تل عفر واحتمالات التصعيد

عادة ما تصف وسائل الإعلام العالمية مدينة الموصل، وهي عاصمة محافظة نينوى، بوصفها آخر معاقل الدولة الإسلامية (داعش). إلا أن هناك معقلاً كبيرا آخر ربما سيتحول إلى منطقة اضطرابات بين الفصائل المتناحرة، ممن ينتمون إلى الائتلاف المناهض لتنظيم داعش. في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، فتحت الميليشيات الشيعية في العراق جبهة جديدة في الحملة العسكرية ضد تنظيم داعش، بهدف تحرير مدينة تل عفر، والتي تبعد بحوالي 35 ميلاً غرب مدينة الموصل. كان دخول الميليشيات الشيعية الموالية للحكومة – والمعروفة بـ وحدات الحشد الشعبي – قد دفعت تركيا لإطلاق تحذيرات باحتمال تدخلها لحماية السنة في تل عفر من عمليات قتل انتقامية محتملة على يد قوات الميليشيات الشيعية.

كانت تل عفر، والتي تسودها العرقية التركمانية، هي آخر ما تبقى للحكومة العراقية في محافظة نينوى، قبل أن تسقط في يد تنظيم داعش عقب سقوط الموصل بأسبوع. من الصعب تحديد تعداد السكان في المدينة، خاصة مع استمرار العنف وانعدام الاستقرار منذ عام 2003، لكن معظم التقديرات تقول بأن تعداد السكان يتراوح ما بين 100 ألف إلى 200 ألف قبل سقوطها في يد تنظيم داعش في عام 2014. كما أن التقارير الواردة أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق تحدد التوزيع الديموغرافي الديني في المدينة كما يلي: 75% من السنة، 25% من الشيعة، لكن هذه النسب كانت مقدرة قبل سيطرة تنظيم داعش عليها، ومن الصعب التأكد منها، يقول بعض سكان تل عفر بأن تعداد السنة والشيعة التركمان كان متقارباً قبل دخول تنظيم داعش.

لعبت تل عفر دوراً كبيراً في حروب العراق منذ عام 2003، فقد مرت المدينة بموجات عنف طائفي بين السنة والشيعة والتركمان قبل تفجير مسجد علي العسكري في سامراء في فبراير/شباط 2006، وقد كان العديد من المحللين قد اعتبروا أن هذا التفجير هو نقطة البداية للحرب الأهلية الطائفية في العراق. في الفترة ما بين 2005 و2006، كانت تل عفر الموقع الذي تم فيه تطبيق استراتيجية “كسب القلوب والعقول” لمكافحة التمرد، ربما قبل الإعلان عن وتطبيق استراتيجية مكافحة التمرد الأمريكية، حيث قامت الولايات المتحدة بإرسال 30 ألف من قواتها كإمداد في العراق في عام 2007. إلا أن جهود الولايات المتحدة لتهدئة العلاقات بين السنة والشيعة التركمان فشلت في أن تستمر. على سبيل المثال، في ربيع 2007، تم تفجير شاحنتين من المفرقعات في منطقة شيعية في تل عفر، حيث قتل 83 عراقياً وجرح حوالي 200. عقب هذه التفجيرات مباشرة، كتبت صحيفة نيوريورك تايمز، وفقا لحوارات أجرتها مع القادة المحليين والشهود، بأن الميليشيات التي تضم رجال شرطة من الطائفة الشيعية بالمدينة “طافت على البيوت بيتاً بيتاً في الأحياء السنية، وسحلت الناس إلى الشوارع، وأطلقت على رؤوسهم الرصاص” في عملية انتقامية خلفت 70 قتيلا.

استمر التوتر الطائفي منذ عام 2006 وحتى عام 2014 أثناء فترة حكم رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، والذي كان يحابي ويعزز موقع الشيعة على حساب السنة في التوازنات الطائفية المحلية في تل عفر. بمجرد انتشار المتمردين السنة في شمال العراق في يونيو/حزيران 2014، انضم الكثير من السنة التركمان لداعش، وقاموا بعمليات انتقامية ضد الشيعة. أما الشيعة التركمان الذين فروا من تل عفر إلى سنجار عقب سقوط المدينة في يد داعش، اضطروا مرة أخرى للهروب حيث أن تنظيم داعش وصل إلى سنجار في مدة تقل عن شهرين. اليوم، هناك العديد من أكثر المقاتلين والقادة تشددا في التنظيم يتدفقون من تل عفر.

قاد الشعور بالظلم والرغبة في الانتقام الكثير من الشيعة التركمان لتشكيل والانضمام إلى قوات مسلحة في إطار وحدات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، وهم عازمون الآن على استعادة تل عفر. اليوم، مع تقدم ميليشيات الشيعة ناحية تل عفر، فإن موجة الانتقام تقريبا قد بدأت، هناك مخاوف سنية من أن إيران – عبر وكلائها من الميليشيات – تهدف إلى القيام بتطهير مدينة تل عفر من السنة بشكل نهائي، وتغيير ديموغرافية المدينة، وأن الذين فروا من بيوتهم قد تمنعهم الميليشيات الشيعية من العودة.

إلا أن هناك مصالح استراتيجية خلف الصراع السني الشيعي، ففي حال ما إذا سيطر الشيعة على المدينة، فإنهم سيقطعون طريق الهروب من الموصل إلى سوريا، والذي تعتزم داعش على اتخاذه. بينما يمكن اعتبار ذلك هدفاً تكتيكياً، إلا أن الهدف الاستراتيجي يرتكز على الجغرافية السياسية في المنطقة. وكما كتب مارتين تشولوف في الجارديان في بداية أكتوبر/تشرين الاول “إذا لم نساعد على استعادة الموصل، فإن الميليشيات سيكون لها حرية مساعدة إيران على تنفيذ واحد من أهم مشروعاتها، ألا وهو الحصول على مساحة من النفوذ على شكل قوس بين العراق وسوريا ينتهي بالبحر المتوسط. فالقطاع الذي في غرب الموصل، هو قطاع مهم لتنفيذ عمليات الميليشيات وتحقيق ذلك الهدف.” هذا القطاع الذي يتحدث عنه الكاتب هو تل عفر وسنجار، والذي يصل طريقاً من العراق لسوريا. كان هناك الكثير من الشكوك بين الأكراد واليزيديين في العراق بأن طهران وبغداد تتعاونان مع حزب العمال الكردستاني – والذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية – وأتباع الحزب في سوريا والعراق من أجل تعزيز ممر بري.

في الشهر الماضي، قلل بعض المراقبين في واشنطن في البداية من جدية التهديدات التركية بتدخل عسكري واعتبروها فقاعة للاستهلاك المحلي، حيث أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مازال يحاول تثبيت استقرار حكمه عقب محاولة الانقلاب الصيف الماضي. لكننا لا نرى أسباباً قوية للتقليل من شأن هذه التهديدات، أو بالأحرى، فإن الظروف في هذه البيئة الديناميكية لا تخلق بديلاً قد تفضله أنقرة في حساباتها على التدخل العسكري. فقد صرح أردوغان قائلا “تل عفر قضية حساسة بالنسبة لنا، ومما لا شك فيه فإننا لا نرى تدخل ميليشيات الشيعة في تل عفر وسنجار أمر إيجابي.”

حقيقة أن التهديدات التركية لحماية ذوي القربى العرقية في العراق تداعب الحس القومي التركي، وتخدم مصالح أردوغان المحلية، لكن سياسات تركيا الخارجية لا يمكن أن يتم تقييمها عبر الحسابات السياسية المحلية فحسب، وتهديداتها ليست لمجرد الاستهلاك المحلي، هناك آثار استراتيجية في الحرب على تنظيم داعش، خاصة مع الوضع في الحسبان أن إيران تهدف إلى تقليص مساحة النفوذ التركي في العراق وبجوار حدودها، من خلال تحالفها مع الخصم المحلي، وهو حزب العمال الكردستاني. علاوة على ذلك، فإن تركيا بالفعل لديها المئات من قواتها بداخل العراق، في مواجهة بغداد مباشرة. مع كل هذه المعطيات، فإن واشنطن وبغداد عليهما أن تتمتعان بالحكمة الكافية للتنبه بإن كل الخيارات مفتوحة أمام تركيا.

هناك مساحة للتنافس إذا وضعنا في الاعتبار التحالفات متعددة الطبقات والصراعات المبنية بداخل السياق السياسي فيما يتعلق بمحافظة نينوى عقب خروج تنظيم داعش منها. سيكون حفظ الأمن والتدابير السياسية في عراق ما بعد تنظيم داعش مشكلة كبيرة، مع وجود المصالح المتصارعة بين الممثلين المسلحين على عدة أصعدة.

Read in English

رمزي مارديني

باحث غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على السياسة الأمريكية تجاه عمليات التحول الديمقراطي.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط