السوريون في لبنان غير مرحب بهم

كان لبنان أول محطات السوريين الهاربين من نظام بشار الأسد والخدمة في جيشه، بعد انطلاق الثورة عام 2011، فالبلد الجار مشابه لسوريا بعاداته وتقاليده، والخارج من دمشق وأخواتها لم يكن يجد غربة في بيروت وباقي المدن اللبنانية، لكن طرأ العديد من المتغيرات جعلت البقاء في لبنان مشكلة، ودفعت بالكثير من السوريين للتفكير بالخروج منه إلى أي مكان آخر.

أحمد زغلول أحد السوريين الذين لجئووا إلى لبنان، ولم يسكنوا خيم اللاجئين. في شهر أغسطس/آب 2013، ذهب الشاب إلى لبنان ثم تركيا، حيث بقي هناك 3 أشهر، فقرر العودة إلى العاصمة اللبنانية، يقول أحمد “اخترت الاستقرار في بيروت لقربها من دمشق، وبسبب عدم الانسجام في تركيا بتلك الفترة، قبل الفيزا التركية كانت الحياة نوعاً ما مستقرة في بيروت، مع الوقت تحولت الأوضاع إلى الأسوأ على السوريين.”

بحسب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، يعيش في لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري مسجل لديها. لكن العدد أكبر من ذلك، لا سيّما أن الآلاف غير مسجلين بالمفوضية، كما أن الهيئة الدولية تؤكد أن معظم السوريين في لبنان يعيشون خارج الخيام.

وبعيداً عن خيام اللاجئين السوريين في لبنان وأحوالها وأوضاع المشردين، ثمة سوريون يحاولون العيش بطرق أقرب إلى الطبيعية، يستأجرون مسكنًا ويعملون، لكن أحوالهم صعبة، كأحمد مثلاً.

يعمل الشاب في إحدى المنظمات الإغاثية المعنية بشؤون السوريين، استقراره الذي كان يشعر به ويعيشه في الفترة بين 2013 ونهاية عام 2014، انتهى، ففي أواخر العام 2014 فرضت الحكومة اللبنانية تأشيرة دخول على السوريين إلى أراضيها، وغيّرت بطلبات الإقامة. فكان السوري يحصل على إقامة 6 أشهر مجرد دخوله الأراضي اللبنانية، وتغير هذا الأمر، وتبعه تشديدات كبيرة وشروط تعجيزية للحصول على إقامة.

كان عام 2015 هو الأسوأ على السوريين في لبنان، فقد فرضت تركيا تأشيرة دخول على السوريين بداية عام 2016، فمن كان يحلم بترك لبنان والانتقال إلى تركيا أصبح حلمه مستحيلاً.

يقول زغلول “الأوضاع الأسوأ في لبنان هي من ناحية الأوراق الرسمية، معظم السوريين مخالفين بالإقامة، لصعوبة الحصول عليها، وبسبب تعقيد الأوراق غير المفهومة، حتى التعامل مع السوريين عند تجديد الإقامة بالأمن العام اللبناني، يكون بطريقة سيئة”.

ويشاطر الناشط طارق عواد زغلول الرأي، حيث يؤكد أن أصعب الأمور التي تواجه السوريين في لبنان، هي مواضيع الحصول على إقامة وفرص عمل، لا سيما بعد القوانين الجديدة منذ بداية 2015، التي تنص على تعهد السوري بعدم العمل في حال رغبته بالحصول على إقامة.

يكمل طارق دراسته العليا بعد الجامعية في لبنان، لكنه يقضي الكثير من وقته متطوعاً في منظمة “عيون سورية” التطوعية لإغاثة اللاجئين. كما يعمل غيره من السوريين في مجال الإغاثة، الذي يحتاج للدعم والمساعدة من الجهات العالمية المعنية بشؤون المهجرين واللاجئين والنازحين، فإنّ لبنان لا تستطيع استضافة عدد السوريين الهائل هذا، ويبدو أنه لن تكون بقدرة السوريين العودة إلى بلدهم في المستقبل القريب.

وتفرض الحكومة اللبنانية على السوري الراغب بالحصول على إقامة، تأمين كفيل لبناني يتعهد أمام الأمن العام بالمسؤولية الكاملة عنه، ورسوم تقدر بـ200 دولار سنوياً، وتعهد سكن يؤكد أن السوري مستأجر لمنزل في لبنان، إضافة إلى تعهد بعدم العمل في الأراضي اللبنانية. وإن اكتملت الأوراق، يبقى لمزاج بعض عناصر الأمن والموظفين دور كبير في رفض الإقامة.

تعقيدات أوضاع السوريين في لبنان، قد تندرج في المعادلة السياسية للبلد المجاور، وتورط حزب الله في سوريا، حيث يشارك في الدفاع عن نظام الحكم هناك. فالحزب، وفق تعبير لبنانيين كثيرين، هو دولة داخل الدولة، ويمسك بزمام المداخل الحدودية، ويسيطر على أمن المطارات. فالمعروف والشائع أن أمن مطار رفيق الحريري في بيروت يخضع لسيطرة حزب الله، وهنا يبدأ التضييق على السوريين القادمين. حتى أن المطار يرفض استقبال بعضهم “خاصة معارضي النظام السوري وحزب الله”، كما جرى العام الماضي مع الصحفي السوري عبسي سميسم، الذي كان قادماً من تركيا إلى بيروت، لكن أُعِيد إلى تركيا من مطار الحريري.

كما أن عدة حوادث خطف لسوريين في لبنان، توجّهت فيها أصابع الاتهام لجهات سياسية معادية للسوريين، وحول ذلك يتحدث أحمد “تعرضت لخطف من قبل 3 أشخاص من منطقة الأشرفية، بسبب أني سوري، وتم تهديدي عن طريق الكلام، تركوني بعدما أعطيتهم 100 دولار، بعد ذلك قدمت بلاغاً للشرطة اللبنانية بكل التفاصيل التي جرت معي، وتبين فيما بعد التعرف عليهم بأنهم من عناصر فرع أمن الدولة، مع العلم أنه وقت الخطف كانت أوراقي الثبوتية نظامية، ولا يوجد مخالفة في إقامتي بلبنان.”

وتنعكس الصعوبات على السوريين في بلدهم وأقاربهم في أوروبا، خاصة بعد فرض الفيزا التركية على السوريين بداية عام 2016، فمقابلات لم الشمل في السفارات الأوربية بتركيا أصبحت مستحيلة، وهي أقوى ضربة توجهت لطموحات السوريين الفارين من بلدهم نحو لبنان. والسفارات الأوربية في لبنان شبه مغلقة بوجه السوريين. فأحمد رغم اعتقاله من قبل النظام مرتين خلال الثورة، ونشاطه السياسي ضد النظام، لم يستطع الحصول على فيزا حماية أو لجوء أو هجرة من أي سفارة راسلها في لبنان.

على سبيل المثال، يستطيع السوريون الاتجاه إلى أوروبا، عن طريق برنامج تقديم الحماية في فرنسا، والذي تقدمه باريس عبر سفارتها بأنقرة، واستطاع عبره آلاف السوريين الوصول إلى فرنسا والعيش هناك، بيد أن هذا الباب غير مفتوح في السفارة الفرنسية بلبنان.

أوضاع معقدة يعيشها السوريون المقيمون خارج الخيام في لبنان، البلد المُثقل باللاجئين، وبطبقة سياسية بعيدة عن المواطن اللبناني وهمومه، حيث يعيش في هذا البلد أكثر من 4 مليون و400 ألف لبناني، يضاف إليهم نحو 400 ألف لاجئ فلسطيني، وأكثر من مليون لاجئ سوري، وفق إحصاءات وكالة الاستخبارات الأميركية، ما يثقل كاهل البلد الذي لا تحتمل بنيته التحتية هذا العدد، كما أن المجتمع الدولي لا يقدم الدعم المناسب لأعداد اللاجئين الذين جاؤوا إلى لبنان.

تلك الأوضاع تنبئ بانفجار في أي لحظة، خاصة وأن بعض أصوات الساسة والمسؤولين اللبنانيين، تحمل النزوح السوري مسؤولية أوضاع البلد، والدليل على ذلك ما قاله وزير الطاقة اللبناني سيزار أبو خليل في فبراير/شباط الماضي إنه “لولا الأزمة السورية لكنا سنصل الى 24 على 24 ساعة كهرباء.” فيما يرى البعض أن العديد من المسؤولين اللبنانيين يستغلون وجود السوريين لعدم حل المشاكل الخدمية في لبنان.

هنا يبدو التشابه بين السوري واللبناني في هذه الأيام كبيراً، يعلق طارق ساخراً:” غير الإقامة والعمل لا يوجد مشاكل للسوريين في بيروت، أعتقد أن المضايقات انتهت موضتها، لم يعد لأحد طاقة على المشاكل”، ويتحدث زغلول عن الهموم المشتركة “حتى الشباب اللبناني يبحث عن حلول أخرى غير لبنان، لصعوبة المعيشة في لبنان من كل النواحي، يعني… لا بنية تحتية ولا حالة اجتماعية مستقرة، ولا حتى مستقبل للشباب اللبناني أيضاً.”

Read in English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط