كيف يمكن أن تقود الإصلاحات القانونية التغيير الاجتماعي لتمكين المرأة في تونس

كيف يمكن أن تقود الإصلاحات القانونية التغيير الاجتماعي لتمكين المرأة في تونس

اشترك في نشرتنا 

أندريا تايلور وإليسا ميلر

بينما النساء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما يزلن يعانين من تحديات كبيرة، إلا أنه من الجدير بالذكر الإشارة إلى التقدم الأخير الذي حدث في يوم المرأة العالمي. فلقد أخذت العديد من دول الشرق الأوسط خطوات جديدة لمنح بعض الحقوق لمواطناتهم، وذلك بتحديد نظام الكوتة النسائية في الهيئات التشريعية، كما ارتفع تمثيل المرأة في البرلمان الجزائري والمغربي والتونسي منذ العام 2011. في العام المنصرم، قام المشرعون في كل من تونس والأردن ولبنان بإلغاء نص في قانون العقوبات يسمح للمغتصب أن يعفى من العقوبة إذا ما قام بالزواج من ضحيته. حتى أن المملكة العربية السعودية قد انضمت إلى القافلة وأصدرت أمراً ملكيا في سبتمبر/أيلول 2017 يسمح للمرأة بقيادة السيارة.

تونس، بالأخص، قد أحدثت إصلاحات تشريعية هامة فيما يتعلق بحقوق المرأة، ففي يونيو/حزيران 2017، قام البرلمان التونسي بتمرير تشريع هام يجرم العنف المنزلي ضد المرأة، بعدها بشهرين، قام الرئيس باجي قائد السبسي بإلغاء قانون يحظر على المرأة المسلمة الزواج بغير مسلم. كما يتوقع الكثير أن مسودة التشريعات الجديدة ستمكن المرأة من الحصول على نصيب مساو للرجل في الميراث مما سيضع تونس في مصاف الدول الرائدة في حقوق المرأة على مستوى العالم العربي. إلا أنه لا يوجد دعم كبير لمشروع قانون المساواة في الميراث. يمكن للإصلاحات التي تقودها الدولة أن تلعب دوراً هاماً في دعم حق المساواة للمرأة، إلا أنه من المهم الوضع في الاعتبار أن هذه الإصلاحات تحدث في إطار كبير من الجدل حول الهوية الدينية والعلمانية للدولة. في هذه البيئة، فإن التغيير الثوري يحتاج إلى جهد طويل الأمد – جهد في الإطار المجتمعي كما هو على المستوى التشريعي – للتعامل مع ثقافة عدم المساواة المتجذرة على المستوى المجتمعي.

ينص دستور تونس لسنة 2014 على المساواة كحق للمرأة، والتشريعات التي تجرم العنف المنزلي ومحو الثغرة في قانون الاغتصاب (ألا وهي زواج المغتصب من الضحية) منصوص عليها في المادة رقم 21 من الدستور، والتي تمنح المرأة المساواة في الحقوق والحماية في ظل القانون بصيغ متقاربة من النصوص الدستورية للدول الديمقراطية في العالم. إلا أن المادة 46 تخطو خطوة أكبر مما هو مؤسس في ديمقراطيات عدة، حيث تلتزم بترويج وتطوير حقوق المرأة، لتتضمن “ضمانة للتساوي في الفرص” وتهدف إلى “تحقيق تمثيل متساو في المجالس المنتخبة”. والتزاما بهذا التعهد، فإن النساء بالفعل قد تم تمثيلهم بشكل أفضل في البرلمان التونسي، حيث وصلت النسبة إلى 31 بالمئة، وهي نسبة تتخطى النسب الموجودة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا. ربما تكون القضية الأهم، هو أن تمثيل المرأة في تونس قد تجاوز نسبة الـ 31% في اللجان الاقتصادية والعلاقات الدولية، ووصلت إلى نسبة 34% في لجان السلطة، والتي يمكن أن توصف بأنها اللجان التشريعية الأكثر تأثيراً. مقارنة بالولايات المتحدة، فإن النساء في الولايات المتحدة لا تتجاوز نسبتهن الـ 14% من عضوية لجان العلاقات الدولية وأقل من 23% في لجان القوات المسلحة. الكثير من المراقبين يرون في تونس “الريادة” فيما يتعلق بحقوق المرأة في المنطقة بسبب هذا التقدم.

على الرغم من كل ما سبق، إلا أن المضي قدما نحو حق المساواة للمرأة يواجه عدة تحديات؛ على سبيل المثال قانون الميراث التونسي، منذ تفعيل دستور 2014، قامت بعض صانعات القرار، إلى جانب مجموعات عديدة، بالتحذير من قانون الميراث بوصفه التحدي الأكبر  لأنه “يمس طبيعة المجتمع التونسي”. أعلن الرئيس السبسي عن خطط لمراجعة قانون المواريث في اليوم القومي للمرأة في أغسطس/آب 2017، مما دفع النساء والرجال على حد سواء أن يتحدثوا علانية عن جانبي القضية. بينما دعم ديوان الإفتاء، وهو أعلى مؤسسة دينية في تونس، الإصلاحات، إلا أن المؤسسة السنية الأكبر، ألا وهي الأزهر، رفضتها بشكل قطعي بوصفها مناقضة للقرآن. شارك أعضاء حزب النهضة، وهو الحزب الإسلامي الأكبر المعارض، في إلقاء الاتهامات بأن القانون المقترح يعكس أجندة أجنبية لتشتيت الانتباه عن القضايا الأهم التي تواجه البلاد، مثل البطالة والاقتصاد المنهك. والتزاماً بتعهد السبسي في أغسطس/آب 2017، فإن مقترحات إصلاح قانون المواريث جاهزة الآن، لكن تقديمها قد تم تأجيله عقب الانتخابات البلدية في مايو/آيار. علاوة على ذلك، فإن التغيير التشريعي لن يكون العقبة الوحيدة في طريق الإصلاح الملموس.

قام المعهد الجمهوري الدولي بإجراء استطلاع رأي يسبر غور الرأي العام في تونس فيما يتعلق بقوانين المساواة. بشكل عام، قال 78% من المشاركين (من الرجال والنساء من مختلف الأعمار) بأنهم يعتقدون أن الحكومة تدعم سياسات وبرامج لدعم حقوق المرأة في تونس، إلا الجميع لا يدعمون هذه السياسات، على سبيل المثال، هناك نسبة 65% من المشاركين عارضوا بقوة قرار السبسي في حق زواج المرأة المسلمة بغير المسلم. كما أن نتائج استطلاع الرأي تقول بإن التشريعات الجديدة وحدها فيما يتعلق بهذه القضايا الاجتماعية المتوارثة لا تكفي لتغيير أعراف المجتمع فيما يتصل بالمساواة بين الجنسين.

أما الآراء بشأن تعديل قانون المواريث فكانت مستقطبة بشكل خاص، حيث أن هناك 36% من المشاركين قالوا بأنهم يعارضون بقوة دعاوى السبسي لمساواة المرأة في الميراث، بينما 25% من المشاركين عبروا عن دعم كامل لهذا التشريع. الجدير بالذكر أن الفئة العمرية ما بين 18 إلى 34 سنة كانوا الفئة الأكثر معارضة للتشريع المقترح، من بين الـ 65% من المعارضين. هذه الفئة العمرية يتضمنها الطرف الرابح والطرف الخاسر من هذا التشريع – حيث الرجال هم الطرف الخاسر من التشريع بتحقيق المساواة في الميراث والنساء الشابات اللاتي من المفترض أنهن الطرف الرابح.

تعكس نتائج استطلاع الرأي جدلاً أوسع يجري في تونس حول هوية البلاد. فبينما من السهل أن تقرر الفصل بين الدين والعلمانية في تونس، فإنه من المهم للبلاد، عقب سبع سنوات مما يسمى بالربيع العربي، أن تستمر في تحولها الديمقراطي. يعرف دستور 2014 تونس بوصفها دولة مدنية. إلا أن النظام التشريعي يتضمن قوانين مدنية ودينية، ومن الواضح أن العديد من المعاهد الإسلامية ترفض قانون المواريث المقترح على خلفيات دينية.

إن تجربة حزب النهضة الإسلامي تشير إلى الشد والجذب بين الدين والعلمانية في السياسة التونسية. في عام 2016، أعلن الحزب أنه سيفصل الإسلام عن السياسة، مؤكده أنه “لا يوجد أي تبرير لوجود الإسلام السياسي في تونس”. منذ عام 2011، قام حزب النهضة باستعراض نهج سياسي يقدم حلولاً وسط للاستمرار على حساب الدعم الشعبي.

“النسوية المدعومة من الدولة” ليست ظاهرة جديدة في تونس وتحمل معها العديد من التحديات الكبرى. في الواقع، كان هناك العديد من الانتقادات للرئيس الحبيب بورقيبة بسبب إصلاحات مشابهة قامت بخنق، بدلاً من دعم، شعبية الحركة النسوية. ويظن البعض أن التعديلات المقترحة من قبل السبسي تهدف إلى تلطيف الوضع الاجتماعي، خاصة قبل انتخابات البلدية هذا العام والانتخابات الرئاسية عام 2019. إضافة إلى ذلك، فإن النسوية بقيادة الدولة تثير تساؤلات حول الإرادة السياسية والتمكين التشريعي. فالتشريعات الجديدة لتجريم العنف ضد المرأة، على سبيل المثال، ستتطلب تمويلاً كبيرا حتى يتم تفعيلها بشكل كامل. مما لا شك فيه، إن التشريعات التقدمية في الكتب لن يكون لها التأثير المرجو بدون تطبيق في كل أنحاء تونس. هذا بخلاف أن مبادرات الإصلاح التي تأتي من القادة السياسيين التونسيين ستحتاج إلى أن تقابل بتوعية ونقاش مستمرين مع المجتمع.

من المؤكد أن الإصلاحات التشريعية خطوة هامة نحو تحقيق حق المساواة في تونس، فالإصلاح من أعلى لأسفل يمكن أن يكون خطوة أولى، إلا أن التغير المجتمعي التابع لهذه التشريعات أمر غير مضمون. لذا، إن الإصلاحات الأخيرة بشأن حقوق المرأة يجب أن تقابل بتفاؤل حذر وجهد حثيث في الحوار مع كل عناصر المجتمع – نساءً ورجالاً – بشكل يتناسب مع أهمية هذا الإصلاح. بلا شك، فإن هذه الإصلاحات تقدم للمجتمع المدني التونسي فرصة وزخم للانخراط في المجتمع التونسي بشكل كامل من أجل إحراز المزيد من حقوق المرأة في منطقة طالما وجه لها الانتقاد بسبب غياب المساواة فيها.

اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

دلالات الانتخابات المحلية التونسية

الموضوع المتكرر والأساسي في تحليل نتائج انتخابات البلدية التونسية هو الجدل الذي لا ينتهي بشأن النصف الممتلئ من الكوب والنصف الآخر الفارغ. أجريت أول انتخابات بلدية منذ انطلاق الربيع العربي عام 2011 بطريقة حرة وعادلة وآمنة، لكنها أنتجت نتائج مختلطة: بعضها واعد والبعض الآخر محبط.

مخيم اليرموك: معركة النظام لتأمين جبهته الجنوبية

مخيم اليرموك هو البوابة الجنوبية الأهم لقلب العاصمة دمشق. المخيم هو موقع عسكري استراتيجي للنظام في حال أراد بدء معركته ضد فصائل المعارضة في درعا وما حولها، من أجل بسط سيطرته كاملة من جنوب العاصمة نحو منطقة السيدة زينب

كارثة طبية في الرقة

انتشرت خلال الأسابيع الماضية أمراض معوية، مثل الالتهابات المعوية والاسهال والتهاب الكبد الوبائي، نتيجة تناول مياه غير نظيفة وغير صالحة للاستخدام الآدمي. حيث أن مادة الكلور المستخدمة في عملية تطهير المياه غير متوفرة بكميات كبيرة في الرقة.