معركة الرقة… حرب التكتيكات والحذر الأمريكي

احتفظ مركزي قوة تنظيم داعش في الموصل والرقة برابطة قوية، وتم نشر المقاتلين بأعداد كبيرة على جانبي الحدود؛ وبينما تمكنت واشنطن وقوات الحشد الشعبي والجيش العراقي من حسم معركة الموصل، ظلت الرقة تستنزف قوات سوريا الديموقراطية، رغم قصف التحالف الدولي، والدفع أخيراً بطائرات الأباتشي؛ لذلك طال أمد معركة الرقة لعدد من الأسباب بعضها تكتيكي وبعضها سياسي.

مضى على حملة الرقة الثانية ما يقارب شهرين، حيث بدأ الإعلان الرسمي عن المعركة في 6 يونيو/حزيران (بدأت معركة الرقة الأولى في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2016)؛ ورغم أن عدد قوات سوريا الديموقراطية أضعاف عدد مقاتلي تنظيم داعش بشكل كبير، إلا أنها (قوات سوريا الديموقراطية) تواجه مقاومة شرسة من مقاتلي التنظيم، وكان التنظيم في معظم الأحيان يقوم بعمليات التفاف كبدتها خسائر بشرية فادحة.

نجح مقاتلو تنظيم داعش في فرض طريقة قتالهم على قوات سوريا الديموقراطية، ووضع قواعد اللعبة؛ وقد تمكن التنظيم من القيام بهذا الأمر من خلال التكيف مع القصف الجوي لطائرات التحالف الدولي، من خلال تشييد مجموعة من الأنفاق الضخمة في المدينة القديمة، وإيجاد مقار وسط الدمار يحمي مقاتليه من القصف. وبالرغم من القدرة الاستخباراتية لقوات سوريا الديموقراطية وعملائها في الداخل، إلا أنها حتى الآن لم تتمكن من اختراق الخطوط الأمامية للتنظيم، وقد اعترفت قوات سوريا الديمقراطية أنها تواجه عمليات هجومية نوعية وعمليات التفاف مباغتة من التنظيم، جعلتهم يتأنون جداً قبل التقدم نحو المدينة، فضلا عن بحر الألغام المحيط بالمناطق الحيوية في المدينة. وبعد الهزائم المتلاحقة للتنظيم، بات يعيد النظر حتى في العمليات المفخخة التي كانت عموده الفقري في ردع الهجمات ضده، إذ لوحظ تقليص كبير في العميات الانتحارية، في إطار استراتيجية “التقشف الجهادي”، وهو مصطلح تستخدمه القيادات الكردية التي تحارب في الرقة بعد أن لاحظت انخفاض في هذه العمليات التي ينفذها تنظيم داعش.

هذه التكتيكات القتالية التي اتبعها تنظيم داعش، جعلت قوات سوريا الديموقراطية تشعل جبهات القتال بشكل متنقل، بحيث لا تستقر هذه القوات على جبهة واحدة، وتعمل على تنشيط ثلاثة من خطوط الاشتباك، وفي أفضل الأحوال أربعة خطوط، بينما كان رد التنظيم على هذا التكتيك توزيع مقاتليه بشكل متوازن على هذه الجبهات، وهذا أحد أبرز العقبات أمام تقدم قوات سوريا الديموقراطية.

تفاؤل قوات سوريا الديمقراطية الذي ساد في يونيو/حزيران حينما بدأت الحملة على الرقة قد انتهى لعاملين: الأول إن هزيمة تنظيم داعش في أرض المعركة أصبح أكثر صعوبة مما كان متوقع، لأن التنظيم أصبح أكثر تمرساً في قتال الشوارع وفي المناطق الحضرية أيضاً، ولم تتمكن قوات سوريا الديمقراطية من الاستفادة من القوة الجوية لقوات التحالف؛ ثانيا: اكتسبت معركة الموصل زخماً أكبر من ذلك الذي اكتسبته معركة الرقة، على الرغم من أن الرقة هي عاصمة الخلافة، بسبب حجم الموصل مقارنة بالرقة، ولأن الولايات المتحدة أعطت دعمها الكامل لقوات الحشد الشعبي والجيش العراقي، في حين أنها بنت دعمها ببطيء لقوات سوريا الديمقراطية. علاوة على ذلك، تم تصوير معركة الموصل على أنها جهد لهزيمة تنظيم داعش، في حين أن معركة الرقة تم اهمالها لصالح الحرب الأهلية في سوريا، والتوترات الطائفية بين الأكراد والعرب.

معركة الرقة، فوق كل شيء؛ معركة تكتيك وجغرافيا، ذلك أن معادلة الكم سقطت في هذه المعركة، خصوصا وأن العدد الضخم لقوات سوريا الديموقراطية تحول إلى عبء عليها، بدلاً من أن يكون مصدر قوة، وذلك بسبب عدم القدرة على استيعاب الملتحقين من المناطق التي تحررت من التنظيم ويسعون للانتقام، خصوصاً الشباب العربي الذي وجد نفسه بلا مركز عسكري في منطقة تمتد من جنوب الحسكة إلى الرقة وسط بيئة مسلحة تبحث عن الوجود والدفاع عن أراضيها. حسب الإحصاءات التقريبية، بلغ عدد هذه القوات قرابة 45 ألف مقاتل في كل مناطق الشمال السوري، إلا أن القيادة العسكرية تتحفظ بشدة على الإفصاح عن عدد المقاتلين في معركة الرقة، فيما يرجح أن يكون عدد هذه القوات 10-15 ألف مقاتل، بينما يتحدث المراقبون للوضع في مدينة الرقة أن عدد مقاتلي التنظيم لا يتجاوز 3000 مقاتل.

لكن تلك العوامل ليست وحدها ما يؤثر على معركة الرقة، فهناك عوامل خارجية تتعلق بالإرادة الدولية، ذات أبعاد حيوية أعمق، وأكثر تأثيراً على مسار المعركة. فمن الناحية الاستراتيجية، فإن عين الإدارة الأمريكية باتت أكثر تركيزاً على مدينة دير الزور؛ بعد أن قطع التحالف شوطاً مهما في حصار الرقة، بدأ في إقامة روابط مع المجموعات من دير الزور، وتشجيع المليشيات المسلحة للانضمام للمعركة ضد تنظيم داعش. الولايات المتحدة تحاول التفكير في المستقبل، آخذة في الاعتبار الدروس المستفادة من مدينة الطبقة في غرب الرقة، والتي قام تنظيم داعش بالسيطرة عليها في مايو/أيار 2017، بعد حملة استمرت لمدة سبعة أسابيع. لم يكن لدى الولايات المتحدة أي خطة لحكم الطبقة بعد تحريرها من سيطرة التنظيم، وما تزال المدينة تفتقر للموارد الأساسية ومجلس محلي كفء.

بعد تحريريها، افتقدت الطبقة الاتجاه والكوادر المدنية لحكمها نتيجة لافتقاد الفاعلين المؤثرين والقوات اللازمة. ونبعت مخاوف أيضاً في حالة الرقة ودير الزور: ما الذي يمكن أن يظهر بعد تحريرها من تنظيم داعش؟ عدم وجود أي خطة لما بعد داعش يمكن أن يعطي الفرصة لعودة التنظيم، عن طريق تقديم الخدمات الأساسية للناس الذين هم في حاجة ماسة لهذه الاحتياجات.

حين اجتمع بيرت ماك جورك المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش، ببعض الشخصيات من مدينة الطبقة والرقة عقب نهاية المعركة، وطلب منهم تشكيل مجلس مدني، فوجئ بقائمة تحمل 17 اسماً فقط من مدينة الرقة والطبقة لتشكيل مجلس مدني، كان رده حين ذاك هل محافظة مثل الرقة يصل عدد سكانها إلى نحو مليون نسمة لا تملك أكثر من 17 شخصية معارضة يمكن أن تحظى بقبول المدنيين؟

ببساطة، إن التوقف بعد انتهاء الحملة العسكرية ليس خياراً، ليس فقط بسبب مخاطرة عودة المتشددين مجدداً، ولكن أيضاً بسبب الإطار الأوسع للحرب السورية. اخراج تنظيم داعش والرحيل بعد ذلك سوف يعطي مساحة للفاعلين الاخرين لمليء الفراغ، خاصة النظام السوري وإيران سوريا وحزب الله، والذين لا يريدون رؤية الولايات المتحدة تجني ثمار الحملة العسكرية الأمريكية.

المعضلة الموازية للفراغ الأمني في الطبقة والرقة، مخاوف الإدارة الأمريكية من منح المزيد من الامتيازات للقوى الكردية على الأراضي العربية، فقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية طوال الفترة الماضية، خصوصاً بعد تحرير منبج من توسيع القاعدة العرقية لقوات سوريا الديموقراطية لتشمل العرب وبقية العرقيات الأخرى، إذ بلغت نسبة العرب ما يقارب النصف في هذه القوات، حتى لا يُقال إن واشنطن تدعم الأكراد فقط. وتخشى واشنطن من النتائج السلبية للنجاحات العسكرية ضد داعش على استقرار المناطق ذات الغالبية العربية بسبب التوترات العرقية، فضلا عن مخاوفها من نمو ثقة الأكراد بقوتهم، وهذا ما لا تريده واشنطن في الفترة الحالية، على الأقل كي لا تفقد قدرة الضبط على هذه الميليشيات.

هنا يكمن المأزق الأمريكي؛ دير الزور ثاني أكبر محافظة في سوريا، ويبلغ عدد سكانها قبل عمليات التهجير مليونا ونصف المليون نسمة، كما تملك المدينة مخزونا هائلا من الغاز والنفط وقوى بشرية شابة هائلة يمكن في حال إعادة تأهيلها أن تكون القوة الطامحة لبناء هذه المحافظة والمناطق الأخرى؛ يضاف إلى كل ما سبق، كانت دير الزور ولا تزال الثروة المالية الضخمة لتنظيم داعش بعد أن فقد موارده في العراق. أما الأهمية الجغرافية تأتي من مجاورتها للعراق وحدودها المفتوحة مع الأنبار. كل هذه المعطيات تجعل الولايات المتحدة تفكر كثيراً في كيف يمكن استيعاب هذه المدينة والسيطرة عليها بأقل التكاليف، ثم الوصول إلى إدارة فعالة تملأ الفراغ الأمني ما بعد تحريرها.

اشترك في نشرتنا Read in English

عبد الله الغضوي

صحفي سوري ومحرر في صحيفة عكاظ السعودية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة