الصراع الجانبي في الطريق نحو تحرير الرقة

ازدادت تصريحات المسؤولين الأمريكيين، حول إمكانية زيادة التواجد العسكري الأمريكي في سوريا، المتضمن زيادة في قوات العمليات الخاصة والطائرات الهجومية والإمداد للقوات المحلية المهاجمة، وذلك مع اقتراب المعارك من محيط مدينة الرقة العاصمة الرئيسية لتنظيم داعش، حيث تواردت التقارير عن وصول ٤٠٠ عنصر من مشاة البحرية الأمريكية “المارينز” إلى سوريا مطلع الأسبوع الماضي، لدعم قوات سوريا الديمقراطية في معركة استعادة مدينة الرقة – معقل تنظيم داعش في سوريا.

إلا أنّ التخوف الأمريكي من إمكانية زج قواته في مستنقع لا يعلم مدى عمق قاعه، يجعل فكرة زيادة تلك القوات على هيئة مدربيين وخبراء عسكريين، يقدمون الدعم للقوات المهاجمة والمتمثلة في قوات سوريا الديمقراطية إضافة لعدد من الفصائل العربية في المنطقة، أكثر حكمة من ارسال عناصر المارينز إلى خطوط الهجوم المتقدمة، حيث يحاول التنظيم ومن خلال انسحاباته المتكررة من أرياف الرقة وريف حلب الشرقي إلى جر المعركة نحو مدينة الرقة، وتحويلها إلى حرب شوارع يبرع الأخير في اتقانها، وتغير أوراق اللعب، الأمر الذي يجبر الولايات المتحدة على اتباع استراتيجية القصف للأحياء المكتظة بالسكان، إذ منع التنظيم خروج المدنيين من الرقة منذ قرابة التسعة أشهر، في محاولة لاتخاذهم كدروع بشرية في حال الهجوم على المدينة، إضافة لحفر الأنفاق حول المدينة وتفخيخها، وبناء القساطل الحجرية وملئها بالنفط الخام لحرقه، وتشكيل سحابة دخانية فوق المدينة، قد تكون وسيلة في تحيد طيران التحالف الدولي، والذي يعتبر سلاحاً أساسياً في المعركة الدائرة ضد التنظيم.

هذا وقد تلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ٢٧ فبراير/شباط الماضي، الخطة التي أعدها البنتاغون للهجوم على مدينة الرقة المعقل الرئيسي للتنظيم.

إلا أنّ الصراع المحتدم بين عدة قوى دولية ومحلية في المنطقة، حتم على القوات الأمريكية الموجودة على الأرض، تغير خطتها الأولية في سبيل تجنب أي احتكاك مع قوات درع الفرات المدعومة تركياً، والتي تتخذ من تنظيم داعش والقوات الكردية المشاركة في المعركة ضده عدواً مشتركاً يجب قتاله، لتجد الولايات المتحدة نفسها إلى جانب القوات الروسية وقوات النظام السوري في مدينة منبج في ريف حلب الشرقي.

وتشكل مدينة منبج – ريف حلب الشرقي- حالياً خطراً، يهدد سير المعركة ضد تنظيم داعش، فاتحة الباب أمام احتمالية نشوب معارك جانبية بين القوى المهاجمة، المتمثلة في مليشيا قوات سوريا الديمقراطية والتي تشكل قوات حماية الشعب الكردية الذراع الأساسي لها، مدعومة بقوات النظام السوري والقوات الروسية، والطرف الأخر الممثل بقوات درع الفرات المدعومة تركياً، والتي تتخذ من القوات الكردية عدواً يهدد وجودها، ما ينذر بوقوع القوات الأمريكية بمستنقع قد يطول أمده، متحولة من قوات عسكرية دخلت بمهمة قتالية، إلى قوات فض نزاع بين القوى المتصارعة.

لتكون إدارة ترامب أمام خيارين صعبين، أولهما خسارة القوات الكردية ومليشيا قوات سوريا الديمقراطية، والتي تعد ركيزة أساسية في المعركة الدائرة في محيط الرقة، أو خسارة تركيا كحليف وشريك إقليمي يتمتع بوزن كبير في الشرق الأوسط، في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، والتعامل مع مظالم العرب والسُنة في العراق وسوريا، فلا تشكل هزيمة تنظيم داعش النصر المطلق لإدارة الرئيس ترامب في حال خسارة تركيا كشريك مهم، مما يطلق العنان لإيران للعب دورٍ أكبر في المنطقة، في ظل ما تعقده عن طريق نظام الأسد من اتفاقيات مع القوات الكردية في الشمال السوري، وسيطرتها على معظم المحافظات العراقية ذات الأغلبية الشيعية.

وفي الوقت الذي وجّه قرار ترامب بتعديل القيود المفروضة من قبل إدارة الرئيس السابق باراك أوباما على قواعد الاشتباك العسكرية، والتي تتضمن تجنب سقوط ضحايا بين المدنيين، ومن غير المعروف ما إذ كان المقترح العسكري الجديد سيرفع تلك القيود أم لا، يبقى خطر انهيار سد الفرات أو تفجيره من قبل التنظيم، أو هروب الفنيين العاملين على تشغيل مضخات وبوابات السد، أحد المخاوف الرئيسية المتداولة بين سكان الرقة وريفها، إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقرير الشهر الماضي بأن مستوى المياه في نهر الفرات ارتفع إلى علو عشرة أمتار منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي، محذرة من أنّ أي ارتفاع إضافي في منسوب المياه أو ضرر يلحق بالسد، قد يؤدي إلى فيضانات واسعة النطاق في جميع أنحاء الرقة وصولاً حتى دير الزور، إذ تبلغ كمية المياه المخزنة في سد الفرات أكثر من ١٤ مليار متر مكعب، فيما يخزن سد البعث الواقع على بعد ٢٧ كم شمال سد الفرات، أكثر من ٩٠ مليون متر مكعب من المياه.

حتى الآن ركزت الولايات المتحدة على قتال التنظيم كأنه منفصل عن بقية الحرب في سوريا، الأمر الذي وضعها في هذا المأزق، ولا يبدو أنها مستعدة لتغيير طريقها، وما الذي لا يبشر بالخير لقدرتها على إنهاء حربها ضد داعش، ولا لقدرتها على إعادة الاستقرار للمنطقة أو حتى انسحابها منها، الأمر الذي يغذي نشوء تنظيمات رديكالية جديدة، لتستقبل المظلومين من استمرار الحرب مع نظام الأسد ومليشياته.

Read in English

فراس حنوش

عضو حملة الرقة تذبح بصمت، عمل طبيب ميداني في سوريا سابقاً، وانخرط في برنامج دعم المعارضة السورية المعتدلة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط