تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

اشترك في نشرتنا

على الرغم من عقد اتفاق سوتشي بين كل من الجانب الروسي والجانب التركي في شهر مايو/أيلول 2018 والذي ينص على عدم قصف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية بشمال غرب سوريا مقابل خروج كل مقاتلي المعارضة من المنطقة، وإقامة منطقة معزولة السلاح بعرض 15-20 كم، إلا أن الخوف من الطيران والقصف الجوي الروسي لا يزال يسيطر على سكان إدلب.

وفاء شابة متزوجة من الغوطة، انتقلت إلى مدينة إدلب بعد عملية الاجلاء في شهر مارس/أذار من العام الجاري. ونورس شاب جامعي من مدينة درعا، قدم إلى محافظة إدلب مع موجات الإجلاء إلى الشمال. يعيش الاثنان في نفس الشارع الواقع بحي القصور بمدينة إدلب. إذ لا تبرح وأنت تتحدث معهما إلا وهما يراقبان السماء خوفاً من القصف الجوي للطيران السوري والروسي.

يقول نورس لمدونة مصدر سوريا أن الاتفاقيات التي تبرم بين الدول، فيما يخص الشأن السوري، سرعان ما تتلاشى حسب المصالح، مؤكداً “كانت درعا -بحسب الاتفاقيات- خط أحمر، ولن يدخلها النظام السوري مرة أخرى، فكيف لي أن أصدق اتفاقية سوتشي؟ لذلك من الطبيعي أن يستمر الخوف من الطيران، وتعقب السماء يلازمني”. نفس المخاوف والهواجس عبرت عنها فادية، أم لطفل صغير، في مقابلة معها، حيث تقول “كانوا يقولون لنا أن اليوم هدنة ولا يوجد غارات للطيران السوري والروسي في سماء دوما، وما أن نخرج إلى الشارع من الأقبية حتى نسمع صوت الطيران في أجواء سماء المدينة”.

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان. وفاء تستخدم أيضاً نفس التطبيق، تقول “بات الدخول إلى التطبيق يلازمني”.

تطبيق الراصد هو تطبيق صممه كل من جون ياجر مع شريكه ديف ليفين. هما مصممان أمريكيان ذو اهتمام بالشأن السوري. يقوم التطبيق برصد حركة الطيران فوق سماء مناطق المعارضة السورية، ثم يقوم بإرسال تنبيهات إلى مستخدميه عن الوقت التقريبي لوصول الطيران إلى المنطقة المتوقعة. الراصد يرسل التنبيهات عبر تليجرام وواتساب وماسنجر الفيسبوك. لا يحتاج التطبيق إلى استخدام شبكة انترنت سريعة، إذ يكفي وجود إشارة ولو ضعيفة لشبكة الانترنت.

يعتمد تطبيق الراصد على مراقبين سوريين يتم تدريبهم من أجل مراقبة حركة الطيران، وتدوين ملاحظاتهم حول أي طائرة يرونها، ليقوموا على الفور بوضع تفاصيل حول اتجاه الطائرة والمكان الذي شوهدت منه هذه الطائرة او الطائرات. ثم تسجيل هذه الملاحظات في الأماكن المخصصة لها في التطبيق، ليعالجها البرنامج، ويقوم بحساب سرعة الطائرة ومسارها. ثمّ يقوم بإطلاق تحذيرات عبر رسائل إلى فيسبوك وتليجرام وواتساب. كما يتم نشر التحذيرات عبر إذاعة راديو فريش، ويتم إطلاق صفارات إنذار مدوية عبر المدن التي تقع على مسار الطائرة، والتي تسيطر عليها المعارضة السورية شمال غرب البلاد. يوجد في كل مركز للدفاع المدني السوري صفارة انذار، وحالما يستلم المركز تحذير بخصوص هجوم جوي، يقوم أحد متطوعو المركز بتشغيل صفارة الإنذار. ويقوم فريق مختص بالتحقق من صحة التحذيرات التي يتم نشرها على مدار الساعة.

يقول محمد دياب، منسق مشروع تطبيق الراصد، والذي تعتمد عليه منظومة الدفاع المدني السوري، لمدونة مصدر سوريا: “الراصد خدمة مقدمة من قبل الدفاع المدني السوري، انطلقت في أغسطس/آب 2016 لتبدأ بتغطية محافظة إدلب، ثم توسعت لتغطي محافظة حماه، واللاذقية، وحمص، وحلب، ودرعا، وريف دمشق، والقنيطرة… حيث نسعى لتحذير المدنيين من غارات الطيران في جميع أنحاء سوريا. ومع عمليات الإخلاء في كل من ريف دمشق وحلب والقنيطرة ودرعا، اقتصر التطبيق على ريف حماة وريف حلب والمناطق التي تتواجد فيها المعارضة المسلحة بالعموم.”

لا يخدم التطبيق المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة ولا تلك الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد) ويقتصر عمله فقط في مناطق سيطرة المعارضة السورية، حيث أن تشغيله يستلزم تركيب أجهزة معينة من أجل الرصد، وهذا الامر غير متاح في هذه الأماكن.

وأما عن كيفية استخدام التطبيق من قبل المستخدم، يقول الدياب “يقوم الدفاع المدني بحملات توعية منظمة على جميع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والمراكز الطبية والمخيمات، ويعمل أيضاً على نشر منشورات توعية ولافتات على الطرق بهدف وصول الخدمة لأكبر عدد من المستفيدين. وقد لوحظ إقبال من شرائح المجتمع على استخدام التطبيق، كون القائم عليه هو الدفاع المدني، الذي يعتبره السوريون القاطنون بمناطق سيطرة المعارضة الجهة الأولى التي تلبي نداءهم في حالات القصف الجوي.

وعلى الجانب الطبي، استفادت الكوادر الطبية في مناطق المعارضة من خدمة تطبيق الراصد، إذ لا تقتصر خدمة التطبيق على المدنيين وحسب، كما يؤكد الطبيب وليد عثمان، وهو طبيب في إحدى مشافي ريف حلب الغربي. يقول عثمان “كنا في السابق لا نعلم بحدوث أي قصف جوي إلا بعد حدوث القصف وإسعاف المدنيين إلينا، ونضيع بعضاً من الوقت الذي نحن بأمس الحاجة إليه لإنقاذ روح إنسان. لكن مع تفعيل تطبيق الراصد بتنا ككوادر طبية نجهز الأدوات اللازمة للحالات الإسعافية وغيرها مع تبليغنا عن طريق التطبيق لنأخذ تدابيرنا الطبية”.

في وقت سابق في شهر سبتمبر / أيلول صرح وزير الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية، أليستر بيرت، إن “هذه المبادرة (تطبيق راصد) التي تمولها المساعدات البريطانية يمكن أن توفر للمواطنين السوريين دقائق ثمينة، يصلون خلالها إلى بر الأمان قبل بدء الغارات الجوية”. أضاف بيرت أن هذا الأمر “أسفر فعلًا عن انخفاض بنسبة 27% في عدد الإصابات في المناطق التي تتعرض لقصف كثيف.” يذكر إن بريطانيا توفر الدعم لتطبيق الراصد عبر مؤسسة (Hala Systems).

بعد سبع سنوات من اندلاع الثورة السورية، ومع استمرار القصف التي تعرضت له مدن وبلدات سورية عدة، دمرت بشكل كامل أو جزئي، ومع عدم تمويل الدول للمعارضة السورية بمضادات للطيران، وعدم وجود قرار دولي فعلي يمنع نظام الأسد والطيران الروسي من قصف المدن التي تسيطر عليها المعارضة السورية، يساعد تطبيق الراصد في الحد من الموت في سوريا، ويخفف شيء من الخوف الذي تعيشه كل من فادية وطفلها ونورس، ومن تبقى من السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام بشار الأسد.

اشترك في نشرتنا

خليفة الخضر

مصور وكاتب سوري حائز على جائزة سمير قصير لحرية المقال والرأي عام 2017، ومؤلف كتاب الكناعيص شهادات من سجون تنظيم الدولة في سوريا.

شاهد أيضاً

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة