تواجه خطر فقد المزيد من المقاتلين.

عند هذه النقطة، يبقى أن نرى ما إذا كان الجانبان سيتجاهلان خلافاتهما، والتركيز، بدلاً من ذلك، على محاربة تنظيم داعش؟ إذا استمرت العلاقات في التدهور، فمن شأن ذلك أن يضر قوات النخبة السورية أكثر من قوات سوريا الديمقراطية، لاسيما بالنظر إلى الدعم القوي الذي تقدمه الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية مقارنة بما يمكن اعتباره استبعاد للمجموعات الأخرى في شمال شرق سوريا.

اشترك في نشرتنا English

عبد الرحمن المصري

صحفي ومحلل يركز على سياسات الشرق الأوسط وقضايا الأمن والسياسة الخارجية، وهو باحث في مؤسسة SecDev Foundation، حيث يركز على حرب المعلومات والأمن الرقمي في سوريا، يمكن متابعته على تويتر من خلال AbdulrhmanMasri@.

شاهد أيضاً

الصراع وندرة المياه في اليمن وسوريا

ربما لا يبدو أن ندرة المياه هي المحرك الأهم للصراع، إلا أن في سوريا واليمن، فإن أزمة المياه عنصر هام يستمر في التأثير على البلدين. بينما يبدو أن العنف والاضطراب السياسي هما الأكثر ضغطاً، إلا أن النزاعات نفسها متصلة بنقص المياه، وتتفاقم بسبب هذه القضية الأساسية.

الحراك الشعبي في مواجهة الإدارة المدنية لجبهة النصرة

بعد أن استتبت السيطرة لهيئة تحرير الشام عسكرياً، بدأت الهيئة العمل على السيطرة على القطاع المدني عبر مبادرة أطلقت عليها "الإدارة المدنية للخدمات"، والتي تهدف من خلالها لتشكيل جسم مدني يتولى إدارة المناطق المحررة، والاشراف على عمل المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني.

كيف اختطفت جبهة النصرة الثورة السورية

بدأت جبهة النصرة بمختلف تسمياتها اللاحقة بمهاجمة فصائل الجيش السوري الحر، حيث بدأت أول هجوم لها على جبهة ثوار سوريا في أواخر عام 2014، لتتمكن من القضاء على أكثر من عشرة فصائل أخرى بعدها، ومن ثم القضاء على حركة أحرار الشام الإسلامية في يوليو/تموز من هذا العام.