“سواعد الخير” ذراع هيئة تحرير الشام للسيطرة

“سواعد الخير” ذراع هيئة تحرير الشام للسيطرة

اشترك في نشرتنا 

لم تكتفِ هيئة تحرير الشام بالتدخل في الشؤون العامة لأهالي إدلب، وفرض سطوتها على مراكز التعليم والمدارس والجامعات، بل بدأت التدخل في شئون المشافي وباقي المنشآت الإنسانية عبر جهاز “سواعد الخير” التابعة لجهاز الحسبة. أسست هيئة تحرير الشام جهاز سواعد الخير في يونيو/حزيران الماضي، لفرض قوانينها في الشارع ومراقبة الأهالي.

قامت سواعد الخير مؤخراً باعتقال اثنين من حراس المشافي وسائقي حافلات بأحد مناطق ريف إدلب، بذريعة محاربة الاختلاط بين النساء والرجال في مكان واحد. وقامت، وفق وسائل إعلام سورية محلية، بجولات الشهر الماضي على مشافي مدينة إدلب، وطالبت العاملين فيها بالالتزام باللباس الشرعي الذي تفرضه.

شهد العام الماضي معارك عديدة بين هيئة تحرير الشام والفصائل المنافسة لها كحركة أحرار الشام، واستطاعت الهيئة فرض سيطرتها بشكل أكبر على إدلب وريفها، وبدأت بعد شهر يوليو/آذار 2017 محاولاتها للسيطرة على كل تفاصيل الحياة وفرض قوانينها، بدءًا من التدخل في إدارة المدارس وفصل الذكور عن الاناث في الجامعات، مروراً بحواجزها التي تضع قيود على حركة النساء، وليس انتهاءً على ما يبدو، بتدخلها في المنشآت الإنسانية. فمن خلال سواعد الخير تقوم هيئة تحرير الشام بوضع القيود على الأهالي، الذي يرفض غالبيتهم هذه القوانين المتشددة.

بعد تصاعد هذه القيود التي تفرضها سواعد الخير، أصدر تحالف المنظمات السورية غير الحكومية، المكون من 17 منظمة منها (الجمعية الطبية السورية الأمريكية )سامز( واتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية وشفق وغراس وغيرها) بياناً يرفض تدخل أي جهة في عمل المنشآت المدنية.

وجاء في البيان “انطلاقًا من ذلك، إضافة إلى حرصنا على استمرار مساعدة المحتاجين للخدمة الإنسانية، فإننا نعلن رفضنا المطلق لأي تدخل من قبل أي جهة عسكرية أو سياسية في عمل المؤسسات الإنسانية والمنشآت الصحية في محافظة إدلب والمناطق المتاخمة التي تقع في نطاق عملنا الإنساني”، وأضاف البيان “إننا نؤكد على تعاملنا مع مديريات الصحة كجهة صحية مدنية معترف بها، ونؤكد ثقتنا في إدارات مشافينا ومراكزنا الصحية بطبيعة الحال لتقديم أفضل خدمة صحية ممكنة ولجميع المحتاجين بكل حيادية وبدون انحياز أو تمييز لأي سبب من الأسباب، متمسكين في الوقت نفسه بمبادئنا الأخلاقية والإنسانية الجامعة”.

وأكد التحالف في بيانه، أن أي تدخل في أي منشأة صحية أو نشاط إنساني من قبل أي جهة سيُعتبر اعتداءً صارخاً على المنشأة والكوادر الطبية العاملة فيها، محملاً هذه الجهة تبعاً لذلك المسؤولية الكاملة عن توقف تقديم الخدمة للمدنيين. البيان أكد تمسك المنظمات بعملها، ورفض الضغوط.

لكن ما هي أهداف هيئة تحرير الشام من هذا التدخل؟ بعيداً عن رغبتها في فرض شرعها ولباساً شرعياً في المنشآت المدنية والمشافي، إضافة إلى ما تعلن عنه جهاراً وهو منع الاختلاط بين الجنسين. للهيئة أهداف اقتصادية، فالتدخل في عمل هذه المنشآت والسيطرة عليها يحمل في طيّاته نوايا الهيئة للسيطرة على تمويل ومصاريف هذه المنشآت، الذي يقدر بملايين الدولارات، خاصة وأن الهيئة في وضع لا تحسد عليه اقتصادياً.

مع التطورات في وضع هيئة تحرير الشام وتراجعها بالقتال الدائر في إدلب وريفها، ربما، كانت تضع السيطرة على المنشآت المدنية وعمل المنظمات الإنسانية، في أولوياتها لتمويل مشاريعها، وتطمح لتكون هي نقطة الوصل بين الممولين والمنشآت. إذا نجحت الهيئة في هذا الأمر، فإنها ستقطع عن الأهالي كل هذه المساعدات، فالممولون من أوروبا والولايات المتحدة وبعض البلدان العربية والإقليمية يعتبرون الهيئة منظمة إرهابية رغم تغيير اسمها من “جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام. وفي حال سيطرتها فلن يتم الاعتراف بها كطرف وسيط أو شريك في الداخل السوري من قبل الجهات المانحة. وبالتالي، حرمان مئات الآلاف من أهالي ادلب وساكنيها المهجرين من مناطق سورية أخرى، من دعم طبي وغذائي هم بأمس الحاجة إليه، لكنّها (هيئة تحرير الشام) تعلم بذلك، ولا ترى ضرراً بأن تسيطر حتى بطريقة غير مباشرة، وهنا ستفرض ضرائب على كل الهيئات والمنظمات العاملة بالمجال الإنساني، ومن ثم الحصول على دخل اقتصادي جديد.

تخوض الهيئة حالياً معارك قاسية مع منافسها بالمنطقة “جبهة تحرير سوريا” المكونة من فصيلي “أحرار الشام والزنكي”، وخسرت الهيئة معظم مواقعها بريف حلب الغربي، وينحسر تواجدها بمحافظة إدلب، وتعمل على فرض سيطرتها على مدينة إدلب لأسباب سياسية، لكي يكون لها رأي وقرار في حال حدوث أي مستجدات أو تسويات لاحقاً بخصوص المدينة. فهي لا ترغب بالخروج خاوية الوفاض حتى إن خسرت مواقع كثيرة بالشمال والشمال الغربي السوري، وتسعى ليكون لها رأي كبير في الحياة السياسية السورية حالياً ومستقبلاً.

إذاً، سواعد الخير لها مهام عديدة وأهداف بعيدة، رغم توقفها عن النشاط بالأيام الأخيرة بسبب الاشتباكات بين الهيئة والفصائل في إدلب وريفها، إلا أنها فكرة خطيرة على المجتمع السوري وعمل المنشآت المدنية، التي لا يجب أن تتدخل في عملها أجهزة مثل سواعد الخير.

وينتظر أهالي ادلب وريفها حالياً، بترقب، مجريات الأحداث ونتائج المعارك الدائرة. ويبدو أن الرغبة في التخلص من هيئة تحرير الشام كبيرة لدى تركيا والفصائل السورية القريبة منها، لوصل ريف حلب الشمالي بريف إدلب بعد انتهاء المعارك في عفرين، لكن خلال هذا الوقت، لا يبدو أن خطر هيئة تحرير الشام سيزول بسهولة، ولا يمكن إزالة الخوف من “سواعد خير” جديدة تابعة لفصائل أخرى، لذا، يجب العمل والتشديد على إبعاد سلطات الأمر الواقع بمختلف توجهاتها، عن أعمال المنشآت المدنية في إدلب وريفها! وهذا الجهد، يقع بشكل أكبر على المعارضة السورية والحراك المدني بالداخل، ولا سيّما المجالس المحلية والهيئات المدنية، لأن كل شيء معلق حتى انتهاء المعركة وظهور نتائجها، ومعرفة من الجهة التي تسيطر على هذه المناطق وما هو توجهها. ويجب أن تكون مواقف المنظمات الإنسانية ثابت ولا يتغير، وخاصة بالمجال الطبي، فوزارة الصحة هي الجهة الوحيدة التي يحق لها التدخل بالمنشآت الطبية.

اشترك في نشرتنا English

حسن عارفه

مسئول الإعلام في مؤسسة سامز، ومقرها في تركيا.

شاهد أيضاً

ليبيا: أزمة مستمرة أم أمل محتمل؟

يبدو أن الوضع في ليبيا متعثراً بشكل لا رجعة فيه. فالحكومة المعترف بها دولياً برئاسة فايز السراج في طرابلس وحكومة عبد الله الثني في مدينة البيضاء – والمدعومة من قبل البرلمان المنتخب في عام 2014 في مدينة طبرق – تعانيان من التباعد في المواقف كما كانوا من قبل.

الانتخابات العراقية: النتائج المحتملة والقضايا الرئيسية

يدعوكم المجلس الأطلنطي لنقاش مع نخبة من الخبراء حول المخرجات المحتملة في فترة ما بعد الانتخابات العراقية، والتحالفات السياسية التي ستشكل الحكومة الجديدة والتي يمكن أن تنتج عن هذه الانتخابات، والاصلاحات السياسية والدستورية التي تحتاج الحكومة الجديدة لتبنيها

مخاطر انسحاب الولايات المتحدة من سوريا

شهد الأسبوع الأخير من شهر مارس/آذار 2018 قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتجميد أكثر من 200 مليون دولار من أموال الدعم المقدمة لإعادة الاستقرار والبناء في سوريا، في سياق قيام الإدارة الأمريكية بإعادة تقييم دورها في عدد من الصراعات الممتدة حول العالم.