الارهاب والاقتصاد في تونس

رئيس الوزراء التونسي مهدي جمعة يتحدث مع نظيره الفرنسي. صورة من رويترز

على مدار العامين الماضيين عانت تونس من الهجمات الإرهابية، والتي كانت تتم عن طريق سيارات مفخخة، وتستهدف القيام بعمليات اغتيال سياسي، وفي سياق تزايد الهجمات الارهابية فإن عملية التعافي الاقتصادي – التي طغت عليها العملية الانتخابية بصورة كبيرة – تظل في خطر، خاصة مع استمرار ضعف الطلب على الصادرات التونسية في أوروبا، وتردد الحكومة في تنفيذ اصلاحات بنيوية، بالإضافة إلى فاتورة الأجور والدعم العالية، وفي هذا السياق يظل الاقتصاد يعاني من عدم وجود اتجاه قوي للنمو.

يتأثر الاقتصاد التونسي بصورة خاصة بالتهديدات الأمنية، فعلى عكس دولة الجزائر المجاورة – التي عايشت هجمات ارهابية خلال عقد التسعينيات – لا تمتلك تونس أي عائدات من النفط أو الغاز، أو حتى احتياطات نقدية من العملات الأجنبية، التي يمكن أن تحمى الاقتصاد من أي صدمات خارجية، إن الدولة في حاجة شديدة إلى تطوير منتجاتها، من أجل تحسين جودة هذه المنتجات وتنافسية أسعارها، هذا الأمر يمكن أن يحد من مدى تأثر الاقتصاد التونسي بعدم استقرار عائدات السياحة، ووضع نهاية لعجز الميزانية الحالي المزمن الذي تخطى 5.3% خلال النصف الأول من عام 2014، وهى نسبة أكبر إذا تمت مقارناتها بنفس الفترة من عام 2013، حيث بلغت نسبة العجز 4.4%.  

الارهاب والاقتصاد: قنوات التحويل  

في دولة يسود فيها حالة من عدم الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلي، وعدم عدالة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فإن خطر تغول الارهابيين الآني قد أثر بصورة سلبية على معدل النمو الاقتصادي، بالنسبة لدولة ما يزال يتراوح معدل نموها عند معدل منخفض للغاية – يصل متوسط معدل النمو بين 2% و3% سنويا – فإن المخاطر الأمنية يكون لها تداعيات اقتصادية كبيرة، لا تستطيع الدولة أن تتحملها في هذه المرحلة من عملية التحول، إن التهديدات الأمنية – وخاصة الهجمات الارهابية –  يمكن أن تشكل عائقاً أمام قنوات التحويل الرئيسية في تونس: السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة والنفقات الاجتماعية (أنظر شكل رقم 1)

شكل (1) الارهاب والاقتصاد التونسي
شكل (1) الارهاب والاقتصاد التونسي

يواجه قطاع السياحة أكبر المخاطر نتيجة للتأثير السلبي النابع من التهديدات الارهابية، إن ارتفاع وتيرة الارهاب يؤدي في  الغالب إلى تناقص في معدلات حجز السائحين، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع في عائدات قطاع السياحة أو ما يعرف بـ “تأثر الدخل، وباعتبارها من أحد الركائز التي يقوم عليها الاقتصاد التونسي، حيث تساهم السياحة بصورة مباشرة في التنمية الاجتماعية، وتوفير مصدر للعملة الأجنبية الصعبة، وتغطى عائدات السياحة أكثر من 50% من العجز التجاري في البلاد، ويقوم القطاع بتوظيف حوالي 12% من اجمالي القوة العاملة، إن قطاع السياحة بصورة عامة يساهم في عملة الرخاء الاقتصادي.

إن مناخ عدم الأمن الناتج عن الأعمال الارهابية يزيد من مخاطر عرقلة عمليات الابداع والتجديد في قطاع السياحة، والتقليل من نسبة الرحلات  الشاملة التي يمكن أن يقضيها السياح في تونس، ونتيجة لهذه الأمور فإن القطاعات الأخرى الداعمة لقطاع السياحة – مثل الأطعمة والمشروبات والمواصلات  والمشغولات اليدوية والمواقع الأثرية – لن تستفيد من مجرد وصول السياح إلى تونس، وهو الأمر المعروف بـ “تأثر الجودة، حيث أن التأثيرات السلبية لذلك يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الاضطراب في قطاع السياحة، ولا يمكن أن ننسى هنا التأثيرات المرتبطة بهذا الأمر على مؤشرات الاقتصاد الكلي الأخرى. 

فيما يتعلق بالاستثمار فإن استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مرتبطة بشكل كبير بالأعمال الارهابية، من ناحية أولى فإن الارهاب – أو أي أمور أمنية أخرى مرتبطة بعدم الاستقرار – يرفع من تكلفة القيام بالأعمال الاقتصادية بصورة مبدئية، بسبب الإجراءات الأمنية باهظة الثمن، وفي نفس الوقت تقلل من العائدات على الاستثمار الأجنبي المباشر، إن التكاليف العالية – باعتبارها نتيجة مباشرة للوضع الأمني الهش – تؤدي إلى هروب وانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، إن المستثمرين – باعتبارهم الأكثر نفوراً نحو المخاطر – يكونوا ضد المشاركة في أي سوق يتسم الوضع الأمني فيه بالهشاشة، تشير الأرقام الأخيرة المنشورة من جانب السلطات التونسية إلى انخفاض حاد في تدفقات الاستثمار الأجنبي، تم تسجيل هذا الانخفاض في النصف الأول من عام 2014، حيث بلغت نسبة الانخفاض 26.2% مقارنة بنفس الفترة من عام 2013.

من ناحية ثانية فإن الانخفاض في الاستثمار الأجنبي المباشر يؤثر بصورة سلبية على احتياطات النقد الأجنبي، مما يهدد قدرة البنك المركزي في تونس على مواجهة احتياجات السوق من العملات الاجنبية، فأي نقص في سيولة العملة الأجنبية يضع الكثير من الأمور الضاغطة على الدينار التونسي، مما يجعله ينخفض في مواجهة الدولار الأمريكي واليورو، إن تزايد ما يمكن تسميته بـ “مخاطر الدولة” الناتجة عن التهديدات الارهابية يؤدي إلى ارتفاع اقساط التأمين، خلال الأعوام الثلاثة الماضية قامت أكبر ثلاث مؤسسات للتقييم بتخفيض تقييم تونس في مؤشراتها، وأعزت هذه المؤسسات هذا الأمر إلى تزايد عدد الهجمات الارهابية  وعدم الاستقرار السياسي، قامت مؤسسة مودي بخفض التقييم السيادي لتونس من BA3 إلى BAA3، وقامت مؤسسة فيتش بتخفيض تقييم تونس من BBB- إلى BB، وقام مؤشر ستاندر أند بورز بتخفيض تقييم تونس من BB إلى B، هذا الخفض في تقييم الاقتصاد التونسي نتج عنه انخفاض صافي في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وزيادة صافية في أسعار البضائع المستوردة، وهو ما يمكن أن يغذي الضغوط التضخمية، ويقود المستثمرين والمستهلكين إلى تأخير قراراتهم الشرائية.    

من ناحية ثالثة فإن الارهاب يؤثر بصورة مباشرة على النفقات الحكومة الموجهة للبرامج الاجتماعية مثل التعليم والبنية التحتية وبرامج الرفاه الاجتماعية، حيث يؤدي الارهاب إلى تحويل النفقات إلى مجالات حفظ الأمن، والتأثير على النمو يمكن أن يخلق دائرة تغذية تتحرك للأمام والتي يمكن في الحقيقة أن تؤدي إلى  انعدام الأمن ونمو اقتصادي ضعيف، ومع انخفاض الاستثمارات الحكومية فإن النمو البطيء يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة والفقر، فمع اقتراب الاحتياجات الاجتماعية من درجة اليأس فإنه يترافق مع هذا الأمر الميل للاتجاه نحو العنف (انظر شكل رقم 1)، كما أن النمو المنخفض ينتج عنه انخفاض في عائدات الضرائب، مما يحرم الحكومة من القيام بمزيد من الانفاق على استجلاب معدات متقدمة، من أجل محاربة المجموعات الارهابية، وهكذا… 

بصورة عامة إن ارتفاع وتيرة الارهاب يمكن أن تضعف من معنويات الفاعلين الاقتصادين الرئيسيين (المستهلك والمستثمر)، ويساهم أيضاً في تدهور مناخ الأعمال، فالهجمات الارهابية تخلق حالة من الغموض، وتؤدى إلى تعزيز كل أشكال السلوك التكهني، مما يدفع المستثمرين وعوائل العائلات الي تأجيل مشاريعهم طويلة الأمد، إن عدم توافر الشفافية الانتخابية، وتأخير صدور قانون الاستثمار الجديد أدى في الحال إلى تجميد المستثمرين التونسيين في حالة من الانتظار والترقب، مما غذى انخفاض معدلات الاستثمار المحلي والنمو الاقتصادي، ويمكن أن يشعر المستهلكين بنفس الضغوط، خاصة فيما يتعلق بقرارات شراء السلع المعمرة والعقارات.    

خيارات لاستراتيجيات الخروج

من أجل مراجعة هذا الاتجاه المدمر في تونس يجب على الحكومة أن تأخذ في الحسبان عدد من الإجراءات على الجبهات الاقتصادية والأمنية، من بين هذه الإجراءات المطلوبة هو تأمين الحدود من أجل منع حركات المليشيات المسلحة والأسلحة من الدخول إلى البلاد أو الخروج منها، ومن أجل مراقبة الحدود بصورة فعالة فإن القوات المسلحة التونسية تحتاج إلى معدات حديثة، مثل طائرات الهليكوبتر وطائرات المراقبة ونظم تحكم معقدة في المطارات ونظم مراقبة مطورة في الموانئ وعمليات تفتيش أكبر، ومثل هذه المعدات يمكن أن تكون ذات أهداف مزدوجة في تحسين فاعلية عمليات مكافحة الارهاب في داخل الأراضي التونسية. تأمين الحدود أيضاً يمكن أن يلعب دوراً في مواجهة تأثيرات اقتصاد السوق الأسود الموازي، إن عمليات الاتجار عبر الحدود والتهريب وغيرها من الأنشطة الجنائية لا تؤدي فقط إلى زيادة حالة انعدام الأمن، ولكن أيضا تؤدي إلى انسحاب العمالة من الاقتصاد الرسمي، مما يخلق ضغوط على الانتاج والنمو، إن الارهابيين يستفيدون أيضا من ازدهار اقتصاد خارج القانون – والذي يقدر بحوالي 40% من الناتج المحلي الاجمالي – من أجل تمويل عملياتهم. 

وفي الوقت الذي تناقش فيه الجمعية التأسيسية الدستورية الوطنية التونسية مشروع قانون مكافحة الارهاب فإن عليها أن تضع في اعتبارها عملية المقايضة بين الحرية والأمن، إن الشرطة في حاجة إلى مساحة من أجل القدرة على التحقيق مع والقبض على الارهابيين المشتبه فيهم في إطار من القيود والحفاظ على الثقة العامة، إن القيود على الحريات إذا تم اتخاذها إلى حد بعيد يمكن أن تؤدي إلى عدم استقرار سياسي، والذي بدوره يمكن أن يؤثر بصورة سلبية على النمو الاقتصادي.

وأخيراً فإن على تونس أن تنسق مع شركائها الدوليين، حيث تظل كفاءة وفاعلية السياسة الداخلية ضد الارهاب معتمدة على إرادة السلطات التونسية في التنسيق ليس فقط مع جيرانها ليبيا والجزائر، ولكن أيضا مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين، فمن خلال دعم من الجيش الجزائري وحزمة مساعدات من جانب الولايات المتحدة، والتي وعدت بها الرئيس منصف مرزوقي خلال زيارته للولايات المتحدة في شهر أغسطس من العام الجاري، يمكن لتونس أن تخلق بيئة فعالة من أجل محاربة الارهابيين.  

على الجانب الاقتصادي فإن على الحكومة أن تضع على قائمة أولوياتها إجراءات اصلاح نظم الضرائب والدعم، من أجل تقليل العجز في الميزانية، وتعبئة التمويل اللازم من أجل مواجهة العوامل الاقتصادية التي تقود نحو الارهاب، والتعليم أيضاً من الممكن أن يساعد في مأسسة ثقافة التسامح، ومساعدة الطلاب على التكيف مع متطلبات بيئة العمل، إن مثل هذا الاتجاه الاصلاحي يمكن أن يقود الانخفاض في معدل البطالة، الأمر الذي يمكن أن يجفف المنابع التي من خلالها يتم تجنيد الارهابيين.

بين تحسين الأمن والسياسات الاقتصادية التي يقودها هدف النمو فإن الحكومة التونسية يمكن أن تكافح التهديدات الارهابية بفاعلية، وهى استراتيجية طويلة الأمد لا يمكن للحكومة أن تتحمل رفاهية تأجيلها.

Read it in English

معز العبيدي

باحث غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على التحديات الاقتصادية التي تواجه عملية التحول في تونس، ومدى فاعلية السياسات النقدية، والقواعد المنظمة للقطاع البنكي.