بينما يدمر الأسد حلب حرب الفتوى تشتعل بين فصائل التمرد

على وقع العملية التركية الأخيرة داخل الحدود السورية ضد تنظيم داعش، أصدرت العديد من الفصائل السورية عدداً من الفتاوي التي تؤيد العمل تحت مظلة الجيش التركي؛ الحجة التي تستند عليها هذه الفتاوى هي يجب أن يتم تعبئة مقاتلو المعارضة للقتال من أجل الدفاع عن مدينة حلب، أو دعم العمليات التركية في الشمال الشرقي.

وقد أصدرت حركة أحرار الشام أبرز هذه الفتاوي، حيث أجازت العمل والقتال تحت راية الجيش التركي، وتسببت هذه الفتوى بانشقاق العديد من الكتائب العسكرية العاملة معها، واستقالة اثنين من الشرعيين المصريَيْن أبو اليقظان وأبو شعيب (المعروف بـ أبو طلحة المصري) من اللجنة الشرعية للحركة. وقال القضاة من الفصائل الأخرى أن الحاجة لقتال من سموهم بـ الخوارج المارقين، في إشارة إلى تنظيم داعش الارهابي، والحاجة إلى وجود حركة إسلامية كأحرار الشام لتكون مسئولة عن الموقف، يبرر العمل مع تركيا من باب الاستعانة والتنسيق.

أبرز الموقعين على هذه الفتوى الدكتور في الشريعة الاسلامية أحمد عبد الكريم نجيب والدكتور أيمن هاروش والشيخ أبو الصادق الحموي، إضافة للشيخ عبد الرزاق المهدي، الذي أعلن عدم موافقته على الفتوى، وأعلن انسحابه من المجلس الشرعي للحركة، بعد أن أصدرت جبهة فتح الشام – التي كانت تعرف سابقاً بجبهة النصرة – فتوى أخرى تحرم القتال مع القوات التركية.

تسببت هذه الفتوى في استياء العديد من القادة والكتائب داخل أحرار الشام، مما أدى إلى حدوث انشقاقات بعضها معلن مثل كتيبة تدعى “الاشداء” وانشقاقات أخرى غير معلن عنها.

سارعت جبهة فتح الشام إلى إصدار فتوى أخرى مضادة، حرمت فيها جواز العمل مع الجيش التركي، بسبب مشاركة الجيش الامريكي في العمليات العسكرية الأخيرة، وتنص الفتوى: “نرى حرمة القتال في الريف الشمالي تحت أي طرف إقليمي أو تحالف دولي، لا على جهة الاستعانة، ولا من باب التنسيق معه، لأن واقع الحال عدم توفر الشروط الشرعية اللازمة في هذه الحالة.

صدرت هذه الفتاوي المتضاربة بينما تتعرض مدينة حلب للتدمير على أيدي النظام، الذي عاد وأطبق الحصار عليها، ولم يتوانى عن شن عشرات الغارات الجوية، مستخدماً أنواعاً جديدة من القنابل والصواريخ التي دمرت أحياء كاملة، وتحدث هزات أرضية تتسبب في تدمير الملاجئ. يوم الجمعة الماضي لم تقم أي صلاة جماعة في المدينة، كما استمر اغلاق المدارس، حيث كان مقررا أن يبدأ فصلاً دراسياً جديداً.

وتسببت الغارات الجوية الأخيرة في تدمير مراكز للدفاع المدني داخل المدينة المحاصرة، وأعلن الدفاع المدني عن إمكانية توقف جميع عمليات الإنقاذ، بسبب تدمير كل معداته وآلياته التي يستخدمها لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، مما زاد في نسبة الضحايا من المدنيين ليتجاوز 150 معظمهم من النساء والأطفال؛ وقد أعلن رائد الصالح – رئيس الدفاع المدني السوري – في ندوة في المجلس الأطلنطي يوم الثلاثاء الماضي عن أن عدد الضحايا وصل إلى 1000 ضحية خلال الأيام الماضية.

وحُرم باقي السكان الخروج من منازلهم والذهاب إلى عملهم أو البحث عن مصدر للطعام، خصوصا وأن الطيران ركز قصفه على الأسواق والمراكز التي تزود السكان ببعض الأطعمة.

أثار بيان فتح الشام رداً غاضباً من معظم الفصائل العسكرية في الشمال السوري، وكان ردها بإصدار بيان مشابه لأحرار الشام، وقد أصدر المجلس الشرعي في حلب فتوى تؤكد أن مشاركة الثوار مع تركيا المسلمة في عملية درع الفرات هو جهاد شرعي، وكل من يقتل من الثوار خلال معارك درع الفرات ضد داعش أو قوات سوريا الديمقراطية يعتبر شهيدا.

فيما أصدر ما يسمى “تجمع أهل العلم في الشام” الذي ينتمي إليه الداعية الجهادي عبد الله المحيسني بياناً أخر وصف فيه فصائل من الجيش الحر بأنها “فصائل البنتاجون” متهمًا إياها بتلقي الأوامر من ضباط يحملون الجنسية الامريكية، مدعياً أنهم حاولوا الدخول إلى جرابلس للمشاركة في العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش؛ وقد حرّم البيان القتال أو التنسيق مع الولايات المتحدة، التي وصفها بالدولة الغازية، ووضع شرطاً أساسياً يوجب بضرورة عدم ترك أماكن القتال في حلب لمن أراد القتال مع تركيا في جرابلس.

بات الجميع يدرك حجم الهوة التي لاتزال موجودة بين فصائل المعارضة، ومن ضمنها أحرار الشام مع تنظيم جبهة فتح الشام، حيث يحاول الأخير استقطاب القيادات والتيارات الجهادية التى تنشق عن أحرار الشام، في حين بدأت حركة أحرار الشام اتخاذ خطوات عملية على صعيد قياداتها الداخلية، وتهدف للتقرب أكثر من الجيش الحر، حيث شهدت الفترة الماضية إقالة العديد من المقربين لتنظيم القاعدة، مثل أبو صالح طحان القائد العسكري، ليحل محله أبو عبد الله الشامي، وهو تركماني الأصل ويحسب على تركيا.

تحاول بقية فصائل المعارضة شن عملية عسكرية في ريف حماه، تهدف لإبعاد قوات النظام عن حلب، وللتخفيف من معاناة أهل حلب، وقد سيطرت هذه الفصائل في وقت كتابة هذه المقالة على قرية معان في حماه، ولكنه ليس من الواضح ما إذا استطاعت تحصين موقفها أم لا.

بينما يحاول ناشطون سوريون لفت أنظار العالم لما يجري في حلب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال إطلاق هاشتاج  HolocaustAleppo# ينشرون من خلاله صور وأخبار عن المجازر والفظائع التي يتعرض لها أهل حلب، كاستخدام صواريخ من نوع جديد تخترق التحصينات وتهدف، حسب الناشطين، إلى تدمير الملاجئ تحت الارض.

وقد عقد مجلس الأمن خلال الأيام الماضية جلسة خاصة للنظر حول ما يحدث في مدينة حلب، بناءً على طلب كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، حيث تبادل فيها مندوب روسيا والولايات المتحدة الاتهامات حول ما يحدث في حلب، واتهم مندوب بريطانيا روسيا بالقيام بجرائم حرب في سوريا؛ وانتهت الجلسة دون أي نتائج تخفف من المجازر التي تحدث في المدينة.

أكد محمد الحلبي عبر اتصال واتس اب من حلب أن هناك أحياء بالكامل تحولت الى أنقاض، بفعل الطائرات الحربية الروسية والسورية، بينما كان مندوب النظام السوري يتهم جبهة النصرة بالارهاب وترويع الناس، ولم ينسَ ان يشير الى هجمات متوقعة سوف تقوم بها حركة أحرار الشام، في الوقت الذي كان فيه طيران الأسد يقصف بكل أنواع الأسلحة، وأكد الحلبي أن كل مدني في حلب هو مشروع “شهيد” على يد بوتين والأسد.

Read in English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط