تبخر حلم العودة: السوريون يحصلون على الجنسية التركية

تبخر حلم العودة: السوريون يحصلون على الجنسية التركية

بعد أكثر من سنة على بدء الجدل في الأوساط الشعبية والرسمية التركية بدأت موافقات منح الجنسية التركية تصل لآلاف اللاجئين السوريين المقيمين في الولايات التركية، شملت الدفعة الأولى التي صدرت أولى نتائجها بداية من شهر أغسطس/آب الماضي أسماء أكثر من 50 ألف لاجئ سوري، معظمهم من حملة الشهادات العلمية العليا كالأطباء والمهندسين والمعلمين مع أسرهم. مع ذلك، ليس هناك شروط واضحة مثل معرفة اللغة التركية للحصول على الجنسية.

وبحسب مسؤول في وزارة الداخلية التركية فإنّ الجمهورية ستمنح وفق معايير محددة جنسيتها للسوريين ممن سيساهمون في تحقيق إمكانيات إضافية لتركيا على الصعيد المهني والفني والفكري، نافياً في الوقت ذاته أن تكون لجميع اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا، والذين يتجاوز عددهم ثلاثة ملايين.

جرت إجراءات منح الجنسية الاستثنائية بطريقة ميسّرة كما يصفها المُعَلم قصي عبد الرحيم “السلطات اختارت بنفسها المرشحين وأخبرتهم بضرورة استكمال أوراقهم، لتأتي الموافقة بعد تسعة أشهر من البحث والتدقيق الأمني، حيث تم إعلامهم بضرورة التوجه لاستلام الهوية التركية، رغم أن بعضهم لا تتحقق فيه الشروط العادية لمنحه الجنسية مثل مدة الإقامة واللغة والأوراق الثبوتية”.

ويوضح اللاجئ السوري – قصي عبد الرحيم – المقيم منذ ثلاثة سنوات في تركيا أن معظم من تم اختياره كان من فئة المعلّمين الذين يدّرسون في مراكز التعليم المؤقتة، ومن الأطباء السوريين العاملين في المراكز الصحية، وعدد قليل من رجال الأعمال وموظفي المنظمات الدولية.

وضع قانوني مختلف

وحول الفوائد والميزات التي سيحصل عليها المجنّسين بعد تغير وضعهم القانوني أكدّ المحامي عروة السوسي أنّ اللاجئ الحاصل على الجنسية “سيعامل كونه مواطن تركي يخضع لنفس القوانين وعليه نفس الحقوق وله نفس الواجبات”، نافيا في الوقت ذاته بعض الشائعات التي أثيرت حول منع من حصل على الجنسية التركية الاستثنائية من السفر والانتخاب.

بالمقابل سيحرم اللاجئ السوري الحاصل على الجنسية التركية والمقيم على أراضيها من جميع المزايا التي كان يتمتع بها سابقا كالعلاج المجاني في المستشفيات، والمساعدات المالية التي كان البعض يحصل عليها من قبل الهلال الأحمر التركي، ومن المنح الدراسية التي كانت تقدمها الحكومة للطلبة السوريين.

كما سيتوجب على كل لاجئ حصل على الجنسية ودخل البلاد قبل سن 23 عاماً واجب خدمة العلم (الخدمة العسكرية (، وهي قضية مازالت تثير عدد من التساؤلات في أوساط المجنسين.

ويرى السوسي أنه ورغم الأعباء المادية الإضافية التي سيتكلفها المجنسون لاسيما التأمين الصحي (قرابة 17 دولار شهريا) إلا أنّ امتلاك الجنسية سيوفر لمن يحملها الملاذ القانوني، ويشعره بالأمان، كما سيسهل عليه الكثير من القضايا الإشكالية التي يمرّ بها بوصفه سوري، مثل السفر والتملك وتسجيل المواليد.

إبراهيم حجازي من أبناء اللاذقية وحامل إجازة جامعية في الرياضيات، كان أحد أفراد اللاجئين السوريين في تركيا، لكن بعد تخطيه للمرحلة السابعة من مراحل تجنيس السوريين، حصل مع زوجته وطفله على الهوية التركية، وتحول من لاجئ إلى مواطن تركي.

يقول ابراهيم إنّ فرحته كانت مختلطة ببعض مشاعر الحزن على وطنه السابق، وفيما إذا كان حصوله على جنسية وطن آخر يعني نهاية حلمه بالعودة، مضيفاً “أنه وبحصوله على الجنسية التركية ستتغير الكثير من الأشياء في حياته، وسيضمن إلى حد ما مستقبله ومستقبل عائلته، خاصة بالنظر للصعوبات الكبيرة التي واجهها سابقا حينما كان يحاول إخراج أي وثيقة رسمية عندما كان يحمل الجنسية السورية فقط.”

يستعد حجازي بعد أيام من إصداره لجواز سفره التركي للسفر إلى دولة قطر لزيارة أخيه، حيث سيراه لأول مرة منذ سبعة أعوام كما سيكون بإمكانه حالياً شراء منزل، والتنقل ضمن الولايات التركية بحرية، وممارسة عمله دون عوائق، ودون ضرورة الحصول على إذن رسمي بالعمل.

ما الذي تربحه تركيا؟

برزت خلال الآونة الأخيرة العديد من التساؤلات بين أوساط اللاجئين حول من يحق له التقدم للحصول على الجنسية لاسيما مع رغبة أعداد كبيرة منهم بالتقدم لها.

وفيما لم تحدد السلطات التركية حتى اليوم آلية واضحة لاختيارها المرشحين، إلا أنها فتحت باب التقدم مؤخراً فقط لحملة الشهادات الجامعية، وفي الوقت نفسه منعتهم من السفر الخارجي حتى بعد حصول بعضهم على موافقات لجوء إلى دول مثل كندا وهولندا والولايات المتحدة الأمريكية.

نسرين تركاوي مدّرسة تعمل في أنطاكيا، حصلت مع أسرتها قبل أشهر على حق اللجوء إلى هولندا، لكنها فوجئت بعد حصولها على فيزا الدخول إلى هولندا بمنعها من مغادرة البلاد من قبل السلطات التركية، بحجة وجود اسمها ضمن قوائم المرشحين للحصول على الجنسية.

ورغم أن تركاوي لم تبدِ رغبتها في الحصول على الجنسية وفضلت اللجوء إلى هولندا مع أطفالها وزوجها إلا أنها ماتزال تواجه بالرفض حتى اليوم نظراً لوجود اسمها كمدرسة.

وحول موضوع شمول فئة الشهادات العليا من السوريين ورجال الأعمال دون غيرهم بموضوع الجنسية رأى الناشط الحقوقي أحمد قدّور أنّ قرار منح الجنسية بدأ الحديث عنه قبل عامين تقريباً مع انتقاء بعض الدول للاجئين السوريين المقيمين في تركيا ممن يتمتعون بقدرات خاصة ومنحهم حق اللجوء إلى أراضيها، وهو الأمر الذي عارضته تركيا ورأت فيه تمييزاً لا يخدم مصالحها.

وتابع قدّور من حق أي دولة أن تبحث عن مصالحها، وتركيا قررت استثمار الجانب الايجابي من اللاجئين والاستفادة من قدراتهم خاصة أنّ بعض رجال الأعمال السوريين استطاعوا ضخ أموال طائلة وافتتحوا مشاريع مثمرة في تركيا.

وحول إمكانية حصول أعداد إضافية من اللاجئين السوريين على الجنسية خلال الفترة القادمة استبعد قدّور إمكانية تجنيس ثلاثة ملايين سوري مقيم في تركيا، موضحاً أن الأمر لن يتعدى أكثر من 100 ألف بسبب وجود رفض من قبل المعارضة التركية، وخشية الحكومة من استثمار هذا الملف ضد أردوغان قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ويمر طريق الحصول على الجنسية للمرشحين بسبعة مراحل، فبعد وصول الأوراق المطلوبة إلى دائرة النفوس يتم تحويلها إلى المديرية العامة ووزارة الداخلية، وتعتبر المرحلة الرابعة هي الأصعب وتشمل مرحلة التدقيق الأمني، ويحصل من تجاوز هذه المرحلة على قرار المنح بعدها بعدة أشهر. وبحسب بعض الشهادات تم رفض بعد المرشحين خلال مرحلة التدقيق الأمني لأسباب قد تكون متعلقة بعدم معرفة اللغة التركية أو لمشاكل أمنية أو بسبب تقديم شهادة دراسية مزورة.

وختاماً يمكن القول أنّ قرار التجنيس لبعض السوريين في تركيا، رغم ما يشهده من تجاذبات سياسية محلية، سيكون له وقع ايجابي مباشر يسهل اندماج هذه الفئة بشكل سريع ضمن المجتمع التركي، إلا أنه وفي الوقت نفسه سيعني خسارة كبيرة للمجتمع السوري الذي ينتظر خلال الفترة القادمة وقف الحرب وعودة أبنائه المهجرين لإعادة إعماره، حيث سيكون أحوج ما يكون لهذه الخبرات العلمية التي ربما بعد قرار تجنيسها ستفضل الاستقرار في وطنها الجديد.

اشترك في نشرتنا English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة