المليشيات الشيعية في العراق مشكلة أكثر صعوبة

بعض رجال المليشيات الشيعية في العراق في طريقهم لقتال تنظيم الدولة. صورة من رويترز.

في الوقت الذي يتركز فيه معظم اهتمام وسائل الاعلام الدولية على الخطر الذي تمثله الدولة الاسلامية (داعش) فإن المشكلة الأكثر تعقيدا على المدى الطويل في العراق هي التمرد الذي تنخرط فيه المليشيات الشيعية المسلحة، إن الحرب الطائفية الدائرة منذ سنوات في سوريا الآن وفرت المنطق الاستراتيجي لصعود المليشيات الشيعية المسلحة في العراق، ومع تجدد التمرد السني الذي أدى إلى سقوط مدينة الموصل – ثاني أكبر المدن العراقية – في شهر يونيه/حزيران 2014، واتجاه هذا التمرد نحو بغداد والمناطق التي تسكنها أغلبية شيعية، إن الحركات المضادة من المليشيات الشيعية المسلحة في المناطق الجنوبية في العراق قد كثفت من تواجدها ووسعت هذا التواجد، هذا الأمر يمثل مشكلة أعمق وأكثر تعقيدا أمام رئيس الوزراء حيدر العبادي. 

إن الحرب الإقليمية التي تدار بالوكالة الآن في سوريا، والتماهي المتزايد الآن بين حركات التمرد المسلحة في العراق وسوريا قد مثّل قاعدة ومبرر للمليشيات الشيعية المسلحة، من أجل زيادة عضويتها وتجديد قضيتها، والحصول على مزيد من الموارد المالية لمليء خزائنها، وعلى العكس من تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا – والذي يبدو بمثابة عدو صريح للدولة – فإن المليشيات الشيعية المسلحة لا يمكن وضعها ضمن أياً من هذه التصنيفات على الأقل عبر فترة زمنية ممتدة، حيث تعتبر المليشيات الشيعية المسلحة في الوقت الآني امتداداً للدولة العراقية، من خلال تمثيل رسمي وأخر غير رسمي في البرلمان، وتربطها علاقات تعاون مع قوى أجنبية، وهي أيضا جزء وظيفي من الأجهزة الأمنية، حتى أن رئيس الوزراء العبادي قام بتعيين محمد الغضبان – وهو أحد الأعضاء البارزين في تنظيم بدر أحد أقوى المليشيات الشيعية المسلحة في العراق – وزيراً للداخلية. 

يرتبط الأداء الضعيف للجيش العراقي بصورة مباشرة بمعاودة المليشيات المسلحة للظهور مرة أخرى، والذي بدأ بصورة واضحة عقب سقوط مدينة الموصل، وفي أواخر عام 2013 تمكّن المتمردون السنة من السيطرة على مدن الفالوجة والرمادي، مما أدى إلى اجبار رجال المليشيات الشيعية المسلحة والمدعومين من إيران على التراجع إلى الخطوط الأمامية في محافظة الأنبار، وكان النشاط المتزايد لهذه المليشيات الشيعية هو الدافع للسنة العرب للانضمام إلى حركات التمرد، وعلى الرغم من ذلك – وباعتباره أمراً عسكرياً – توصل النظام العراقي إلى قناعة بأن رجال المليشيات الشيعية المسلحة هم الأجدر على مواجهة المليشيات السنية بفاعلية، خاصة بعد التمدد الكبير للمليشيات الشيعية المسلحة للداخل السوري (حزب الله اللبناني وجماعة أصحاب أهل الحق وكتائب حزب الله وغيرهم من المجموعات الأخرى)، الأمر الذي أدى إلى تغيير الميزان العسكري لصالح بشار الأسد في حربه ضد المتمردين في الداخل السوري. 

في الوقت الحالي الذي  تواجه فيه الحكومة العراقية تنظيم الدولة وجماعات التمرد السنية الأخرى، تقوم هذه الحكومة بالعمل على زيادة حضور وقوة المليشيات الشيعية المسلحة في أرض المعركة، وبالنظر إلى انهيار أربعة كتائب من الكتائب الأربعة عشر المكونة للجيش العراقي خلال الصيف الماضي، أضحت المليشيات الشيعية المسلحة أكثر ارتباطاً من الناحية الوظيفية بالأجهزة الأمنية في الدولة العراقية، بالإضافة إلى أن المساعدة الأمنية التي تقدمها واشنطن لبغداد قد تدفقت في اتجاه تقوية هذه المليشيات المسلحة من أجل مواجهة قوات تنظيم الدولة، ومن ثم فإن قوة هذه المليشيات الشيعية المسلحة تنمو فقط باعتبارها مهمة وظيفية لقتال تنظم الدولة الاسلامية. 

في المجمل تظهر تكوينات المليشيات المسلحة في ظل وجود الدول الضعيفة، ولكن مع نمو قدرات الدولة ومحاولتها تثبيت أركان سيادتها، تصبح المشكلة الرئيسية بعد ذلك هي كيفية نزع سلاح هذه المليشيات المسلحة، وتفكيك عضويتها وإعادة انتاج هذه القوات غير الرسمية في الأطر الرسمية داخل الدولة، خلال سنوات التمرد دفعت العسكرية الأمريكية نحو ضرورة دمج المليشيات الشيعية المسلحة في قوات الأمن في الدولة العراقية، ولكن لسوء الحظ فشلت هذه الجهود في القضاء على روابط الشبكات غير الرسمية  والفساد والنزعة الطائفية، والتي اصبحت جزء لا يتجزأ من أجهزة الدولة الأمنية، ومن ثم يبدو أن جهود إعادة ادماج المليشيات الشيعية المسلحة في أجهزة الدولة الأمنية ستبوء بالفشل للمرة الثانية على التوالي. 

  وحتى لو أرادت الدولة العراقية أن تواجه وتقضي على المليشيات الشيعية المسلحة على أرض المعركة، فإن الحكومة العراقية ليس لديها شبكة الأمان التي اعتادت الولايات المتحدة على توفيرها في الماضي، ففي ربيع 2008 قام رئيس الوزراء نوري المالكي بإطلاق حملة عسكرية هجومية (صولة الفرسان)، والتي هدفت إلى القضاء على نفوذ جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي المتشدد مقتدى الصدر في المناطق الجنوبية في العراق، وقد تلقت واشنطن هذه الحملة باعتبارها إشارة إلى تحول كبير في بغداد نحو تأكيد الهوية العراقية القومية، وفي الحقيقة أن رئيس الوزراء نوري المالكي لم يصبح زعيماً قوميا فجأةً، بقيامه بمحاربة المليشيات المسلحة التابعة لنفس طائفته الدينية، ولكن يمكن القول أن صراع القوى داخل المعسكر الشيعي كان وراء قرار المالكي بمواجهة جيش المهدي، وإعادة تأكيد سيادة النظام الحاكم على مراكز القوة المتنافسة داخل أجهزة الأمن العراقية، خلال هذه الفترة الزمنية انخفض العنف داخل العراق بصورة سريعة، ولم يعد التمرد السني بمثابة التهديد الرئيسي لبقاء المالكي. 

اليوم يظهر العبادي وكأنه واقع في نفس المعضلة، الاعتماد على رجال المليشيات الشيعية المسلحة من أجل مواجهة التهديد القادم من جانب المليشيات السنية المسلحة، ومن ثم يمكن القول أن وجود المليشيات المسلحة على الطرفين هو ذات منفعة متبادلة، لأن التهديد الذي تمثله المليشيات السنية المسلحة يقتضي ضرورة وجود المليشيات الشيعية، وفي نفس الوقت التهديد الذي يمثله وجود المليشيات الشيعية المسلحة يقتضي منطق وجود المليشيات السنية، ومن ثم فإن عملية مواجهة الأخيرة سوف يزيد من التهديد الذي تمثله السابقة. وفي حين أن بغداد يمكن أن تحاول التعامل مع المليشيات المسلحة السنية والشيعية بصورة متزامنة، إلا أن هذا التكتيك يمكن بصورة غير قابلة للشك أن يقوض من فرص البقاء السياسي لحكومة العبادي، حيث أن رئيس الوزراء الجديد والضعيف لم يتمكن بعد من تثبيت أركان حكمه، وهو ما يزال معتمد ومقيد بمراكز القوة الشيعية خاصة إيران، والحقيقة أن الحياة السياسية في العراق ليس من المرجح لها أن تتغير في أي وقت قريب. وعلى الرغم من أن العبادي يريد أن يستأصل نفوذ المليشيات الشيعية المسلحة في وقت ما في أثناء فترة حكمه، إلا أننا يجب أن نتذكر أنه اثناء عملية صولة الفرسان كان يمكن للجيش العراقي أن يفشل في المعركة ضد رجال جيش المهدي، لولا أن الولايات المتحدة قد تدخلت من أجل دعم العملية الهجومية لرئيس الوزراء المالكي.

ومن سوء حظ العبادي هو أن ليس لديه أفضلية وجود قوات احتلال أجنبية يمكن أن تنقذه، وتعتبر خياراته من أجل البقاء والتعامل مع مشكلة المليشيات الشيعة المسلحة قليلة للغاية مقارنة بسلفه، إن مشكلة مواجهة تنظيم الدولة ليس أكبر من مشكلة محاولة معرفة كيف يمكن لدولة ضعيفة معتمدة على المليشيات المسلحة أن تدمج هذه المليشيات في بناها المؤسسية.

رمزي مارديني

باحث غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على السياسة الأمريكية تجاه عمليات التحول الديمقراطي.