التفكير استراتيجياً بشأن الشرق الأوسط

في أسابيعها الأولى، انتقدت إدارة ترامب علانيةً الإرهاب، واعتبرته التهديد الرئيسي للولايات المتحدة، وكذلك أكدت على توجهها المُعادي لإيران. كما أعلنت عن نيتها لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واستعدادها للشراكة مع روسيا ضد تنظيم داعش. ولكن للأسف، تتسم هذه التحركات المتخذة معاً بالتناقض. فإذا كانت الولايات المتحدة بصدد تحقيق تقدم ضد كل من تنظيم داعش وإيران دون تفاقم التحديات التي تواجه مصالحها، فإنه يتوجب عليها أن تُفكر بطريقة أكثر تماسكاً واستراتيجيةً حول تلك التحديات في الشرق الأوسط.

يجب علينا أولاً أن نعترف بأن التهديات التي يشكلها كل من تنظيم داعش وإيران لا تتداخل مع بعضها البعض فحسب، بل إنها ليست التهديدات الرئيسية الوحيدة في الشرق الأوسط؛ فتفشي الاضطرابات في بلدان أخرى، وكذلك الصراعات العنيفة المتكررة بين الفلسطنيين وإسرائيل يمكن أن تُشكل إحدى هذه التهديدات، إلا أن أعظمها هو حملة روسيا لفرض نفسها كشريك على قدم المساواة، إن لم تكن لاعباً مهيمناً في الشرق الأوسط؛ ويتداخل التهديد الروسي مع تلك التهديدات التي يمثلها كل من إيران وتنظيم داعش، لأن إيران هي حليف لروسيا، فالأنشطة الإيرانية–الروسية على حد سواء ترعى الإرهاب من جانبهما، وكذلك تعزز من بقاء تنظيم داعش. وتسعى إيران لتحقيق طموحاتها، بأن تكون قوة عظمى في الشرق الأوسط، عن طريق رعاية ميليشيا حزب الله الشيعية، وتجنيد الحلفاء مثل سوريا، مما دفع برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاتهام إيران بـ”محاولة إيجاد جبهة إرهابية ثانية” ضد إسرائيل في هضبة الجولان؛ كما تُتهم إيران أيضاً بانتهاك قرار الأمم المتحدة بشأن برنامجها الصاروخي. وهو اتهام قد نفته – في حين أنه أصبح من التحدي تفقد برنامجها النووي بدقة.

وتعد مساعي إيران لإخضاع سوريا والعراق إليها من العوامل الرئيسية للتجنيد في تنظيم داعش. وبذلك لا ترعى إيران الإرهاب وفقط، بل إنها تولد الإرهاب السني رداً على سياساتها. وروسيا أيضاً، من أجل استعادة المساواة مع أمريكا كما تطمع، يجب أن تُشكل تحالفاً مع إيران والعراق وسوريا، وأن تفرض نفسها كمحور أو أن تستضيف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطنيين.

وفي الوقت نفسه، تعتبر موسكو أيضاً من ضمن قائمة الدولة الراعية للإرهاب. فبالإضافة إلى تصديرها للإرهابيين إلى سوريا في 2012-2014، تعد موسكو هي المسلح الرئيسي لإيران وحزب الله، وهى لا تعتبر حماس كجماعة إرهابية، بل تعتبرها شريكاً منتخباً بشكل قانوني، والذي يجب أن يشكل كتلة فلسطينية موحدة مع السلطة التنفيذية- ويعد هذا بمثابة خط أحمر واضح لإسرائيل.

وقد كان “تعاون” روسيا في السابق لمكافحة الإرهاب، كما تُسميه، عديم الفائدة تقريباً؛ فقد أعطت المحققين الأمريكيين إجابات غامضة بشأن الأخوين تسارناييف، الذين قاما بارتكاب تفجير ماراثون في مدينة بوسطن، على سبيل المثال. وقد تهاجم روسيا تنظيم داعش أحياناً، ولكن فقط من أجل فصل تركيا عن الغرب، وليس لأنها تريد أن تبدأ القتال ضد التنظيم. ففي الواقع، وبالنسبة للجزء الأكبر، فهي قد امتنعت بشكل واضح عن مهاجمة التنظيم، ولن تفعل ذلك مرة أخرى، بغض النظر عما يقوله الرئيس دونالد ترامب. وفي حين أن التعاون مع إيران هو في أساس سياساتها تجاه الشرق الأوسط، حيث اعتقدت موسكو منذ وقت طويل بأنه من المهم جداً العمل مع إيران، خشية أن تصبح موالية للغرب، وبالتالي تعزل روسيا عن دور كبير في المنطقة؛ فمن الواضح بالفعل أن فرص التعاون مع إدارة دونالد ترامب ستكون محدودة وصعبة، ولا يمكن الاعتماد عليها.

وعلاوة على ذلك، فإن طموح موسكو في مشروع القوة العسكرية في جميع أنحاء شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط يعد بمثابة خطة ماكرة والتي تتقدم بثبات. ولدى روسيا الآن قواعد في سوريا وقبرص، وتسعى لمثلهم في مصر وليبيا، وكذلك تقوض النظام المدعوم من قبل الأمم المتحدة بدعمها للقائد العسكري الليبي خليفة حفتر. بينما قد أضافت غاراتها الجوية في سوريا عمداً إلى عبء اللاجئين مما يهدد الاستقرار الأوروبي، في حين ستوفر قواعدها وسيلة لقذف الناتو من شرق البحر الأبيض المتوسط، التي سوف تصبح منطقة لمكافحة الوصول.

وأخيراً، يكسب الوجود العسكري روسيا نفوذاً من حيث إمدادات الغاز إلى أوروبا، لأن موردي الشرق الأوسط لابد وأن يحسبوا لتهديد الجيش الروسي حساباً، وذلك بالإضافة إلى الضغط الاقتصادي والسياسي ضدهم، وربما جنباً إلى جنب مع إيران. وبالتالي تهدف سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط إلى تقويض ليس فقط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولكن أيضاً المصالح والتحالفات الأوروبية معها. وسيسهم هذا ليس فقط في نظام إقليمي جديد، ولكن كذلك في زعزعة استقرار نظام الولايات المتحدة القائم.

ولحسن الحظ، تمتلك الولايات المتحدة الوسائل لمواجهة هذه التحديات. فبالإضافة إلى القدرات الهائلة الخاصة بها، لديها حسن حظ عظيم في وجود تحالف متنامي ومزدهر، وإن كان لا يزال ضمنياً بين إسرئيل والدول العربية السنية كالأردن والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات. وعلى الرغم من أن هذا التحالف يكون معادياً لإيران وللشيعة، إلا أن الولايات المتحدة في الوقت ذاته تلعب دوراً قيادياً في إعادة بناء الحكومة العراقية من خلال حملتها هناك ضد تنظيم داعش. ويقيد هذا التحالف والدعم للعراق بل ويكبح جماح المحور الإيراني–الروسي للدول الشيعية والموالية للإرهاب، حتى وإن لم يعد لدينا بديلاً لبشار الأسد في سوريا. فإذا استمر بشكل صحيح، مع دعم مترابط من قبل الولايات المتحدة، فإنه يمكن لهذا التحالف هزيمة تنظيم داعش، وقطع الطريق أمام النفوذ الروسي، والمساعدة في الحفاظ على التزام تركيا، بأن تكون أكثر ميلاً نحو الموالاة للغرب، وبالتالي إحباط هدف روسيا الرئيس المتمثل في تحييد تركيا كلاعب موالي للغرب.

ولكن من أجل تنفيذ هذه الاستراتيجية، يجب على الولايات المتحدة أن تشجع إسرائيل والفلسطينيين على التفاوض دون شروط مسبقة، وتجنب تبادل الاتهامات الذي انتشر في فترة أوباما. فلن تتفاوض أي حكومة إسرائيلية بشأن أمن إسرائيل دون الثقة في أن واشنطن تدعمها بالفعل، وهذا أمر قد فشل الرئيس باراك أوباما بوضوح في فهمه. وبالمثل، يجب على السلطة الفلسطينية نبذ الأوهام حول تدويل القضايا مع إسرائيل، وأن تركز على جعل التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بمثابة القوة الوحيدة التي يمكن أن تضمن أي نوع من المستقبل السياسي الفلسطيني.

ومن جانبنا، يعني هذا أيضاً تجنب التحركات الرمزية والمرضية عاطفياً، لكنها خاطئة استراتيجياً مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس من جانب واحد. فلن تمزق هذه الخطوة التحالف السني–الإسرائيلي فحسب، ولكنها ستثير انتفاضة أخرى، وهذا بمثابة الشئ الوحيد الذي ربما يجعل الدول العربية السنية تتحرك للاصطفاف ضد إسرائيل، ويدفع بها نحو إيران، مما يتيح أمام موسكو، بلا حدود، ثغرات أكثر، والتي تتمكن من خلالها كسر تحالفتنا والتقدم العكسي نحو السلام. فنقل السفارة ليس من الأولويات الإسرائيلية، ولكنه يقوض مصالح الولايات المتحدة وأمن إسرائيل، ما لم يكن ذلك جزءاً من عملية سياسية أكبر.

وهكذا يمكن لواشنطن في نهاية المطاف أن تحتوي وتقلل التهديدات التي يشكلها تنظيم داعش وإيران، وحليفتها روسيا، وذلك من خلال الجمع بحكمة بين قوتها العسكرية وبين دبلوماسيتها الفطنة. ولكن من أجل فهم آفاق القيام بذلك، فإنه يجب على واشنطن أن تفكر بطريقة استراتيجية وأن تدرك أن التحركات المتناقضة واستخدام القوة من دون تفاهم سياسي لا يفسح المجال أمام أعدائنا ويعرض أصدقائنا للخطر فحسب، بل يعني أيضاً وضع الأمريكيين في خطر هنا وكذلك في الشرق الأوسط.

Read in English

ستيفن بلانك

كبير باحثين في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط