المجنّسون السوريون ورقة صراع في الانتخابات التركية

المجنّسون السوريون ورقة صراع في الانتخابات التركية

اشترك في نشرتنا

عُقدت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية يوم الأحد، وكان ملف اللاجئين السوريين أحد القضايا الانتخابية الرئيسية في ظل اختلاف موقف الأحزاب التركية حول وضع السوريين في تركيا، لاسيما مع اتساع الحملات الشعبية الرافضة لبقائهم في البلاد. وقد شغلت دعوات إعادة اللاجئين إلى بلادهم حيزاً واسعاً من الحملات الدعائية لأحزاب المعارضة، خاصة في ظل الدعم الذي يحظى بيه رئيس الوزراء التركي وحزبه في أوساط اللاجئين السوريين في تركيا.

أكد اثنين من أقوى أحزاب المعارضة التركية – حزب الشعب الجمهوري وحزب الجيد (هو حزب منشق عن تيار الحركة القومية تأسس عام 2017) – على ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بعد انتهاء الصراع المسلّح وتأمين البنية التحتية الأساسية لعودتهم. وذهب حزب الشعب إلى أبعد من ذلك، حيث تعهد بإحداث تغيير جذري في السياسية الخارجية التركية، وفتح قنوات اتصال جديدة مع نظام بشار الأسد لحل مشكلة اللاجئين. كما وعد في حال فوزه بإلغاء الميزات التي يتمتع بها السوريون في تركيا، مثل العلاج المجاني في المشافي التركية.

لأول مرة، شارك عدد من اللاجئين السوريين في هذه الانتخابات بوصفهم مواطنين أتراك، بعد منح الحكومة التركية لبعضهم الجنسية التركية بشكل استثنائي بالاستناد إلى المادة 12 من قانون التجنيس في البلاد، والذي يخوّل مجلس الوزراء إعطاء الجنسية للأجانب الذين قدموا خدمات للبلاد أو يعتبر تجنيسهم ضرورة.

من بين نحو 3 ملايين لاجئ سوري في تركيا، منحت السلطات التركية نحو 50 ألف سوري الجنسية التركية حتى الآن، ومن بينهم أطفال ومن هم دون سن ال 18 عاما، ومن المتوقّع أن يصل العدد النهائي إلى نحو 300 ألف سوري. حسب تصريحات مسؤولين أتراك، يقدّر عدد المجنسين السوريين الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة 17500، فيما يبلغ العدد الكلي للناخبين الأتراك 58 مليون ناخب.

رغم أن عدد المجنسين السوريين، المسموح لهم قانوناً بالتصويت، صغير جداً مقارنة بعدد الناخبين الأتراك، لكنه قد يشكل فارقا في بعض الولايات التي كان فيها التنافس كبيراً بين حزب العدالة ومعارضيه. على سبيل المثال هناك 11 مقعداً برلمانياً مخصصة لولاية هاتاي، حُسمت بعض المقاعد فيها في السنوات السابقة بفارق مئات الأصوات فقط. النسبة الأعلى لتجنيس السوريين تقع ضمن هذه الولاية. ومع بدء التحضيرات للانتخابات المبكرة، تلّقى السوريون الحاصلين على الجنسية التركية إشعارات عبر موقع e-devlet الحكومي تحدد مراكزهم الانتخابية، وتفيدهم بالمكان والزمان المخصص للتصويت.

ورغم أن القانون التركي لا يحدد فترة زمنية لحق من يحصل على الجنسية في المشاركة في التصويت إلا أنّ تقارير إعلامية تحدثت سابقاُ عن إمكانية استثناء المجنسين السوريين من المشاركة بالانتخابات خلال العام الأول لحصولهم عليها، خصوصا في تلك الحالات التي حصلت على الجنسية التركية بموجب المادة 12 من قانون التجنيس.

يؤكد الناشط الحقوقي وعضو “تجمع المحامين السوريين الأحرار في تركيا” غزوان قرنفل أنه “لا يوجد بالدستور التركي ما يمنع هؤلاء من التصويت، ولو حصلوا على الجنسية قبل عدة أيام من الانتخابات.” مضيفاً “أن الجدل في تركيا حول أحقية المجنسين السوريين في التصويت هو سياسي، وليس قانوني.”

يعطي الدستور التركي الحق للجميع المواطنين في التصويت إلا في حالات معينة، ويحدد قانون الانتخاب التركي رقم/2839، الذي أقرّ في عام 1983، من لا يحق له التصويت في الانتخابات وهم “الجنود الذين يؤدون الخدمة العسكرية، والمرضى العقليين، ومن هم تحت 18 عامًا والمسجونين والأجانب”.

يقول الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” أنّ منح بعض السوريين الجنسية التركية يحمل أبعاداُ انسانية ويساعد في فتح المجال أمامهم للعمل بطرق قانونية في تركيا. إلا أن المعارضة تشكك في ذلك، وتؤكد أن الأمر يحمل أبعاداً سياسية لمنح الحزب الحاكم أصواتاً انتخابية إضافية.

صرح رئيس حزب الشعب ‏الجمهوري، كمال كليتتشدار أوغلو، بأن قرار منح الجنسية “مسألة خطيرة تظهر الطريقة التي يتم بها ‏حكم تركيا. هدف هذه الخطوة ليس إنسانياً، بل إنها تهدف إلى تحقيق ميزة لحزب ‏العدالة والتنمية الحاكم”.

وحذّر النائب عن حزب الشعوب الديمقراطي، أقوى الأحزاب الكردية المعارضة، إيهان بلجين من أنّ “إيجاد ناخبين جدد على أساس القوة ‏العاملة الرخيصة، سيزيد من التحيز ضد اللاجئين وجرائم الكراهية، ما سيؤدي إلى تغيير ‏حاسم في معدلات التمثيل”.

من ناحية أخرى، يعتقد الأستاذ الجامعي ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط، أحمد أويصال أنّ استخدام ورقة المجنسين السوريين في الانتخابات هي “محاولة من المعارضة لتبرير فشلها في الانتخابات”. وتساءل أويصال في حديثه مع قناة “الجزيرة “كيف لعشرة أو عشرين ألف ناخب – في إشارة إلى عدد المجنسين السوريين – أن يغيروا نتائج الانتخابات في بلد لديه نحو 58 مليون ناخب”.

لا يخفى معظم المجنسين السوريين في تركيا دعمهم لأردوغان وحزبه في الانتخابات، ويعزو معظمهم سبب هذا التأييد إلى موقف الرئيس التركي من الأحداث في سوريا واللاجئين، وبسبب العدائية التي تكررها بعض شخصيات المعارضة تجاه وجودهم في البلاد.

عبر قُصي خطاب – الذي يعمل في مدرسة “رجب طيب أردوغان” بولاية هاتاي الحدودية والحاصل على الجنسية التركية قبل ثمانية أشهر – عن رغبته في المشاركة، كونه أصبح مواطناُ تركياً كامل الحقوق. وأكد خطاب أنه يدعم حزب العدالة والتنمية لموقفه الإيجابي من اللاجئين السوريين، ولأنّ باقي أحزاب المعارضة تقف موقفاُ سلبياُ من وجودهم، وتصرّح علانيةً بنيتها طردهم من البلاد. وتابع خطاب “معظم من أعرف من المجنسين سينتخبون حزب العدالة، ويدعمون برامجه خلال الفترة المقبلة”.

وفي محاولة لدفع السوريين للتصويت في الانتخابات قام حزب العدالة والتنمية بترشيح رجل الأعمال السوري الحائز على الجنسية التركية محمد شيخوني للبرلمان عن محافظة بورصة. أكد شيخوني، الذي غيّر اسمه ليصبح محمد أردوغان، أنه “سيكون صوت السوريين في مجلس النواب التركي في حال فوزه”، كما وعد بدعم إقامة مشاريع تساعد اللاجئين السوريين على توفير فرص عمل لهم.”

لم يكن جميع المجنسين السوريين متحمسون للمشاركة في الانتخابات، المهندس وائل العبد الله أحد هؤلاء يقول عن سبب عدم رغبته في المشاركة إن “معظم الشعب التركي لا يزال غير متقبلاُ لفكرة تجنيس بعض السوريين، ومن هذا المبدأ فإنّ عدم المشاركة سيخفف الاحتقان، ويجنبه أي احتكاك مع المجتمع الذي يعيش فيه”.

كما أن بعض من يحق لهم التصويت من السوريين لم يشارك بسبب عدم اتقان اللغة التركية. يقول أحمد الباشا، مدرس يعيش في مدينة الريحانية الحدودية “منذ قدومي إلى تركيا وأنا أعمل معلماً في المدارس السورية المؤقتة، ولهذا لم اشعر بأهمية تعلم اللغة التركية، وكثير من زملائي ينطبق عليه الأمر ذاته، لكن بعد حصولي على الجنسية التركي فإنني بدأت أشعر بالإحراج من هذا الأمر، وبسبب ذلك سأمتنع عن التصويت درئاً لأي موقف محرج قد أتعرض له هناك”.

نتائج هذه الانتخابات لن تحدد فقط مصير بقاء اللاجئين السوريين في تركيا من عدمه، بل سترسم أيضاً ملامح المستقبل لمن ينتظر منهم الاستقرار في هذا البلد وحصوله على جنسيتها، لأن استمرار هذا المشروع مرتبط كما يعتقد الكثير من السوريين هنا ببقاء الحزب الحاكم في السلطة، وهو ما اسفرت عنه الانتخابات الأخيرة. ورغم ذلك يظل مستقبل السوريين في تركيا غامضاً، خاصة في ظل تزايد الرغبة في عدم وجودهم على الساحة السياسية التركية.

اشترك في نشرتنا English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

نصر باهت للمظاهرات في الأردن

بعد ثمانية أيام فقط من اندلاع المظاهرات في المملكة الأردنية الهاشمية ضد قانون الضرائب غير المرغوب فيه، أطلق الأردنيون الألعاب النارية احتفالاً بقرار الحكومة في السابع من يونيو/حزيران بسحب مشروع القانون.

الولايات المتحدة توقف دعم الدفاع المدني السوري

في بداية شهر مايو/أيار أكدت قناة سي بي سي الأميركية أن الإدارة الأمريكية قد جمدت المساعدات المقدمة لمنظمة الدفاع المدني السورية، المعروفة إعلامياً بـ "الخوذ البيضاء"

إعادة التخطيط وسط الصراع: القانون رقم 10 وتداعياته

منح تمرير قانون الملكية – القانون رقم 10 - في أبريل/نيسان بواسطة البرلمان السوري، السلطة للنظام السوري لإعادة صياغة قوانين الملكية الخاصة وإعادة تخطيط الأراضي عبر البلاد.