سوريا بعد سبع سنوات من الثورة (2-2)

سوريا بعد سبع سنوات من الثورة (2-2)

اشترك في نشرتنا 

صار التعقيد المحير للصراع في سوريا، الذي يوشك على أن يدخل عامه السابع، يزيغ الأبصار ويدير الرؤوس بين القيادات السياسية كما الناخبين في الغرب. وبات السؤال غير القابل للإجابة – كيف يمكن وضع نهاية لذلك الصراع؟ – يُغرق أذكى العقول في الظلام واليأس.

على الجانب الآخر، فإن روسيا وإيران – لأسباب مختلفة وإن كانت متوافقة – قد وجدا طريقهما وسط الضباب والفوضى في سوريا عبر التمسك بهدفين محددين: الإبقاء على بشار الأسد في السلطة، ثم الابتزاز الديمغرافي للغرب حتى يدفع تكلفة إعادة إعمار البلاد، تحت إشراف نظام الأسد الفاسد وغير الكفء. بينما يقيد الغرب نفسه بنسيج من التفاصيل السياسية، ويعارض بصوت عال – ولكن بكل عجز- استمرار نظام الأسد في ارتكاب جرائم الحرب، ويحاول – بعد طول انتظار- إنهاء حربه ضد مجموعة المسلحين اللذين مارسوا الاغتصاب والنهب وسرقة البنوك في شرق سوريا، في حين تمضي موسكو وطهران في تنفيذ خطتهما.

الجزء الأول من مقال “سوريا بعد سبع سنوات من الثورة” حاول طرح اقتراح مباشر: لا أحد يعلم كيف ولا متى سينتهي ذلك الكابوس السوري، لكنه لا يمكن أن ينتهي طالما استمر غياب حماية المدنيين من مرمى نيران نظام الأسد. فالقتل الجماعي العمدي لا يمكن أن ينتج عنه حكم شرعي ومستقر.

وكما يبدو الأمر حالياً، أصبح على العائلات السورية وأطفالها أن ينتظروا استخدام نظام الأسد لغاز السارين أو أسلحة كيميائية-بيولوجية من ذات القوة، كي تحرك الولايات المتحدة ساكناً لتحقيق قدر من الحماية العسكرية لهم (كما فعلت محمودةً في أبريل/نيسان 2017). ويبدو كل سلاح لا يرقى لمستوى سمية غاز السارين مسموحاً به، ربما باستثناء سلاح الكلورين الذي يثير استخدامه قدر من استياء المسئولين الغربيين، لا يثيره استخدام الأسلحة القاتلة غير الكيميائية الأخرى، التي تتسبب في الترويع الواسع والقتل الجماعي.

إن حماية المدنيين هي ركيزة الانطلاق لإحداث أي تأثير إيجابي على طريق إيجاد حل للصراع في سوريا: أي كان شكل هذا الحل. فبسط الأسد لهيمنة نظامه بين أرجاء سوريا معتمداً على إرهاب الدولة سيؤدي إلى تغذية التطرف، كما سيؤدي لدفع أعداد كبيرة من السوريين للهرب خارج البلاد. وستصبح سوريا دولة فاشلة بشكل دائم. ربما يظل الأسد محتفظا بالحكم اسماً، إلا أن الميليشيات المدعومة من إيران هي من سيكون لها الكلمة في مسرح الأحداث. ولا يحتاج المرء لاختراع خطة سرية من 98 نقطة بشأن الانتقال السياسي من نظام الأسد إلى نظام آخر متحضر، كي يصل إلى نتيجة أن لا شيء جيد يمكن التوصل اليه طالما استمر ترك المدنيين السوريين في قبضة مجموعة من السفاحين.

ويمكن للغرب أن يجد طريقه في المتاهة السورية بشكل أبسط من خلال التركيز على نقطتين محددتين: رفع كلفة قيام الأسد بذبح المدنيين بذلك الشكل المنهجي؛ وتحويل انتصار الحملة العسكرية الطويلة على تنظيم داعش في شرق سوريا إلى شيء أكثر نفعاً.

وتبدو روسيا والنظام السوري وإيران يقفون ضد نية الولايات المتحدة الاحتفاظ بوجود عسكري لأجل غير مسمى شرق نهر الفرات في سوريا. ومبررات ذلك الوجود العسكري تدور في فلك ترسيخ الاستقرار في المناطق المحررة، وذلك عبر: استعادة النظام في تلك المناطق، وتلبية الاحتياجات الإنسانية للسكان. وكان تجاهل بديهيات العمل العسكري تلك في كل من العراق عام 2003 وليبيا عام 2011، قد أدى إلى تبعات جسيمة لا يزال يعاني منها كلا البلدين (كما يعاني منها الغرب).

ويبدو أن روسيا والنظام السوري وإيران يخشون من نجاح الولايات المتحدة في بسط الاستقرار في شرق سوريا، بالتعاون مع عناصر المعارضة السورية والمجالس المحلية والموظفين المحليين ومجموعات المجتمع المدني، وتشكيل جهة إدارة في تلك المنطقة، فتصبح نموذجاً عمليا أمام السوريين لما يمكن أن يكون عليه شكل سلطة الحكم الانتقالية في سوريا، التي نص عليه البيان الختامي في مؤتمر جنيف عام 2012.

ويبدو أن روسيا قلقة بشدة من ذلك الاحتمال، حتى أنها شنت في 7 فبراير/ شباط 2018 عملية عسكرية كبيرة عبر نهر الفرات، بهدف الاستيلاء على أراض في المنطقة (على الأخص حقل بترول) وقتل أفراد أمريكيين. وجاءت عملية الهواة تلك ذات التكلفة العالية – والتي نُفذت دون غطاء جوي تكتيكي – لتكون نسخة بوتين من عملية خليج الخنازير. على العكس من جون اف كينيدي، لم يقف بوتين ليقدم نفسه “كممثل الحكومة المسئول” الذي يجب أن يتحمل اللوم في الإخفاق التام للعملية.
ويبدو أن العائق الرئيسي أمام بناء بديل لشبكة أعمال عائلة الأسد في شرق سوريا، ليس الجرأة العسكرية لروسيا والنظام السوري وإيران مجتمعين. بل أن العائق الرئيسي هو تبعات تحالف واشنطن الغافل على مدار السنوات الثلاثة الماضية مع القرين السوري لحزب العمال الكردستاني.

وربما يقدر المرء ويكرم تضحيات المقاتلين الأكراد اللذين حاربوا تنظيم داعش. وربما يأسف بشدة لموت عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، ويحث تركيا على إعادة إحيائها. وربما يعتبر المرء قيام تركيا باجتياح منطقة عفرين في شمال شرق سوريا خطأ. إلا أنه في نهاية الأمر: تركيا لها وضعية الشريك في حلف الناتو، بينما حزب العمال الكردستاني هو منظمة إرهابية، ليس في نظر تركيا فحسب، بل بمعايير الولايات المتحدة وحلف الناتو أيضا. وبدون ضمان تعاون تركيا، لن يكون من الممكن إحلال الاستقرار في شرق سوريا.

وقد كان بإمكان إدارة أوباما تشكيل “تحالف راغبين” من القوات المحترفة لقتال تنظيم داعش في سوريا على وجه السرعة، قبل أن يتمكن مقاتلي داعش من شن هجمات إرهابية كبرى في تركيا وغرب أوروبا. بدلاً من ذلك، اختارت الولايات المتحدة توفير غطاء جوي ومستشارين من القوات الخاصة لدعم المقاتلين الأكراد (اللذين صاروا بعد ذلك خليط من المقاتلين المتنوعين بقيادة الأكراد)، وقام هؤلاء بدور جنود المشاة في حرب التحالف ضد تنظيم داعش. والاعتماد على ميليشيات غير نظامية للقيام بهذا الدور – بالرغم من مهارة مقاتلي تلك المليشيات واستبسالهم – جعل مطاردة الخليفة الأبرز وأتباعه المنحطون يستغرق نفس المدة التي استغرقتها الولايات المتحدة لإتمام الحرب العالمية الثانية.

وبعد استخدام الميلشيات التي صارت تدعى “قوات سوريا الديمقراطية” في قتال تنظيم داعش، صار التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة متورطاً – ولو بشكل مؤقت – في الاعتماد على تلك الميليشيات لإنفاذ القانون والترتيبات الدفاعية. وينتج عن كون قيادة الميليشيات كردية مشكلتين: أدى الاجتياح التركي لعفرين إلى تشتيت انتباه المقاتلين بعيداً عن مطاردة عناصر تنظيم داعش؛ كما أن استخدام قوات غالبيتها كردية لإرساء الأمن في المناطق ذات الغالبية العربية في شرق سوريا قد لا يلاقي بالترحاب من قبل سكان تلك المناطق. فلذلك يجب إيجاد بديل. وربما يكون تشكيل “تحالف راغبين” من القوات البرية المحترفة قادر على بناء قوات أمن وطنية سورية، لا تدين بالولاء للأسد، وقادر بشكل انتقالي على حفظ الأمن وتطبيق القانون في منطقة الفرات، كخط أمامي في مواجهة محاولات روسيا والنظام السوري وإيران اختراق شرق الفرات.

والخبر الجيد وسط كل ذلك هو أن فصائل المعارضة السورية الرئيسية تمد يدها لأكراد سوريا، في محاولة للوصول إلى نتيجتين: رؤية مشتركة بشأن مستقبل سوريا بشكل يطمئن تركيا؛ وخطة لحكم شرق سوريا قد ينتج عنها هيئة حكم انتقالية، قادرة على أن تضرب للسوريين مثلا على ما يمكن أن يكون بديلاً جذابا لحكم الأسد.
أما الخبر غير الجيد فهو أن إدارة ترامب، مثل سابقتها، لا تبدو مهتمة بالتعاون مع الأطراف السورية المؤهلة (باستثناء المسلحين الأكراد) للتعامل مع التحديات الدبلوماسية والعملياتية ذات الطبيعة المعقدة والحساسة في شرق سوريا.

وتبدو القيادة المركزية للولايات المتحدة الأمريكية، المنوط بها الاشراف على الحملة الطويلة ضد تنظيم داعش، ملتزمة من الناحية المؤسسية بدعم “القوة الشريكة” الخاضعة للسيطرة الكردية، كما تقصر هدف مهمتها، بشكل يغلب عليه الجمود، على هزيمة داعش. ولو أن هناك داخل الإدارة الأمريكية بطلا يتصدى لمصالحة ركيزتي السياسة الأمريكية في سوريا – اللتين تبدوان منفصلتين بشكل مصطنع وذي نتائج كارثية- فإننا لا نعلم من هو أو من هي. ذات الغموض يحيط بما إذا كان في مقدور الإدارة الأمريكية توفير الموارد البشرية الضرورية للقيام بعملية كثيفة وطويلة المدى في شرق الفرات.

إلا أن تأسيس هيئة حكم انتقالي في شرق سوريا، إلى جانب وقف آلة القتل الدائر في غرب سوريا، قد يمثل الفرصة التي لم تتوفر طوال الأعوام السبعة الماضية لفتح طريق أمام الحل السياسي في سوريا، وضمان تمثيل السوريين من معارضي الأسد – واللذين صارت الغالبية العظمى منهم مُهجرة خارج البلاد – تمثيل مختلف عن ذلك الذي تمنحه المعارضة المشرذمة في المهجر.

من ناحية أخرى، لا يبدو هناك سبب لأن تنفر روسيا من مثل هذا الحل، كنقطة انطلاق قد تخدم مصلحتها الأساسية في سوريا: إيجاد حكومة سورية صديقة ومتعاونة. بل أن هناك بين وجوه المعارضة السورية من هو قادر على أن يحقق لروسيا ذلك الهدف على نحو أفضل بكثير من مجرم الحرب المحاصر. إلا أن الحل الجدي للنزاع في سوريا – ذلك الحل الذي يسمح بإعادة احياء البلاد سياسياً واقتصادياً- غير قابل للتطويع ليتوافق مع اهتمام بوتين المصبوب على شخص الأسد، أو مع محاولات إيران إخضاع سوريا لمندوبي طهران في لبنان.

إن مساعدة السوريين – عرباً وأكرادا ومن سواهم – لإعادة بناء شرق سوريا كنموذج لما يمكن أن تكون عليه سوريا موحدة، ذات حكم محلي قوي، ومجتمع مدني فاعل، وفي ظل تطبيق حكم القانون وتحقيق رضا المحكومين، هي مهمة شاقة وتستغرق وقتاً طويلاً. والقيام بتلك المهمة سيتطلب محاولة اجتذاب تركيا للتعاون في تحقيق تلك المهمة، بينما قد يكون لتركيا، في نهاية المطاف، أولويات مغايرة. كما قد يتطلب مزيد من استعراض التفوق الأمريكي على روسيا والآخرين، إذا ما حاولوا عبور الفرات لقتل أمريكيين.

إلا أنه إذا كانت الولايات المتحدة ملتزمة بتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة من عصابة الإسلاميين المارقين، سيكون السؤال البديهي هو “لأي غاية؟” بالطبع لن تكون الغاية هي تسليم المناطق المحررة لنظام سيؤدي اجرامه إلى بعث تنظيم داعش مرة أخرى من قبرها، فضلا عن استمرارها في تجنيد الإرهابيين حول العالم.
ولا تزال الولايات المتحدة تعتبر بشار الأسد رئيسا لسوريا. وذلك موقف مخزي. إن أي استثمار أمريكي تم أو سيتم مستقبلا في شرق الفرات ينبغي أن يهدف لإرساء بديل جاذب وذو قاعدة واسعة لذلك السفاح الخارج عن القانون. مثل ذلك الإنجاز، بجانب توفير قدر من الحماية للمدنيين، قد يخرج الجميع من الظلام، ويمنح الغرب والسوريين رؤية واضحة للمضي في طريق انهاء هذا الجحيم.

اشترك في نشرتنا English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

دلالات الانتخابات المحلية التونسية

الموضوع المتكرر والأساسي في تحليل نتائج انتخابات البلدية التونسية هو الجدل الذي لا ينتهي بشأن النصف الممتلئ من الكوب والنصف الآخر الفارغ. أجريت أول انتخابات بلدية منذ انطلاق الربيع العربي عام 2011 بطريقة حرة وعادلة وآمنة، لكنها أنتجت نتائج مختلطة: بعضها واعد والبعض الآخر محبط.

مخيم اليرموك: معركة النظام لتأمين جبهته الجنوبية

مخيم اليرموك هو البوابة الجنوبية الأهم لقلب العاصمة دمشق. المخيم هو موقع عسكري استراتيجي للنظام في حال أراد بدء معركته ضد فصائل المعارضة في درعا وما حولها، من أجل بسط سيطرته كاملة من جنوب العاصمة نحو منطقة السيدة زينب

كارثة طبية في الرقة

انتشرت خلال الأسابيع الماضية أمراض معوية، مثل الالتهابات المعوية والاسهال والتهاب الكبد الوبائي، نتيجة تناول مياه غير نظيفة وغير صالحة للاستخدام الآدمي. حيث أن مادة الكلور المستخدمة في عملية تطهير المياه غير متوفرة بكميات كبيرة في الرقة.