خمس سنوات من النزوح: كرم السوريون

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في هذه الحلقة يسرد أيمن جلوان تفاصيل الساعات الأولي لوصوله فينا، وكيف انتهى به المطاف للمبيت في فندق فاخر، فقط لأنه سوري.

لقد تم تحذيرنا بشأن المجر. حذرني أصدقائي من أن الوضع هناك خطير جداً، ومن أن السلطات المجرية تعامل اللاجئين بشكل سئ حقاً. لقد سمعت هذا من أصدقائي الذين سافروا قبلنا عبرها. فقد تم القبض عليهم في المجر وأودعوا في السجن لمدة شهر. وقامت السلطات المجرية بضربهم، وأخذوا ملابسهم وقاموا بتفتيشهم وسرقوا أموالهم – كل شئ يمكن أن تتخيله.

وأخذتنا قوات الجيش المجرية إلى المكان الذي يمكن أن نبدأ منه السير. وعندما قابلنا بعض المراقبين التابعين للأمم المتحدة ولمنظمة أطباء بلا حدود، اصطحبونا على طول الطريق من كرواتيا إلى النمسا. وشعرنا برفقتهم بالأمان، وكانوا دائما يسألوننا إذا ما تعرض لنا أحدٌ من الشرطة أو الجيش المجرييْن بالضرب أو سبب لنا أي مشكلة، وجعلونا نسير في مجموعات، إثنين إثنين، في صفوف طويلة، بينما يسيرون هم معنا.

لم أكن أعرف بالضبط أين نحن طوال الوقت، ولكن فجأة إعتقدنا أننا عبر الحدود، حيث يوجد هنا محطات قطارات. وقد وضعونا على متن أحد هذه القطارات، وعلى ما يبدو أننا نتواجد في مكان معين مشترك بين النمسا وكرواتيا والمجر. فهذا هو اتفاق من نوع ما بين هذه الدول، وقد رتبت الأمم المتحدة لنافذة من الوقت – أسبوع واحد فقط – لتسمح لللاجئين بهذه الطريقة بالعبور بأمان. فهى تراقب عبر الحدود – ولمدة أسبوع كامل – وصول اللاجئين من كرواتيا الى النمسا. وقد كنا محظوظين للغاية، فقد أودع العديد من اللاجئين فى السجون، وتم تسجيلهم بهذه السجون هناك.

هؤلاء الأشخاص التابعون للأمم المتحدة ولأطباء بلا حدود حقاً أناسٌ رائعون. فهم قالوا لنا “حسناً، سنضعكم على متن القطار المتجه إلى النمسا الآن، وبعد ذلك، أنتم أحرار. يمكنكم البقاء في النمسا أو الذهاب إلى ألمانيا. لا أحد سوف يسألكم عن شأنٍ يخصكم، مرحباً بكم في أوروبا.”

وعندما وصلنا إلى فيينا، سألني أشخاصٌ هناك “هل أنت ذاهب إلى ألمانيا” فمحطة القطار كانت مزدحمة للغاية ومشغولة، لذلك قالوا لي “يجب أن تحصل على تذاكر القطار المتجه إلى ألمانيا صباحاً، وأن تقضي الليلة في فيينا”. ونظرت حولي، وقد كان المكان جميلاً في فيينا.  فأخبرتهم “حسناً، أين يمكننا النوم؟” قالوا “هناك أماكن يمكنكم قضاء الليلة فيها بالمجان، إذا أردتم ذلك، فإذهبوا للصليب الأحمر، وهو سوف يدلكم على الأماكن التي يمكن للاجئين المبيت فيها.”

وبالتالي ذهبنا إلى هناك، ولكن بقيت نفس المشكلة السابقة، فقد كان المكان سئ للغاية. وقال لي الناس من حولي “لديك خيار، بالتأكيد يمكنك الذهاب إلى فندق، فقلت لهم “نعم، أنا لا يهمني حتى إذا كان ما سأدفعه للفندق هو أخر ما لدى من مال.” وكانت هذه الليلة الأخيرة قبل أن نصل إلى ألمانيا. فلقد اقتربنا من الوصول، وقمنا بالفعل بشراء التذاكر، لذلك قررت أن ننفق النقود على المبيت في فندق. لذلك قالوا لي “حسناً يمكنك أن تطلب من أحد سائقي سيارات الأجرة بالخارج أن يقلك إلى أحد فنادق المدينة رخيصة الثمن”. وبعدها بالفعل طلبت من أحد السائقين أن يقلنا. ولكن لسوء الحظ، لم يكن يتحدث الإنجليزية، ولكنه يردد فقط كلمتي “عربي” و”فندق”، لذلك ذهبنا معه.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الأولي: كيف بدأت رحلتنا

الحلقة الثانية: قطع الصلات مع الماضي

الحلقة الثالثة: لن اقاتل في جيش بشار

الحلقة الرابعة: كيف عبرنا الحدود؟

الحلقة الخامسة: ليلة في غازي عينتاب

الحلقة السادسة: موت مُحتمل في البحر 

الحلقة السابعة: النجاة في قارب غير صالح للإبحار 

الحلقة الثامنة: كل ما أريده هو الأمان

الحلقة التاسعة: التخلى عن كرامتنا الانسانية لأجل مستقبلنا 

الحلقة العاشرة: من حدود لحدود

الحلقة الحادية عشر: غرباء يساعدون في كل مكان

أخذنا سائق التاكسي إلى فندق، ولكن يا إلهي! إنه فندق خمس نجوم! فقلت له “ماذا تفعل؟ يا إلهي!”، فقال “لا، لا، يأتي إلى هذا الفندق سعوديون وإماراتيون وكويتيون، كلهم يأتون إلى هنا”. فرددت “أوه لا، أنا لست سعودياً، أنا سوري! ماذا تفعل بي؟”. حقاً لم أستطع فهمه، والمكان يبدو غالي الثمن. أعلم أنه لا يمكننا البقاء هنا. ولكن ماذا عسانا أن نفعل؟ هل يجب علينا على الأقل أن نستعلم عن غرفة؟ لقد دفعنا بالفعل لسائق التاكسي. أعتقد – يا إلهي – الآن سوف أفقد كل نقودي. ولكن لا يمكنني أن أخذ تاكسي أخر. فالنقود محدودة جداً للقيام بذلك.

لذلك ذهبت إلى موظف الاستقبال وقلت “أود أن أحجز غرفة لهذه الليلة، من فضلك”. فسألني الموظف “هل تتحدث العربية؟” فرددت “نعم”. واتضح بعد ذلك أن هذا الموظف مصري الجنسية. فقلت له يجب أن أخبرك بأنه لا يوجد لدي حساب بنكي ولا حتى أوراق، أنا مجرد لاجئ. فسألني “من أين تأتي؟”. فأخبرته بأني من سوريا. فقال لي نعم، إذن أنت سوري؟ شكراً لله فلا توجد إذن مشكلة”. فقلت له “لماذا؟”. فأخبرني “هذا الفندق مثله مثل العديد من الفنادق في فيينا يملكه رجل أعمال سوري. ولدي تعليمات إذا أتى إلى هنا لاجئ من سوريا، فعلي أن أعطيه غرفة ذات خدمة كاملة”.

لقد عرفت الآن لماذا كان سائق سيارة الأجرة ملحاً، ولماذا أخبرنا مراراً وتكرراً بأنه يجب عليه أن يأخذنا إلى هذا الفندق بالتحديد! قال لي موظف الاستقبال “لا، أنا لن أطلب منك أي حساب بنكي أو أوراق، وكذلك سوف تكون وجباتك على حساب الفندق. نحن نطلب منك أن تدفع فقط عشرة يورو لليلة”. فقلت له “هل أنت تمزح؟ ربما يمكنك فقط أن تضعنا في غرفة صغيرة”. فرد “نحن جاهزون، تعالوا معنا”. فاصطحبنا رجل حاملاً كل أغراضنا وفتح باب الغرفة، وكانت مجهزة بكل شئ! حيث يوجد تلفاز كبير، وواي فاي وثلاجة ممتلئة بالمشروبات والرقائق وكل شئ! ويوجد كذلك دورات مياه أنيقة. ماذا يمكننا أن نريد أكثر من ذلك؟ وبعد هذا، طرق أشخاص الباب يسألوننا “هل لديكم أي ملابس تحتاج للتنظيف؟ سوف نفعل هذا من أجلكم مجاناً”. أذهب للإفطار، تناول الغداء – كل هذا دون مقابل فقط لأنك سوري.

Read in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.