سوريا بعد سبع سنوات من الثورة (1-2)

سوريا بعد سبع سنوات من الثورة (1-2)

اشترك في نشرتنا 

تبدو أن الحكمة في التعامل مع الوضع في سوريا بالنسبة الولايات المتحدة وحلفائها تنطلق من التسليم بنقطتين. النقطة الأولى: طالما استمر نظام إرهابي في استهداف المدنيين بلا هوادة، فلن ينتج عن ذلك أي خير، لا للسوريين ولا لجيران سوريا ولا للغرب. النقطة الثانية: إن هزيمة الدولة الإسلامية (داعش) تمثل فرصة لمرة واحدة، قد تضيع، للتوصل إلى بديل واضح وفاعل لبشار الأسد، وهو البديل الذي يؤدي غيابه إلى استمرار دعم بشار الأسد من قبل أقلية ذات وزن من السوريين.

الجزء الأول من هذا السلسة يتناول الأهمية الجيوسياسية للوقوف في وجه ذبح المدنيين في سوريا. أما الجزء الثاني فسيطرح كيفية الاستفادة من هزيمة داعش لتحقيق نتائج ذات أثر دائم.

إن الطبيعة المعقدة للصراع في سوريا، الذي يدخل عامه السابع، تلقي بظلال من الارتباك والتذبذب والجمود في الدوائر السياسية الغربية. فبينما يمارس النظام السوري القتل الجماعي، وتشارك روسيا وإيران في جرائم حرب في حين تتدعي شفاهةً دعم مبادرات السلام، وبينما تحاول المليشيات الكردية بدعم من الولايات المتحدة القضاء على تنظيم داعش في شرق سوريا، وبينما تقوم تركيا بمهاجمة نفس هؤلاء الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، لا عجب أن السياسة الغربية تتلخص في القاسم المشترك الأدنى (بجانب الموقف من تنظيم داعش): ينبغي على نظام الأسد أن يمتنع عن استخدام الأسلحة الكيماوية القاتلة في عملية ذبح السوريين.

وصار التعقيد البالغ للصراع في سوريا، والطريقة التي تم بها تفكيك البلاد بواسطة عدد كبير من اللاعبين (على رأسهم النظام السوري)، تجعلان الكثيرين في الغرب يريدون الاشاحة بوجوههم بعيداً عن سوريا فحسب. فتعويذة الفوضى تلك من تباين اللاعبين وتضارب المصالح تُعجز الغرب عن صياغة سياسة فاعلة. ويبدو تحقيق أهداف لمثل تلك السياسة آمر غير قابل للتحقيق، كما تجعل الحديث عن تخطيط استراتيجية مجرد كتابة حبر على ورق.

على الجانب الآخر، لا تعاني كل من روسيا وإيران من مثل هذا العجز. فبدلاً من إطالة التأمل في المشكلة، قامت روسيا وإيران بتلخيص الوضع في هدفين محددين: بسط وجود نظام الأسد في الأركان الأربعة لسوريا المدمرة؛ ثم استخدام الابتزاز الديمغرافي لحمل الغرب على دفع تكلفة إعادة إعمار البلاد. وبالنظر للسجل الحافل لغرب بغياب القيادة في الملف السوري، من يضمن الوقوف في وجه تلك الأهداف؟

إلا أنه يجب الوقوف في وجه تلك الأهداف. فترميم نظام بشار الأسد لن يؤدي إلى نهاية النزاع الأهلي في سوريا، ولا لتعزيز إعادة إعمار الدولة.

لقد قام الأسد بالإشراف على آلة القتل المُمنهج والتهجير والاعتقال والتعذيب والاغتصاب والتجويع. فهو وحاشيته قد أرسوا قواعدا جديدة لانعدام الكفاءة واستشراء الفساد. بالإضافة لذلك، فإن الأسد ساعد وحرض على صعود التطرف الإسلامي في سوريا، وأيضا في العالم.

