مخاطر انسحاب الولايات المتحدة من سوريا

مخاطر انسحاب الولايات المتحدة من سوريا

اشترك في نشرتنا 

شهد الأسبوع الأخير من شهر مارس/آذار 2018 قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتجميد أكثر من 200 مليون دولار من أموال الدعم المقدمة لإعادة الاستقرار والبناء في سوريا، في سياق قيام الإدارة الأمريكية بإعادة تقييم دورها في عدد من الصراعات الممتدة حول العالم. هذه الإجراء يشير إلى إمكانية سحب القوات الأمريكية من سوريا في الوقت القريب، حيث قال ترامب أن الولايات المتحدة يمكن أن تخرج من سوريا. وصفت هذه التصريحات بالغير مرضية للعديد من الأطراف على الساحتين السورية والأمريكية، التي ترى في انسحاب واشنطن من سوريا فرصة لتوسع النفوذ الإيراني، الممتد أساساً على مساحات واسعة جداً في المنطقة، من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان.

في حال انسحاب الولايات المتحدة من سوريا ووقف دعمها، فإن القوات الكردية في شمال شرق سوريا، والتي تشكل الحليف الأساسي للقوات الأمريكية في سوريا، ستنزع للاتجاه نحو نظام الأسد، كما كان الحال في تحالفها مع مليشيات الأسد في معركة عفرين الأخيرة ضد تركيا وفصائل درع الفرات، والسماح لمليشيات الدفاع الوطني التابعة للأسد بالدخول إليها. الأمر الذي يفتح المجال لانتقال المليشيات المدعومة إيرانياً للسيطرة على شمال شرق سوريا، ما يجعل الطريق مفتوحاً أمامها باتجاه تشكيل “الهلال الشيعي”، الممتد من إيران مروراً بالعراق إلى شمال شرق سوريا، فحلب وحمص، انتهاء بميناء اللاذقية على البحر المتوسط.

كانت سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما غير فعالة في إدارة الصراع الدائر في الشرق الأوسط بصفة عامة وفي سوريا بصفة خاصة، ولكن تبقى سياسة ترامب المعتمدة على الخطط قصيرة الأمد، وغياب استراتيجية واضحة هي الأسواء على الأطلاق. حيث تعتمد هذه السياسة بالأساس على الضغط على الدول المؤثرة في الصراع السوري، مثل تركيا وألمانيا وفرنسا والسعودية، لزيادة دعمهم للاستقرار في سوريا، عن طريق التلويح بالعصا، بالسماح بالتمدد الإيراني في مناطق غرب الفرات، وعدم القدرة على كبح جماح المارد الروسي، والذي يمتلك السيطرة الأكبر على الساحة السورية. في سياق ذلك، تظل مصلحة الشعب السوري غائبة، وعدم تقديم أي دعم لفصائل الجيش الحر، أو حتى إيجاد قاعدة لعيش مشترك بين العرب والأكراد في الشمال السوري.

ومع احتدام الصراع ضد تنظيم داعش في محافظة دير الزور، اندلع سباق للسيطرة على حقول النفط، بين الولايات المتحدة الأمريكية ووكلائها من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من جهة، وبين روسيا ومليشيات النظام من جهة أخرى. يشكل النفط إحدى أوراق الضغط الرابحة في المفاوضات على مستقبل الحل السياسي في سوريا. تسيطر قوات قسد على قرابة 80٪ من حقول النفط السورية، وهى ورقة الضغط الأخيرة التي تتحكم بها الولايات المتحدة الأمريكية في سبيل تقاسم المغانم على الساحة السورية مع الأطراف الأخرى، خاصة روسيا. إن للنفط أهمية كبيرة في عقود إعادة الإعمار، كما أن للرئيس الروسي بوتين مطامع في الاستثمار في النفط السوري، ليكون الفاتورة التي ستعوض بلاده عن انفاقها العسكري في سوريا. وهو الأمر الذي قد يدفع روسيا لإقامة قواعدها العسكرية قرب حقول النفط في شرق سوريا لحماية استثمارات شركاتها.

في سياق هذا السباق للسيطرة، لم ينتهِ وجود تنظيم داعش الإرهابي في سوريا بعد. بالفعل، خسر التنظيم مساحات واسعة من مناطق سيطرته بعد المعارك التي خاضتها ضده قوات قسد المدعومة من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وصارت تقتصر مناطق نفوذه على بعض المناطق في ريف دير الزور، ووجود بعض فلول التنظيم في منطقة البادية السورية. إلا أن تنظيم داعش لايزال يشكل خطراً حقيقياً على الاستقرار في المنطقة، بحسب تصريح محمد الصالح الناطق باسم الرقة تذبح بصمت “لايزال تنظيم داعش يمتلك القدرة على شن هجمات دموية وإمكانية إعادة توسعه في عدد من المناطق السورية، حال تهاون القوات المهاجمة له أو انسحابها، بالرغم من خسارته لقدراته القتالية بشكل كبير”.

إن خطر عودة التنظيم سيتضاعف في حال انسحاب القوات التي تقاتل ضده من المعركة قبل نهايتها، ما سيتفتح الطريق أمام عودة نسخة جديدة أكثر دموية من هذا التنظيم الإرهابي. فقد كان لانشغال الأطراف المختلفة التي تقاتل التنظيم بأزمات أخرى، دوراً في إعطاء الوقت له لتجميع قواه الخائرة مرة أخرى والعودة للقتال. ففي العراق على سبيل المثال، كان الاستفتاء الكردي على استقلال كردستان تجسيداً لهذا التخوف. هذا الاستفتاء دفع الحكومة العراقية إلى سحب قواتها المقاتلة ضد تنظيم داعش في محاولة لاستعادة كركوك وغيرها من الأراضي المتنازع عليها مع الأكراد. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كان للهجوم الذي شنته قوات درع الفرات والجيش التركي على منطقة عفرين الكردية في الشمالي السوري أثراً سلبياً، حيث سحبت قوات قسد، والتي تشكل المكون الأساسي في قوات وحدات حماية الشعب الكردية، بعض قواتها من جبهات قتال تنظيم داعش.

عودة تنظيم داعش مرة أخرى محتملة بسبب خبرته العسكرية، فقد كان قادة داعش يعلمون مسبقًا أنهم سيفقدون الموصل والرقة على المدى البعيد، ونجحوا في إخفاء خليفتهم أبو بكر البغدادي بعيدًا عن الموصل. من المرجح أيضاً أن التنظيم قد تدبر أمر الحفاظ على قادته ذوي الخبرة بأمان في مخابئ آمنة في صحاري العراق وبادية سورية، كما أن التنظيم أعد مخابئ للأسلحة في الصحراء، وهذا ما مكنه سابقًا من البقاء على قيد الحياة متحولاً من مسمى “مجلس شورى المجاهدين” إلى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وذلك بعد الهزيمة بين عامي 2007 و2011، والظهور مرة أخرى عندما أصبحت الظروف مناسبة، ويبدو أن تنظيم داعش اليوم يأمل في أن يستعيد قوته مرة أخرى بنفس الطريقة.

إذا كان من غير المرجح أن يعود تنظيم داعش مرة أخرى بنفس قوته السابقة بسبب الضربات القوية التي تعرض لها من جانب القوات التي تحاربه في سوريا والعراق. إلا أن التنظيم يستطيع أن يثير الفتنة الطائفية والكراهية في المناطق التي كان يسيطر عليها. على سبيل المثال، يشعر الكثير من السوريين بالشك تجاه مواطني الرقة ويعتبرونهم أعضاء سريين في تنظيم داعش. والأمر نفسه في الموصل في العراق. كما أن سياسة العقاب الجماعي التي تتبعها قوات الحشد الشعبي ضد العرب السنة قد تساعد التنظيم على العودة من جديد وتوفير حاضنة شعبية له، حيث نفذ تنظيم داعش عمليات انتحارية في منطقة الحويجة جنوب غرب محافظة كركوك قُتل فيها 27 شخص من قوات الحشد.

إن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، ووقف الدعم المقدم لاستقرار المناطق الخارجة عن سيطرة تنظيم داعش، هو هدية ثمينة على طبق من ذهب يقدمها ترامب لصالح روسيا وإيران وتنظيم داعش ولنظام الأسد بالطبع. هذا في الوقت الذي يحتاج فيه الشعب السوري والمنطقة لسياسة واضحة طويلة الأمد، تضمن حلاً سياسياً ينتهي برحيل الأسد، ومنع ظهور التنظيمات الراديكالية مرة أخرى في بؤرة الصراع المحتدم في سوريا.

اشترك في نشرتنا English

فراس حنوش

عضو حملة الرقة تذبح بصمت، عمل طبيب ميداني في سوريا سابقاً، وانخرط في برنامج دعم المعارضة السورية المعتدلة.

شاهد أيضاً

ليبيا: أزمة مستمرة أم أمل محتمل؟

يبدو أن الوضع في ليبيا متعثراً بشكل لا رجعة فيه. فالحكومة المعترف بها دولياً برئاسة فايز السراج في طرابلس وحكومة عبد الله الثني في مدينة البيضاء – والمدعومة من قبل البرلمان المنتخب في عام 2014 في مدينة طبرق – تعانيان من التباعد في المواقف كما كانوا من قبل.

الانتخابات العراقية: النتائج المحتملة والقضايا الرئيسية

يدعوكم المجلس الأطلنطي لنقاش مع نخبة من الخبراء حول المخرجات المحتملة في فترة ما بعد الانتخابات العراقية، والتحالفات السياسية التي ستشكل الحكومة الجديدة والتي يمكن أن تنتج عن هذه الانتخابات، والاصلاحات السياسية والدستورية التي تحتاج الحكومة الجديدة لتبنيها

عناصر الدفاع المدني في مهمة انتحارية في الغوطة الشرقية

فقد الدفاع المدني السوري في ريف دمشق عشرة من عناصره خلال الحملة الأخيرة لنظام الأسد على الغوطة الشرقية، وقال سراج محمود، الناطق باسم الدفاع المدني أن من بين القتلى محمد قاسم مصاروة، أحد مؤسسي الدفاع المدني في الغوطة، وأصيب 25 آخرون بجروح.