اقتصاد الحصار والحرب في الغوطة الشرقية

أحد المقاتلين خارجاً من أحد الأنفاق بين عين ترما وجوبر، 5 أبريل 2015. صورة من رويترز.

بعد ما يقارب العامين والنصف من الحصار المستمر على الغوطة الشرقية، وجب الاجابة على سؤال: كيف يمكن لسكان منطقة محاصرة أن يستمروا بالعيش على مدى عامين دون توفر اي مقومات للحياة؟ أي الغذاء والماء والكهرباء والمحروقات، ارتفعت الأسعار واستغل التجار والفصائل العسكرية المعارضة الوضع للاستفادة ماليا من الحصار، كما تؤمّن الفصائل العسكرية أحسن وأهم المواد لعناصرها، في حين تحاول المنظمات والمجالس المحلية توفير الحاجات الأساسية للمدنيين.

تحتوي الغوطة الشرقية على منطقة كبيرة خارج مدينة دمشق، وطبقا لموقع مراقبة الحصار هناك أماكن كثيرة في الغوطة الشرقية تم تطبيق حصار عليها. تعتبر الغوطة الشرقية رئة مدينة دمشق، إضافة إلى أنها المورد الاساسي للخضراوات والمنتجات الحيوانية، إن وجود أرض زراعية كان له دور كبير في سد حاجات السكان، خصوصا أن الغالبية العظمى منهم فلاحون، ولديهم الخبرة الكبيرة في الاعمال الزراعية. 

لكن الأرض الخصبة والأيدي العاملة لم تعد كافية للحصول على المنتجات الزراعية، إذ أن الفلاح في حاجة إلى الوقود ليقوم بعملية الري، وهنا يبدأ بيت القصيد، استطاع النظام من خلال الحصار المطبق على الغوطة الشرقية من منع وصول الوقود بكافة أنواعه إلى المنطقة، واقتصر وجود الوقود على ما يتم تهريبه من مدينة دمشق، أو ما يستطيع التجار المتعاونون مع النظام نقله إلى الغوطة، حيث كان يباع بأسعار تعتبر خيالية، وصلت عام 2014 الى 16 دولار أمريكي، قبل نزول الأسعار مؤخرا لأربعة دولارات، في الوقت الذي كان يباع في مدينة دمشق بنصف دولار أمريكي فقط.

محي الدين المنفوش (أبو أيمن) من أبرز الأسماء الواردة كتجار متعاونين مع النظام، والذين لهم دور في ادخال الكثير من المواد الغذائية والوقود إلى الغوطة الشرقية. هو تاجر من مدينة مسرابا المحازية لدوما، وهو يمتلك مصنعا للأجبان والألبان فيها، ويغذي دمشق عن طريق علاقات خاصة مع المسؤولين في النظام، الذين يفتحون له حاجز إدراة المركبات المحازي لمدينة حرستا، ليقوم بإدخال بعض ما تحتاج إليه الغوطة الشرقية، ويقوم هو بالبيع بأسعار أعلى بعشرين ضعف في بعض الأحيان، ويستخدم المنفوش أمواله ليكسب احترام الناس، فيقوم مثلا بدفع رواتب المعلمين والإداريين في عدة مناطق في الغوطة. وتتم حماية منشأة المنفوش من قبل كتيبة خاصة، ويعمل في المنشأة ما يقارب 1500 شخص، لينتجوا ما يلزم دمشق من مشتقات الأجبان والألبان، واستطاع أن يطور مصنعه ليقوم بإنتاج المعلبات والمخبوزات، التي تُباع في كل من الغوطة ودمشق. 

الكتائب العسكرية للجيش الحر لها دور في الحصار أيضا، حيث حفرت أنفاق من الغوطة الشرقية إلى كل من برزة والقابون، حيث يتواصل بعض التجار على طرفي النفق، ويرسلون الطلبيات واستلامها، وعلى الكتائب تمرير البضاعة مقابلة نسبة مئوية من قيمة البضاعة، تختلف حسب نوع البضاعة التي يتم تمريرها.

استطاع بعض السكان ابتكار طريقة لإنتاج الوقود، من خلال إعادة تدوير البلاستيك من مخلفات الركام الذي يخلفه القصف أو الاشتباكات، متجاهلين الآثار البيئية الخطيرة على الحيوانات التي هي مصدر غذائهم ورزقهم الاساسيان، ليبيعوا منتجاتهم بأسعار تنافس سعر الوقود المهرّب عن طريق الأنفاق أو طريق حاجز إدارة المركبات. ولكن في الوقت الحاضر فإن إعادة تدوير البلاستيك لم تعد لازمة، لأن سعر الوقود أصبح رخيص الى درجة يماثل سعره في مدينة دمشق، مع زيادة بسيطة في السعر فقط، ويقول السكان إن الفضل في هذا إلى التجار مثل محي الدين المنفوش.

من الجدير بالذكر ان من يُرِد الخروج من الغوطة الشرقية لديه طريق واحد فقط وهو الأنفاق، التي تصل إلى القابون وبرزة، وهو ما يكلف 1500 دولار أمريكي للشخص الواحد عند كتابة هذا المقال، بالإضافة إلى ذلك لا تسمح الكتائب العسكرية لأي أحد من الكادر الطبي سواء كان طبيبا أو ممرضا أو صيدلانيا من الخروج من الغوطة حتى وإن وقع على تعهد بالعودة خلال فترة زمنية محددة.

من خلال مقارنة أسعار المواد الغذائية بين مدينة دمشق والغوطة الشرقية نلاحظ فارق في الأسعار، لكن لم يعد هائلأ كما كان الحال في عامي 2013 و2014، لكن عدم وجود فرص عمل حقيقية يصعب المهمة على السكان، الذين فقدوا اغلبهم منازلهم بسبب القصف المستمر من طيران النظام، ومن ثم فإن عليهم دفع إيجارات لمساكن جديدة. وما يعتبر نادراً فعليا هو المواد الطبية اللازمة للمشافي ونقاط الإسعاف، فقد تم إيقاف آخر مركز لغسيل الكلى مثلا في الغوطة الشرقية أوائل فبراير/شباط 2016، وتم توثيق أول حالة وفاة بسبب الفشل الكلوي بتاريخ 6 فبراير/شباط الماضي.

تطلبت كل هذه الاسباب الواردة من المجالس المحلية في الغوطة الشرقية العمل على إيجاد حلول، منذ أواسط عام 2013 بدأت المجالس المحلية في التواصل مع المؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية العربية والدولية، فعملت في الغوطة الشرقية على تنفيذ العديد من المشاريع، التي تتعلق بالزراعة، إضافةً إلى دعم المجتمع المحلي بالعديد من المشاريع التنموية، التي من شأنها أن تساعد السكان على ما يقارب الاكتفاء الذاتي، حيث نشطت المشاريع الزراعية في أغلب المناطق، لتستفيد من المنح المقدمة من المؤسسات الدولية.

تعاني المجالس المحلية الكثير من الصعوبات، في تأمين ما يلزم من المواد اللازمة للقيام بأنشطتها. ومن خلال التواصل مع رئيس المكتب الاغاثي في أحد المجال المحلية، والذي طلب عدم ذكر اسمه أو المجلس لأسباب أمنية قال:

“نعيش على ما يتحنن علينا به أمراء الأنفاق، وما يدخله المنفوش عبر المعبر. الأسعار متغيرة دائما، وهذا ما نعانيه بالتعامل مع المنظمات المانحة التي تطلب دراسة مالية لأي مشروع نود القيام به، وغالبا فإن الأسعار تزداد بعد الموافقة أو بعد وصول المنحة. عملنا ونعمل مع المجتمع المحلي على توفير ما يلزم المزارعين من أدوات وطاقة، للعودة إلى عملهم وإنتاج ما يلزم من المواد الغذائية كالخضار والحبوب، التي من الممكن أن تساعد في سد رمق الناس، لكن ليس كل سكان الغوطة يملكون أراضي لزراعتها، والنقص في عدد الشباب وعدم تضمين تعويضات للعمال في أغلب المنح يخفض الانتاجية العاملة الى أقل مستوى.” 

 تحوي أرض الغوطة ما يكفي ويفيض من المياه، ولكنها من أخطر المشاكل التي تواجه الغوطة، بسبب ما تحويه المياه من مكروبات وجراثيم وفيروسات، بسبب اختلاط مياه الصرف الصحي مع المياه الجوفية، ما يؤدي إلى التهاب الامعاء والاسهال والمشاكل الكلوية، مما سبب عدد من الوفيات من الاطفال والرضع. وهناك مشاريع تسد بعض الحاجات من المياه النقية، التي عمل على إيجادها مجلس محافظة ريف دمشق الحر مع البرنامج سوريا الاقليمي SRP الممول من قبل الوكالة الامريكية للتنيمة الدولية USAID، فاستطاع المشروع أن يؤمن مياه شرب نقية تكفي 200 ألف انسان فقط بأسعار زهيدة. 

ورغم أن هناك هدنة سارية، فإن النظام ما زال يمنع دخول المساعدة الغذائية والطبية إلى بعض المناطق، ما يعني أن الصراع لتأمين الحاجات الأساسية سيستمر. استطاعت المجالس المحلية ومجلس المحافظة أن تركز جهودها على العمل المؤسساتي والسياسي، لمكافحة سلطة النظام ومحاولات القوى العسكرية في الغوطة للتدخل في شؤون المدينة والسيطرة على المواد، وهو ظاهرة انعكست في الانتخابات الأخيرة في المجلس المحلي لمدينة دوما، حيث نلاحظ الدعم الشعبي للمجالس المحلية، من خلال المظاهرات التي خرجت ضد جيش الاسلام في مسرابا، احتجاجا على اعتقال جيش الاسلام اعضاء المجلس المحلي لمدينة مسرابا.

Read it in English

يوسف صداقي

مساعد باحث في مركز أورينت للأبحاث، وعمل سابقاً في عدد من منظمات التنمية السورية والدولية في سوريا وجنوب تركيا.