سبع سنوات على الربيع التونسي… ماذا بعد؟

سبع سنوات على الربيع التونسي… ماذا بعد؟

أندريا تايلور وإليسا ميلر

 اشترك في نشرتنا 

مرت سبع سنوات على الربيع العربي الذي انطلق في عام 2011، وتظل تونس هي البلد الوحيدة التي نجت من التغيرات الكاسحة التي حدثت في المنطقة بوصفها ديمقراطية ناشئة. منذ تنحي الرئيس زين العابدين بن علي عن السلطة في 14 يناير/كانون الثاني 2011، حققت تونس عددًا من النجاحات الكبرى، بما في ذلك إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة، وتعزيز تسوية سياسية، وتطبيق إصلاحات للتأسيس لحماية متساوية للرجال والنساء مشمولة بحماية القانون، وتحقيق تقدم في مجالي حرية التعبير والاعتقاد. إلا أن التحديات الاقتصادية والانتكاسات السياسية يمكن أن تعرقل من التقدم التونسي.

بالرغم من أن المظالم الاقتصادية كانت محركًا هاما في اضطرابات الوطن العربي، إلا أن الاحتجاجات التونسية لم تنطلق في ظل ركود اقتصادي. في السنوات التي سبقت ثورة الياسمين، كانت مؤشرات الاقتصاد الكلي في تونس، كما في دول عربية أخرى مثل مصر، إيجابية. فقد كان أداء الاقتصاد الكلي في شمال إفريقيا – تونس والجزائر وليبيا والمغرب – يتراوح بين نسب 4% و4.5% سنويًا في الحقبة التي سبقت 2010. قبل الثورة بخمس سنوات، شهد إجمالي الناتج المحلي التونسي نموًا بلغ 36%، كما انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون بدخل يقل عن 1.90 دولار في اليوم إلى الثلث، وانخفضت نسبة الوفيات إلى الربع.

بالرغم من ذلك، فإن النمو الاقتصادي اتسم بافتقار الشمول وإخفاء أوجه القصور في الاقتصاد التونسي والذي ساهم في السخط الذي أدى للربيع العربي. عانت تونس من معدلات البطالة المرتفعة – هناك حوالي عاطل واحد ضمن كل ثمانية تونسيين. يشكل الشباب شريحة كبرى من نسبة العاطلين، بما يعادل 30% من التونسيين ما بين 15 إلى 24 سنة يعانون من البطالة. في ذات الوقت، كانت تونس ضمن أسوأ عشر دول فيما يتعلق بالمحاسبة والمساءلة، ووصل الفساد السياسي إلى معدلاته القصوى، وسيطرة النخبة التي تشكل 10% من السكان – الأكثر ثراء – على ما يزيد عن 27% من الدخل القومي (بينما لا يصل إلى نصف السكان من الطبقات الدنيا سوى 26%  فقط من الدخل القومي). في هذه البيئة، فإن شعار الثورة كان “عمل، حرية، كرامة” كان يعكس عدم عدالة توزيع الدخل والثروة بين النخب وبقية السكان.

في أعقاب الثورة، عانت الحكومات التونسية المتعاقبة من أجل تنفيذ الإصلاحات البنيوية الصعبة الضرورية لوضع الاقتصاد على طريق النمو الشامل، مانحين الأولوية للانتقال السياسي، بينما كانت البلاد تعاني أيضًا من التهديدات الأمنية. وبينما شهد عام 2017 بعض التقدم على المستوى الاقتصادي، إلا أن الحكومة التونسية مازالت تصارع من أجل تطبيق الإصلاحات الاقتصادية، ومن غير الواضح ما إذا كانت تونس اليوم في مكان أفضل بالنسبة لمواطنيها مقارنة بفترة ما قبل الثورة. هناك مؤشر واحد – ألا وهو بطالة الشباب – يمكن أن يحدد ما إذا كانت تونس في 2018 على الطريق نحو ديمقراطية موحدة أم أنها ستظل تعاني من عدم الاستقرار. بالإضافة إلى لعب دور هام في تأجيج الثورة، فإن بطالة الشباب تساهم في جعل تونس الدولة الرئيسية لتوريد المقاتلين الأجانب للجماعات المتطرفة في المنطقة.

في عام 2018، يمكن لانتخابات بلدية، منتظرة منذ فترة طويلة وإصلاحات اقتصادية تركز على النمو الشامل وتتعامل مع مخاوف الشباب أن تساهم في ديمقراطية تونسية قوية. إلا أن الحكومة مازالت تطبق على استحياء الإصلاحات البنيوية وتؤجل الانتخابات البلدية، مما قد يجعل مستقبل تونس أقل إشراقا.

الاتجاهات الاقتصادية في عام 2018

يتوقع صندوق النقد الدولي للاقتصاد التونسي – الذي شهد نموًا بنسبة 2% في عام 2017 – أن يستمر في النمو ليصل إلى 3% في عام 2018 في ظل تحسن الوضع الأمني وزيادة السياحة وزيادة الاستثمار وتعزيز سوق الصادرات في أوروبا. هناك مؤشرات اقتصادية عديدة تشير إلى أن تونس قد تكون على الطريق الصحيح نحو اقتصاد أقوى، مثل معدلات مشاركة القوى العاملة، والتي تجاوزت مستويات ما قبل الثورة، مع زيادة تصل إلى حوالي 9% من الحجم الإجمالي للقوى العاملة من عام 2010 وحتى عام 2016. يمكن للقوى العاملة المتنامية أن تحفز المزيد من النمو الاقتصادي من خلال مشاركة أكبر في الاقتصادي الرسمي – بعض التقديرات تقول بإن سوق الاقتصاد غير الرسمي التونسي يشكل من 40% إلى 60% من إجمالي الاقتصاد – مما يدر عائدات تحتاجها الحكومة بشدة، عبر الضرائب على العمل والاستهلاك.

بالرغم من ذلك، تمامًا مثل النمو الاقتصادي السابق على الثورة، فإن معدلات البطالة المستمرة في الارتفاع قد تعني أن هناك قطاعات كبيرة من الشعب لن تستفيد من النمو الاقتصادي. علاوة على ذلك، فإن الإصلاحات البنيوية اللازمة لتقليل حجم قوة العمل في القطاع العام وزيادة الضرائب ورفع مساهمة التأمين الاجتماعي ستضر المواطنين العاديين من التونسيين بقوة.

هذه الإصلاحات البنيوية لازمة لتقليل عجز الميزانية المتنامي وضمان استفادة قطاع واسع من التونسيين من ثمار النمو، لكن من الواضح أن الحكومة تعي حجم عدم الاستقرار الكبير الذي قد تؤدي إليه هذه التدابير. وضعت هذه الديناميكية تونس في وضع صعب بين المقرضين الدوليين – خاصة صندوق النقد الدولي – ومصالح بعض المجموعات القوية داخليًا مثل اتحاد الشغل.

بالرغم من هذا الواقع الصعب، هناك خطوات يمكن للحكومة على أية حال أن تتخذها نحو التقدم على الصعيد الاقتصادي. ومع انخفاض معدلات البنك الدولي فيما يتعلق بفعالية الحكومة التونسية والجودة التنظيمية لها منذ الثورة، فإن تخفيض الانفاق الذي ليس له الأولوية مثل دعم الطاقة، والذي يخدم الأثرياء بشكل غير عادل، يمكن أن يوفر موارد يمكن توجيهها لتحسين جودة الخدمات الحكومية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحكومة يمكنها أن تستغل النجاح في مناطق أخرى، مثل تحسين تسهيل الأعمال في البلاد، والذي لم يتغير منذ الثورة والمشاركة في اتفاق مجموعة العشرين مع أفريقيا لتعزيز الاستثمار الخاص وتحفيز المزيد من التحسن في تطوير البنية التحتية. زيادة الاستثمار، بالإضافة إلى الاستشارة التقنية والسياسية كجزء من الاتفاق، قد يمكّن الـ 36% من التونسيين الذين لديهم طموحات في مجال المشاريع لإحداث مزيد من النمو الاقتصادي. أخيرًا، فإن منح الأولوية للتفاوض بشأن منطقة تجارية حرة عميقة وشاملة مع الاتحاد الأوروبي يمكن أن يجلب المزيد من الاستفادة ليشمل السيطرة على التضخم وجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي والذي تحتاج إليه تونس بشدة. يمكن للتقدم في هذه التدابير أن يساهم في حل مشكلة معدلات بطالة الشباب في عام 2018، حيث أن تونس تكافح من أجل السعي لإحداث نمو شامل مما يعزز استقرار البلاد.

الاتجاهات السياسية في عام 2018

حظيت تونس ما بعد الثورة بالإطراء من قبل عدة منظمات، بما في ذلك فريدم هاوس والبنك الدولي بسبب الإصلاحات الديمقراطية الليبرالية، بما في ذلك تعزيز المحاسبة الحكومية وزيادة المشاركة السياسية. إلا أن هذه المنظمات ذاتها أشارت إلى مخاوف فيما يتعلق بتزايد الفساد وتحديد الحريات المدنية. بالطبع، فإن استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر مخاوف واسعة من زيادة الفساد وانخفاض الدعم بين السكان للقيادة السياسية للبلاد. كما أن التأجيل المتكرر لانتخابات البلدية في ظل الصراع السياسي القائم، مع التحديات الاقتصادية للبلاد، يهددان بانخفاض الثقة، المنخفضة بالفعل، للتونسيين في العملية السياسية.

إن قدرة القيادات السياسية على جذب قطاعات هامة من الشعب، مثل الشباب، من أجل المشاركة في التصويت بأعداد كبيرة يمكن أن يحدد الانتصارات الانتخابية في مايو/آذار 2018. إلا أن هناك مؤشرات على زيادة اللامبالاة بين الشباب التونسي حين يتعلق الأمر بالمشهد السياسي. يمكن للساسة المحليين والأحزاب السياسية الوطنية أن تتعامل مع هذه المشاكل عبر الإدماج المخطط للشباب التونسي عبر الحملات الانتخابية. هذا الإدماج يجب أن يرسل رسالة بإن خطط الإصلاح ستعمل على حل قضايا مثل بطالة الشباب والعقبات التي تعوق بدء وإدارة الأعمال. قد يكون مستوى الانخراط والمشاركة في انتخابات البلدية لسنة 2018 مؤشرًا على المصلحة السياسية والمخرجات بالنسبة للانتخابات الوطنية في عام 2019، مما يجعل الإقبال على انتخابات واستطلاعات الرأي هذا العام ونتائجها له أهمية خاصة.

تونس على مفترق الطرق

تقف تونس على مفترق الطرق وهي تدخل عام 2018. يمكن لاستمرار النمو الاقتصادي والإصلاحات الكبرى أن يوحد المكاسب السياسية والاجتماعية على مدى السبع سنوات الماضية. إلا أن هناك بديل قد يظهر أمام تونس – ألا وهو الإقبال الضعيف على الانتخابات البلدية التي تأجلت مرارًا، واستثناء قطاعات كبيرة من السكان من النمو الاقتصادي، واستمرار تدهور الرأي العام حيال الأحزاب السياسية في ظل التنامي المطرد للفساد.

يلعب تحسين مؤشر واحد، ألا وهو بطالة الشباب، دورًا هامًا في وضع تونس على طريق أحد الخيارين السابقين. إن معدلات بطالة الشباب تظهر ما إذا كان الإصلاح الاقتصادي يدفع نحو نمو شامل تستفيد منه الأغلبية أم لا. هذه التأثيرات في تونس في عام 2018 ستحدد ما إذا كانت تونس ستكون مكانا للسكان المحبطين – في أسوأ الحالات تعريضهم لخطر التطرف وفي أفضلها إحداث حالة من الاضطراب السياسي – أم أنه سيتم تمكين الشباب للحصول على المعلومات وتسهيل المشاريع مما يشكل وقودًا للنمو الاقتصادي. لدى تونس الإمكانية لتصبح ديمقراطية مستقرة وهي تقترب من إتمام عقد عقب الثورة، لكن شمولية الإصلاحات الاقتصادية والانخراط السياسي سيحددان ما إذا كانت البلاد ستتمكن من استغلال كامل طاقتها أم لا.

 اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

انقسامات في انتظار هيئة تحرير الشام بعد إتفاق سوتشي

في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، وفي محاولة لتجنب احتمالات الهجوم عليها من جانب النظام السوري وحلفائه وقعت كلا من روسيا وتركيا اتفاق سوتشي بشأن الأوضاع الميدانية في إدلب.

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.