ما وراء الأمن: تحديات تواجهها الدولة العراقية

ما وراء الأمن: تحديات تواجهها الدولة العراقية

اشترك في نشرتنا

في الأيام الأخيرة شهد العراق موجة من المظاهرات الشعبية اعتراضاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، من قبيل ارتفاع معدل البطالة وتردي الخدمات الحكومية. اندلاع هذه المظاهرات في هذا الوقت يلقى الضوء على عمق الأزمة التي تشهدها الدولة العراقية منذ سنوات، هذه الأزمة تتعدى حدود المشكلة الأمنية التي يواجهها العراق منذ سنوات. في هذا السياق، وتحت عنوان “ما وراء الأمن: تحديات الاستقرار والحوكمة والتحديات الاجتماعية-الاقتصادية في العراق” نشر المجلس الاطلنطي تقريره عن أهم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية. في هذا التقرير يتناول د. حارث حسن، كاتب التقرير، التحديات الاجتماعية-الاقتصادية وقضايا إدارة الدولة في عراق اليوم. وفيما يلي ملخص أهم ما جاء في التقرير.

تزداد الأزمة الاجتماعية-الاقتصادية في العراق عمقاً بسبب سنوات طويلة من الحروب الخارجية والداخلية وعدم الاستقرار وتراجع أسعار النفط، بالإضافة إلى استشراء الفساد والمحسوبية والزبائنية وغياب الكفاءة. إذا لم يتم إجراء اصلاحات بنيوية رئيسية، فإن هذه الأزمة ستنعكس على الاستقرار السياسي وعلى علاقة الدولة بالمجتمع في العراق.

في العراق، أحد الإشكاليات الرئيسية هي أن الدولة غادرت دورها السابق كمؤسسة مسؤولة عن تنمية وتحديث المجتمع (وهي الأيديولوجيا التي هيمنت على فهم دور الدولة على الأقل منذ منتصف القرن العشرين)، وأصبحت الدولة العراقية ومؤسساتها، تحديداً بعد عام 2003، مرتعاً لسياسات الهوية وتمثيل الآثنيات والطوائف. لم تعد الدولة مكلفة بمسؤولية رعاية تقدم المجتمع، لأنه لم يعد هنالك معنى للتقدم أصلاً (أو أن الفهم الاستهلاكي للتقدم هو الذي صار سائداً). صارت الدولة العراقية فضاءً تتمثل فيه هويات وصراعات الآثنيات والطوائف. أحد نتائج ذلك، هو وجود قطاع عام متضخم لا حاجة حقيقية له سوى توفير فرص زبائنية للقوى الحزبية المتنفذة في كل جماعة أثنية وطائفية. وصار التعيين في الجهاز البيروقراطي الحكومي مكافأة على الولاء أو لتوسيع شبكات المحسوبية لتلك الأطراف، بدلاً من أن يستند التعيين على الكفاءة الفعلية والإمكانيات والحاجة الحقيقية للوظيفة.

عمّق ذلك من فشل الدولة وقدرتها على إدارة الحاجات الاجتماعية. وأمام ضعف القطاع الخاص وهيمنة الاقتصاد غير الرسمي، صارت الوظيفة الحكومية هي الضمان الوحيد الذي يتطلع له المواطنون، وتحديداً الشباب، خصوصاً أنها تأتي غالباً غير مقرونة بواجبات ومسؤوليات كبيرة وتوفر تقاعداً مريحاً نسبياً. وهذا الاقبال على الوظيفة الحكومية تنامى مع التآكل التدريجي لقطاع الزراعة، بسبب شح المياه والإهمال وهيمنة الريع النفطي. هذا أيضا أدى إلى اضعاف قطاع الصناعة بسبب غياب الكفاءة والبنية التحتية اللازمة لها، وصارت العمل في الجهاز البيروقراطي الحكومي هو الملجأ الأساسي للعراقيين الباحثين عن عمل وتأمين مستقبلهم.  

يضاف إلى ذلك، النمو الديموغرافي الكبير بسبب غياب سياسات تنظيم الاسرة (غالباً لأسباب أيديولوجية وثقافية)، وفي مجتمع يسجل أحد أعلى معدلات النمو السكاني في العالم، فإن نسبة الشباب في تصاعد سريع، في الوقت الذي لا تتوافر فرص اقتصادية لاستيعابهم، مما يعمق من السخط لديهم ويدفعهم إلى تبني خيارات راديكالية.

أدى الفساد وعدم الكفاءة والإدارة المافيوية للموارد وغياب الفصل بين الرسمي وغير الرسمي إلى إهدار موارد هائلة كان يمكنها أن تمنع تفاقم الأزمة، وتُساعد في مواجهة قضايا ذات أثر بعيد المدى مثل شح المياه والتغير المناخي (يمكن القول أن جنوب العراق يفقد أهليته كمكان ملائم للاستيطان البشري). فضلاً عن قضايا أبسط مثل الكهرباء وتحسين قطاع النقل وتطوير الإدارة الالكترونية وتنظيم الفضاء الحضري (العراق قد يكون واحد من بلدان قليلة تفتقر لنظام بريدي بأدنى حد من الكفاءة). لابد من القول أيضاً، أن الثقافة المجتمعية أسهمت في تعميق بعض هذه الأزمات، كما هو الحال مع تدمير ما تبقى من مناطق خضراء وسوء استخدام الموارد المائية ومقاومة تنظيم استهلاك الكهرباء.

إن العراق يراوح بين النموذج التشافيزي (دولة المعونات والمنح الغارقة في الفقر) وبين نموذج بعض دول أمريكا الوسطى، حيث الدول الهشة التي تتنازعها المافيات والعصابات، والعنف هو نشاط رئيسي لانتزاع الريع.

بدون إعادة نظر جوهرية في دور الدولة ووظيفتها وإعادة هيكلتها، بما في ذلك إعادة تنظيم علاقتها بالمجتمع، فمن المتوقع أن تتفاقم الأزمات التي تواجهها الدولة العراقية أكثر، خصوصاً ان الطلب الاجتماعي بات – مع تراجع أسعار النفط ونتيجة للنمو الديموغرافي غير المنظم والانهيار البيئي وما يصاحبه من هجرة – يتجاوز قدرة الدولة ومؤسساتها على تلبيته. والاحتمال الراجح، أنه مع تنامي السخط الاجتماعي والنزعات الراديكالية تصبح الدولة أكثر عنفاً وميلاً للقمع، وبالتالي انغلاقا على نفسها وعلى الفئات المسيطرة عليها، مما يعمق من أزمة الشرعية لديها، وهو ما رأينا بعض مظاهره في أحداث الأيام الأخيرة. ولكن في نفس الوقت، فإن هشاشة هذه الدولة وعدم احتكارها للعنف الشرعي، قد يفضي إلى حال لا يقل خطورة، أي مزيد من التشرذم الداخلي والصراع بين الجماعات المنغلقة (ميليشيات، عشائر، منظمات إجرامية)، بشكل يدمر ما تبقى من الفضاء العام وإمكانية الإصلاح.

ليس المخرج في التخلي عن دور الدولة كما يدّعي دعاة الليبرالية الاقتصادية، لأن ذلك غير ممكن في بلد ريعي تسيطر الدولة – نظرياً على الأقل – على معظم موارده، بل في إعادة انتاج فكرة الدولة التنموية ولكن بعد تحريرها من الشعبوية ونماذج الاقتصاد المركزي، ومن السياسات الغنائمية المستندة على الهوية والحزبية.

اشترك في نشرتنا Full Report

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

السعودية: ضرورة مراجعة الروابط الآن

التقارير التي أعلنت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشجقي أضاف المزيد من الثقل والإلحاح لشيء كان قد أوصى به كاتب المقال منذ أسابيع مضت.

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.