حكايات من سجل محاكمات الإيمان

والد المدرسة دميانة عبيد التي حكم عليها بغرامة 100 ألف جنيه لاتهامها بازدراء الاسلام في الأقصر. صورة من رويترز.

يعيش الدكتور محمود دحروج الذي تجاوز الستين من عمره حالة من الترقب، خوفا من القبض عليه لتنفيذ حكم صادر ضده بالسجن خمس سنوات في نهاية العام الماضي، بسبب انتمائه للمذهب الشيعي. اعتزله معظم معارفه وأصبحوا يتجنبون الحديث معه، يقضي دحروج وقته ما بين القراءة وتصفح الإنترنت، داخل جدران منزل لا يغادره إلا للضروريات.

بينما يتنقل فؤاد داوود المسيحي الذي صدر عليه حكما بالسجن عاما بتهمة ازدراء الاديان في سبتمبر/أيلول 2013 من قرية إلى أخري، بحثا عن عمل ومتخفيا خوفا على حياته، وذلك بعد نشر “بوست” على الفيس بوك اعتبره البعض مسيئاً للإسلام، وتعدى وقتها أهالي قريته – الرديسية – على منزله، وقرروا تهجيره من القرية بصفة نهائية، وتهجير بعض أفراد أسرته بصفة مؤقته. فؤاد انتقل من أدفو شمال محافظة أسوان إلى مركز أبو سمبل 400 كليو متر جنوبا، ومنها إلى القاهرة 1500 كليو متر تقريبا شمالاً، وحاليا هو في مكان غير معلوم، فؤاد كان يعمل مندوبا للمبيعات قبل محاكمته، بعدها تنقل فؤاد بين أعمال مختلفة، من عامل زراعة لحارس عقار لسائق وغيرها، جميعها لم تكون كافية لسد احتياجات أسرته التي ضاق بها الحال. 

أما الشاب كريم البنا فقد أعلن إلحاده على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، ونشر موقع إلكتروني وإحدى الصحف صورته ضمن صور آخرين أعلنوا إلحادهم.  فما كان من أهالي منطقته بمركز أدكو محافظة البحيرة إلا أن تعدوا عليه بالضرب، وعندما ذهب كريم لتحرير شكوى ضدهم قامت الشرطة باحتجازه والقبض عليه، بحجة وجود بلاغات ضده بازدراء الإسلام وإهانة الذات الإلهية. في 11 يناير/كانون الثاني الماضي صدر حكما بالحبس ضد كريم ثلاث سنوات وكفالة ألف جنيه لوقف التنفيذ المؤقت لحين الاستئناف. ثم قامت محكمة جنح مستأنف أدكو بتأييد الحكم في 9 مارس/آذار الماضي، وعلى كريم تسليم نفسه لقضاء العقوبة، حتى يتمكن من تقديم طعن على الحكم، وهي المرحلة الأخيرة له في إجراءات التقاضي.

لم يكن حال مايكل منير بشاي أفضل حالاً من الحالات السابقة، فهو شاب قام بوضع مقطع فيديو لحوار بين محمد عبد الله الشهير بالشيخ ميزو، يتحدث خلال برنامج تلفزيوني على قناة “القاهرة والناس” عن حديث إرضاع الكبير، وذلك في نوفمبر الماضي، وعقب وضع المقطع لم يحدث شيئاً لكن فجأة في فبراير/شباط 2015 تظاهر العشرات من مسلمي قرية دميان بمحافظة الدقهلية أمام منزله، مطالبين بمحاكمته بتهمة ازدراء الأديان وقاموا بإشعال النيران في موتوسيكل يملكه. كان مايكل في هذا الوقت في عمله، كعامل بأحد مصانع الغزل والنسيج بمحافظة دمياط. بسرعة تم إبلاغ جهة عمله وطلب منها عدم السماح له بالخروج، ثم قامت قوة أمنية من مركز بلقاس وتحركت للقبض عليه في جهة عمله. لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل قبضت الشرطة على خطيبته واحتجزتها يومين قبل اخلاء سبيلها، تم خلالهما استجوابها وسؤالها عن علاقتها بالموضوع. مايكل مازال يحاكم فقد قضت محكمة للجنح بعدم اختصاصها، وأعادت القضية للنيابة العامة، لتحيلها من جديد للمحكمة الاقتصادية المختصة بجرائم الإنترنت، ومازال مايكل محبوساً ينتظر مصيره.

وأثناء كتابة هذا المقال، تم القبض على يونان جاد يوسف مدرس و4 طلاب جميعهم مسيحيون بتهمة ازدراء الأديان وتهديد الوحدة الوطنية، وقررت النيابة العامة حبسهم على ذمة التحقيقات. وقد بدأت الواقعة بقيام الطلاب بأداء تمثيلي مدته نصف دقيقة خلال رحلة في نهاية عام 2014، للتهكم من دعاء أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والذي قام بذبح 20 قبطي وأجنبي في ليبيا فبراير/شباط الماضي أثناء الصلاة.  وفي بداية إبريل/نيسان الجاري فقد المدرس كارت الذاكرة لجهاز الهاتف الشخصي له، وكان يتضمن تصوير لأداء الطلاب، وقد شاهد بعض مسلمي القرية هذا الفيديو، فقاموا بالحشد ضد أقباطها، واعتدوا على عدد من منازلهم وحاولوا الاعتداء على الكنائس بها، لكن تصدي لها عقلاء مسلمون ومنعوهم من الاقتراب من الكنائس. ويوم الجمعة 17 إبريل/نيسان عقدت جلسة عرفية برعاية مساعد وزير الداخلية ومدير الأمن وقيادات شعبية وتنفيذية بالقرية، خلالها قدم كاهن الكنيسة وأقباط اعتذار عما حدث، كما قرر تهجير المدرس وأسرته المكونة من زوجته وأولاده، مع استمرار الاجراءات القانونية. 

عشرات الحالات الأخرى لمواطنون أصبحوا ضحايا لتهمة فضفاضة اسمها “ازدراء الأديان،” بعضهم يقضي عقوبة السجن في الوقت الحالي، والبعض الآخر يقضي عقوبة المجتمع بالتهجير والعزلة. فقد تغير النظام السياسي لكن بقيت الملاحقات الشعبية والأمنية والقضائية لمن يعبرون عن آرائهم، لو خالفت ما هو ساد من أفكار أهل السنة والجماعة أو اعتبرها البعض كذلك.

تملك المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة حقوقية خبرة طويلة في التعامل مع هذا النوع من القضايا، سواء بمساعدة ودعم ضحايا هذه الملاحقات أو من خلال الإصدارات والبيانات، التي تنشرها بانتظام حول هذه الانتهاكات. فقد رصدت تزايد حالات التوتر والعنف والمحاكمات المرتبطة بتهمة ازدراء الأديان عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 بدرجة ملفتة ومقلقة، جسدت تهديدًا مباشرًا للحريات الدينية، وانتهاكًا واضحًا لحرية الرأي والتعبير.

رصدت المبادرة المصرية 48 حالة لتوتر وملاحقة أهلية وقضائية، فيما يخص الاتهامات بازدراء الأديان منذ يناير/كانون الثاني 2011 وحتى نهاية 2013، وبعض هذه القضايا اقتصر العقاب فيها على العقاب العرفي من الأهالي وبالمخالفة للقانون كالتهجير القسري، وبعضها تم العقاب من جهة العمل كالوقف عن العمل والخصم من المرتب. إلا أن هناك 28 قضية نظرتها المحاكم المختلفة خلال هذه الفترة، موزعة 3 قضايا خلال 2011، 12 قضية خلال 2012، 13 قضية خلال 2013، اتهم خلالها 41 متهما، أدين منهم 28 متهما، وبرأت المحكمة ساحة ثلاثة متهمين، ولم تقبل الدعوى بالنسبة لـ 11 متهم، لأنها لم ترفع من طرف مختص، وهناك عدد من القضايا مازالت أمام النيابة العامة، لم تحيلها إلى المحاكم المختصة أو تحفظ التحقيق فيها. 

يحاكم المتهمون في هذا النوع من القضايا استناداً لثلاث مواد في قانون العقوبات المصري، حيث خصص المشرع بابًا من مادتين هما: 160 و161، تحت مسمى الجنح المتعلقة بالأديان في الكتاب الثاني: “الجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العامة” بقانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، ثم أضيفت المادة 98 (و) لقانون العقوبات، والتي عرفت بمادة ازدراء الأديان.

وتستخدم النيابة العامة في بعض القضايا مادتين مختلفتين هما: 160 و161، من قانون العقوبات، تتناول المادة 160 بالتجريم أفعال التشويش على إقامة الشعائر والاحتفالات الدينية، والتخريب والتكسير للمبان المعدة لإقامة الصلوات الدينية أو رموز لها حرمة عند ابناء ملة أو فريق من الناس. أما المادة 161 تسمى جريمة التعدي على الأديان وتتناول تجريم طبع أو نشر كتاب مقدس في نظر اهل دين من الأديان التي تؤدى شعائرها علنا، إذا حرّف نص هذا الكتاب، وكذلك تجريم تقليد احتفال ديني في مكان عمومي بقصد السخرية به او ليتفرج عليه الحضور.

أما المادة الأكثر استخداما من جانب النيابة العامة والقضاة هي المادة 98 (و) من قانون العقوبات، والتي عرفت بمادة “ازدراء الأديان” وقد قدمت الحكومة مقترحا للبرلمان بإضافة هذه المادة لقانون العقوبات في نهاية عام 1981. وقد أضافها المشرع في هذا الوقت بعد مذبحة الزاوية الحمراء في يوم 17 يونيو/حزيران 1981 بعد المذبحة ومقتل العشرات، من اجل السيطرة على الخطاب الإسلامي الذي كان يكفر المسيحيين وللتعامل مع الاعتداءات الطائفية والتحريض عليها، لكن واقعيا استخدمت المادة من أجل ملاحقة الأقليات الدينية وغيرهم بتهمة الاساءة للدين. 

واتسمت صياغة هذه المواد بأنها:

  • تفضل الأديان الثلاثة السائدة الإسلام والمسيحية واليهودية، وتميزها عن غيرها، بتحريم ما أسماه المشرع احتقار أو ازدراء الأديان السماوية وتجريم تحريف شعائرها أو كتبها.
  • تجرم الفكر، فالمواطنون عرضة للمحاكمة بسبب أفكارهم الدينية، حتى ولو لم يترتب عليها فعلً.
  • غياب التحديد والوضوح اللازمين للنصوص العقابية، إذ تضمنت هذه المواد كلمات مطاطة غير محكمة، أدت إلى غموض النص، منها الأفكار المتطرفة، استغلال، ازدراء، تحقير، التشويش. وهذا الغموض يعطي مساحة كبيرة للقاضي في تفسير المعنى، والتوسع في السلطة التقديرية الممنوحة له، ما يترتب عليه صدور أحكام متفاوتة في قضايا تبدو متشابهة، كما يتيح محاكمة المتهم على أساس القيم، وليس على أساس النماذج الإجرامية. 

بصفة عامة، اتخذت هذه القضايا شكلين من الملاحقة القانونية، الأول هو تصاعد الملاحقات الهادفة للتضييق على حريات الرأي والاعتقاد والتعبير، من قبل مواطنين عاديين أو فاعلين اجتماعيين، وهي الملاحقات التي كان ضحاياها في الأغلب مواطنين عاديين، ليسوا بالضرورة من أصحاب الرأي المعروفين أو الشخصيات العامة كما كان الحال في العقديين الماضيين. وإذا كانت الأقليات الدينية كالأقباط والشيعة والملحدين أكثر عرضة لهذا النوع من الانتهاكات، إلا أن قضايا ازدراء الأديان لم تقصر تلك الملاحقات على أتباع الأقليات أو المذاهب الدينية المخالفة لعقيدة أغلبية المصريين. ففي الكثير من الأحيان كان ضحايا هذه الاتهامات من أتباع الإسلام السني، المذهب المعتمد لدى المؤسسات الدينية الإسلامية المصرية. وأتت أغلب هذه الحالات على خلفية شجارات عابرة أو مساجلات كلامية، تطرقت لأمور عقائدية أو آراء منشورة على الصفحات الخاصة لبعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي. 

أما الشكل الثاني فقد تخصص عدد من المحامين المنتمين إلى التيارات الإسلامية في رفع عدد من الدعاوى ضد الكتاب والمفكرين، متهمين إياهم بازدراء الأديان، كما حدث مع الفنان عادل إمام والكاتب السينمائي وحيد حامد ورسام الكاريكاتير مصطفى حسين قبل وفاته وفاطمة ناعوت الكاتبة الصحفية مؤخرا.

يؤشر استمرار هذه الحالات إلى أن النظام السياسي سواء كان إسلاميا أو عسكريا أو مدنيا متسامح مع هذه الانتهاكات، وبل يستخدمها لتحقيق جماهيرية لدي المؤسسات الدينية والقطاعات الشعبية المحافظةـ وهو ما يؤكد أن أوضاع الحريات الدينية وحريات الرأي والتعبير مازالت في دائرة الخطر.

اسحاق إبراهيم

صحفي وباحث متخصص في قضايا الأقليات الدينية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.