وحتى إذا ما خضع الاتحاد الأوروبي للابتزاز ودفع المليارات – وهو سيناريو غير مستبعد بالنظر إلى مستوى القيادة السياسية حاليا في القارة – فلن يمحو ذلك حقيقة ثابتة من حقائق الحياة السياسية: حتى المناطق التي تخضع لسيطرة الأسد يمكن أن يتم إفراغها سريعا من السكان، حين يتم ببساطة منح السوريين وثائق الثبوتية التي تمكنهم من مغادرة سوريا وإعادة الاستقرار في مكان آخر. فطالما استمر الأسد في الحكم – أسمياً على الأقل- سيستمر افراغ السكان، سواء في وجود أوراق الثبوتية أو بدونها.

وكما نجحت كل من موسكو وطهران في تركيز أهدافهما على نقاط محورية، ينبغي أن ينتهج الغرب ذات النهج. إن حماية المدنيين بالتخلص من حالة إطلاق اليد التي يتمتع بها شخص متورط في جرائم قتل جماعي يمثل نقطة انطلاق محورية. فبدون وجود إجراءات لحماية المدنيين، لا يمكن تحقيق تقدم يُذكر. حماية المدنيين هو الشرط المطلق الذي لا غنى عنه لتحقيق أي خطوة على طريق جيد بشأن سوريا. ولسنا بحاجة لمناقشة ملامح الطريق لفهم أنه إذا ما بقيت تلك العقبة – غياب حماية المدنيين – تسد الطريق، فلا جدوى من المضي أي خطوة، ولا وجهة جيدة يمكن الوصول اليها.

إلا أنه حين نتحدث عن حماية المدنيين من نظام غاشم مثل النظام السوري، سيواجه الحديث بتحفظات قوية حول “التدخل الإنساني”، كأنما الوقوف في وجه الأفعال الدموية التي يرتكبها الأسد أمر من النوافل، جيد، لكنه مشوب بالمخاطر؛ كأعمال فرق الكشافة.

ويتفنن من يصفون أنفسهم بمحللي السياسة الخارجية “الواقعيين” بالتقليل من شأن مبدأ حماية المدنيين. وعلى حد تعبير سامنثا باور في كتابها “مشكلة من الجحيم”، هناك تاريخ طويل وغير مشرف من التعامي واختلاق الأعذار حول عدم التعامل مع جرائم الإبادة وجرائم القتل على نطاق واسع بأشكاله الأخرى. فبالنسية للكثيرين، إنقاذ الأرواح لا يرقى لكونه أولوية من أولويات السياسة الخارجية، ولا يرتفع لمستوى “المصالح الوطنية”.

ربما يمكن “للواقعيين” أن يقتنعوا بجدوى العمل على تفكيك آلة القتل الجماعي، إذا ما أخذوا في الاعتبار التبعات الجيوسياسية لاستمرار الذبح الجماعي للمدنيين دون تدخل. وكان قرار باراك أوباما – الحاصل على جائزة نوبل للسلام – بجعل هدف حماية المدنيين أقل شأناً من هدف إبرام اتفاق نووي مع طرف ضالع في جرائم حرب، قرارا أبعد ما يكون عن ممارسة بلا كلفة للحذر وضبط النفس. بلا شك، كانت براجماتية أوباما الخالية من المشاعر هي رمية الزهر غير الموفقة في هذه المقامرة.

كان الإخفاق التام فيما يخص “الخط الأحمر” عام 2013 – الذي انطوى على قرار أمريكي واعي بترك السوريين بشكل كامل تحت رحمة نظام قاتل لحظة إبرام اتفاق حول الأسلحة الكيماوية – إشارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية صارا هدفين للإهانة. فالقرم تم الاستيلاء عليها، وحلفاء الناتو يتم التحرش بهم من قبل روسيا، والنظام الانتخابي الأمريكي تعرض لهجوم روسي. وبالأمس القريب، في 7 فبراير/شباط 2018 تحديداً، حاول الرئيس بوتين – في ظل توقعه بأنه محصن من الملاحقة ما أدى إلى نتائج كارثية – استهداف أمريكيين خلال عملية عسكرية عبر نهر الفرات في شرق سوريا.

وفي 4 مارس/آذار 2018، أصدر البيت الأبيض بياناً حول المذابح المستمرة التي يقوم بها النظام السوري وروسيا في شرق الغوطة، وجاء فيه، “على العالم المتحضر ألا يتسامح مع استمرار استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية”.

هل يعني ذلك أنه يمكن التسامح مع استهداف المدنيين بالبراميل المتفجرة وقنابل الجاذبية وقذائف المدفعية وقذائف الهاون والصواريخ؟ أيضا، كيف ينتوي “العالم المتحضر”- والذي يشمل على نحو محتمل الولايات المتحدة – “عدم التسامح” بشأن استخدام (على سبيل المثال) سلاح الكلورين، الذي يستشري استعماله؟ هل سيعبر عن عدم التسامح بعبارات غاضبة؟ هل يفهم المسئولون الأمريكيون أن الأعداء كما الأصدقاء يستمعون لتلك البيانات، ويستخلصون النتائج منها؟ فكما اتضح مراراً أثناء إدارة أوباما؛ الكلمات الأمريكية الفارغة تشجع الأعداء على المخاطرة، في ظل توقعهم عدم اتباع الكلمات بأفعال.

ويبدو أن إدارة ترامب قد اتبعت نفس سياسة أوباما من الناحية العملية (وإن لم يكن من الناحية الشفاهية) في الإشاحة بنظرها عن الفظائع التي تُرتكب بالجملة في سوريا، طالما كانت تلك الفظائع لا تشمل استعمال غاز السارين. وكما سبقت الإشارة، فإن روسيا والنظام السوري وإيران يفسرون ذلك الموقف الأمريكي باعتباره ضوء أخضر لارتكاب ما يحلو لهم ضد المدنيين، طالما كانت أسلحة القتل المستخدمة إما غير كيماوية، أو كيماوية ذات قوة قتل محدودة.

كيف لا يمكن لأعدائنا استغلال مثل ذلك التصريح الضمني بشكل كامل؟ وماذا يمنع روسيا من اختبار الولايات المتحدة من خلال اعتداء عسكري مباشر؟ إن نتيجة ذلك الاختبار- العديد من القتلى الروس – لا ينبغي أن تسفر عن تهاني تنم على رضا عن النفس. فهؤلاء العازمين على ضرب الولايات المتحدة في سوريا من أجل تطويع العالم، في حوزتهم أدوات حرب غير نظامية، من ضمنها الكثير من المقاتلين الأجانب المدعومين من إيران، وهؤلاء هم جنود لا سعر لهم بالنسبة لطهران.

ولو قام نظام الأسد بإمطار الغوطة الشرقية أو إدلب بغاز السارين، من المتوقع أن تقوم إدارة ترامب، في نقطة تحسب لها بشدة، بالحفاظ على مصداقية الولايات المتحدة، مثلما فعلت في أبريل/نيسان 2017 حين قامت باستهداف قاعدة جوية تابعة للنظام بصواريخ كروز، وتدمير كم كبير من مقاتلات النظام الجوية. ومما لا شك فيه أن هناك خطة لمثل تلك الضربة، إذا ما قام النظام السوري باستخدام غاز السارين مرة أخرى.

السؤال هو: لماذا لا يتم توجيه التحذير لروسيا بأن قتل المدنيين – بصرف النظر عن الأدوات المستخدمة في ذلك القتل – يجب أن يتوقف فوراً؟ ولماذا لا يتم تنفيذ خطط الرد تلك إذا لم يتوقف القتل؟ قد يحاجج البعض بأن رد فعل روسيا والنظام السوري قد يكون إغلاق المجال الجوي في شرق سوريا، حيث تنشط المقاتلات الجوية الأمريكية في مطاردة تنظيم داعش. نعم، ربما يحاولون فعل ذلك: حتى لو جاءت تلك الضربات الأمريكية رداً على استخدام غاز السارين. هل الولايات المتحدة بلا حول ولا قوة للرد على مثل ذلك التحرك؟ هل يقع حساب مخاطرة التصعيد بالكامل على عاتق الولايات المتحدة؟ هل الوزن العسكري للولايات المتحدة، من الناحية العملية، مساوي لوزن ليشتنشاين؟

ليس للولايات المتحدة أي اهتمام بغزو واحتلال سوريا. ولا يوجد ترتيب أمريكي لتغيير النظام هناك باستخدام القوة.

لكن استمرار إطلاق يد الأسد دون محاسبة في الذبح الجماعي للمدنيين ينطوي على تبعات شديدة السلبية على الغرب من الناحية الجيوسياسية، بما يتجاوز الأزمة الإنسانية التي غالبا ما تشحذ الاهتمام بوصفها.

كل هذا ونحن ننحي جانباً الأثر المدمر على أطفال سوريا، من تبعات تلك الرخصة الكيماوية، التي يحملها نظام الأسد لارتكاب أسوأ ما يمكنه. ماذا ينبغي على الرئيس الروسي والمرشد الأعلى الإيراني أن يفكروا بشأن عزم وجدية الولايات المتحدة، إذا كانت الرسالة التي توجه لهم مضمونها هو “لا شيء مجاوز للحدود بالنسبة لعميلكم، إلا إذا استخدم أسلحة كيماوية سيئة للغاية”؟ مثل سابقتها، تغامر إدارة ترامب بتغذية عدم الاستقرار العالمي بإبداء موقف ضعيف في سوريا.

ولن يكون من الممكن حماية المدنيين السوريين بشكل مطلق في كل مكان في كل وقت. إلا أنه بإنهاء حالة إطلاق يد الأسد تلك، يمكن اتخاذ خطوة واحدة إلى الأمام نحو عملية سلام ذات معنى في سوريا. وهذا هو الشرط المسبق لإقناع فلاديمير بوتين وعلى خامنئي بأن إسرائيل ليست الدولة الديمقراطية الوحيدة التي تقف مستعدة للدفاع عن نفسها. لا نتائج جيدة في سوريا “للعالم المتحضر” إذا تُرك المدنيين السوريين بلا أدنى حماية في مرمى نيران نظام الأسد.

اشترك في نشرتنا  English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

دلالات الانتخابات المحلية التونسية

الموضوع المتكرر والأساسي في تحليل نتائج انتخابات البلدية التونسية هو الجدل الذي لا ينتهي بشأن النصف الممتلئ من الكوب والنصف الآخر الفارغ. أجريت أول انتخابات بلدية منذ انطلاق الربيع العربي عام 2011 بطريقة حرة وعادلة وآمنة، لكنها أنتجت نتائج مختلطة: بعضها واعد والبعض الآخر محبط.

مخيم اليرموك: معركة النظام لتأمين جبهته الجنوبية

مخيم اليرموك هو البوابة الجنوبية الأهم لقلب العاصمة دمشق. المخيم هو موقع عسكري استراتيجي للنظام في حال أراد بدء معركته ضد فصائل المعارضة في درعا وما حولها، من أجل بسط سيطرته كاملة من جنوب العاصمة نحو منطقة السيدة زينب

كارثة طبية في الرقة

انتشرت خلال الأسابيع الماضية أمراض معوية، مثل الالتهابات المعوية والاسهال والتهاب الكبد الوبائي، نتيجة تناول مياه غير نظيفة وغير صالحة للاستخدام الآدمي. حيث أن مادة الكلور المستخدمة في عملية تطهير المياه غير متوفرة بكميات كبيرة في الرقة.