معضلات إقامة مناطق آمنة في سوريا

قطعت تركيا شوطاً كبيراً في إعادة ترميم وإنشاء البنية التحتية للمناطق التي سيطرت عليها فصائل المعارضة السورية المسلّحة ضمن عملية درع الفرات، وهي العملية التي أطلقتها ودعمتها تركيا لحماية حدودها الجنوبية من تنظيم داعش، ولمنع الأكراد من توحيد مناطقهم في شمال سوريا.

أصبحت هذه المنطقة بمثابة منطقة آمنة، رغم أنه لم يُعلن عنها رسمياً، تستطيع تركيا إعادة اللاجئين السوريين إليها، وتمتد المنطقة الآمنة بين مدينتي أعزاز وجرابلس في ريف حلب الشمالي، بعرض يصل إلى 110 كم، وطول 65 كم، حيث أعلنت السلطات التركية قبل أيام قليلة انتهاء عملية “درع الفرات” بعد تحقيق أهدافها.

ورغم عدم إعلان أي طرف دولي إبعاد هذه المنطقة عن أي ضربات جوية محتملةK وعدم موافقة النظام السوري وروسيا علنيا على بقاء قوات المعارضة فيها دون استهدافهم مع السكان المدنيين، إلا أن آلاف الأسر السورية بدأت بالفعل التوجه إلى هذه المنطقة، بعد تأمين الحكومة التركية للخدمات الأساسية، لاسيما في مدينتي جرابلس والباب.

وساعد على عودة النازحين افتتاح مشفى وطني في جرابلس، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، وعودة المدارس إلى عملها، وتأسيس جهاز شرطة في المدينة، وبقاء وجود قوات عسكرية تركية قريبة من المنطقة.

ووفق أرقام قدّمتها رئيسة بلدية غازي عنتاب التركية، فاطمة شاهين، عاد قرابة 30 ألف سوري من تركيا إلى المناطق التي تم تأمينها مؤخراً من داعش في ريف حلب الشرقي.

ويأمل سوريون أن تكون هذه المدن آمنة بالفعل بعد سنوات من مطالبات شعبية بوجودها، إلا أن البعض يشكك في جدية حماية هذه المنطقة من قبل الأطراف المتصارعة، لاسيما مع حالة العداء المستمرة بين تركيا وقوات حماية الشعب الكردية من جهة، وقرب النظام السوري أيضا من دائرة الاشتباكات، وتأرجح العلاقات باستمرار بين تركيا وروسيا من جهة أخرى.

ولعل ما زاد من هذه المخاوف خلال الفترة الأخيرة عدم اتخاذ الإدارة الأمريكية الجديدة أي خطوات فعلية لإنشاء هذه المناطق، رغم وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإعلانه مراراً التعاون مع تركيا في هذا الشأن.

وربما سبّب فتور العلاقات الأمريكية-التركية تأخر تنفيذ الوعود الأمريكية على الأرض، رغم أن تركيا تعتبر تأمين هذه المناطق أولوية لها.

مقومات النجاح

مؤخرا زادت الولايات المتحدة الأمريكية من تواجدها العسكري على الأرض في سوريا، وانتشر مقاتلون أمريكيون في مدينة منبج شرق حلب الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب العدو اللدود لتركيا.

ورغم عدم تقدم هذه القوات ودعمها لقوات المعارضة السورية في قتال تنظيم داعش، يرى الناشط الصحفي مازن درويش أن دورهذه القوات بالإضافة إلى القوات التركية سيكون عاملاً إيجابيا في استقرار المنطقة ومنع استهدافها، كما سيساهم في نزع فتيل أي توتر عسكري يحصل بين الأطراف الثلاثة المقاتلة، وهم الاكراد وقوات المعارضة والنظام السوري.

واستدل درويش على هذا الرأي بما حدث مؤخرا في بلدة تادف، القريبة من مدينة الباب شرق حلب، بعد اصطدام قوات النظام السوري مع قوات المعارضة السورية، وحينها فرضت القوى الإقليمية على النظام السوري الانسحاب من البلدة دون أي قتال.

ويرى درويش أن تركيا استطاعت أن تفرض مؤخرا على القوى الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة وروسيا، منطقة آمنة للنازحين السوريين بعد تقدمها على حساب تنظيم داعش، وهو ما سيساعد كثيراً على تخفيف معاناة السوريين الراغبين بالبقاء في وطنهم وتأسيس حياة مستقرة.

ويؤكد الناشط الصحفي في ختام حديثه أن الخطوات التي اتخذتها تركيا من تدريب وتوظيف كوادر سورية لإدراة المنطقة الآمنة، وإبعاد جميع المقرات العسكرية عن المناطق السكنية المؤهلة، سيكون له دور بارز في إعادة الاستقرار، وعودة قسم لا بأس به من السوريين إلى هذه المنطقة من تركيا.

وعلى الصعيد الرسمي تسعى الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة السورية إلى نقل مقراتها إلى مدينة جرابلس، تمهيداً للعمل لأول مرة من داخل سوريا، بعد أن كانت تدير الأمور من تركيا.

وقال رئيس الحكومة السورية المؤقتة، جواد أبو حطب، قبل أيام قليلة، إن المساحة التي ستحرر في عملية درع الفرات “سترتفع من 5 آلاف إلى 6 آلاف كيلومترا مربعا” وهو الأمر الذي سيسمح بجعلها نواة لتحرير باقي المناطق وفق قوله، ومن الممكن أن تستوعب أيضا نحو مليوني سوري، وأن تكون فيها جامعات ووحدات سكنية.

ووفق خالد قصاص، أحد النازحين السوريين حديثاً إلى جرابلس، فإن من أهم عوامل تأمين منطقة آمنة هو حمايتها، وتوافد المنظمات الانسانية وتأمين فرص عمل للنازحين. ويوضح الشاب، الذي يعمل حالياً ضمن عناصر الشرطة الحرة التي دربت في تركيا، أن من أهم أسباب عودته إلى هنا هو تأمين العمل، الذي يساعده على إعالة أسرته، لاسيما أن الحياة في دول الجوار مكلفة وباهظة الثمن.

عوامل القلق

في السياق ذاته رأى يوسف طحان، القائد العسكري السابق في الجبهة الشامية – أحد فصائل المعارضة السورية المعتدلة، أن أي إعلان لمنطقة آمنة يحتاج توافقاً دوليا، وقوة على الأرض تمنع استهدافها.

وأكد القيادي في الجيش الحر، عدم وجود هذا الاتفاق حتى الآن، مع استمرار حالة الاشتباكات في قرى قريبة من المنطقة، ووجود خلايا لازالت تدعم تنظيم داعش.

وحول إمكانية إرسال قوات أجنبية إلى شمال سوريا، تمهيداً لتوسيع هذه المنطقة، ذكر الصالح (أحد القادة العسكريين) أن لا مؤشرات تدل على ذلك، وأضاف العديد من التجارب الدولية السابقة في العراق وإقليم كوسفو في البلقان فشلت، مالم تكن هناك قوات مراقبة وحماية.

وتساءل القائد العسكري في حديثه عن أسباب رفض الولايات المتحدة وروسيا منذ 6 سنوات إقامة منطقة عازلة تحمي المدنيين في سوريا، بينما كان بإمكانهم حينها وقف تدفق ملايين اللاجئين السوريين إلى أوروبا.

ورغم وعود الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب في العديد من المواقف دعمها لإنشاء مناطق آمنة في سوريا بالتعاون مع روسيا وتركيا، إلا أن أياً من الاجراءات لم يتخذ حتى الآن.

ومن المتوقع أن تزيد معركة الرقة التي بدأت بوادرها في تدفق آلاف النازحيين نحو المناطق الحدودية مع تركيا، ويرى البعض أن مناطق سيطرة المعارضة المعتدلة ستكون الوجهة الأولى لأهالي الرقة، نظراً لحساسية الوضع مع الفصائل الكردية.

والجدير بالذكر أن هذه المنطقة احتضنت مؤخراً نازحين سوريين، ليس من الشمال السوري فحسب، بل من العاصمة دمشق وحمص وسط البلاد، ويتوقع البعض في حال نجاح تحييدها عن الصراع والقتال، أن تحد كثيراً من لجوء السوريين سواء نحو أوروبا أو لبنان وتركيا.

وبعد سنوات من بداية الصراع في سوريا ومقتل آلاف المدنيين والأبرياء، يرى الكثير من السوريين أن إنشاء مناطق آمنة هي من أبسط المطالب، التي فشل المجتمع الدولي في منحها للسوريين الفارين من هذه الحرب، ولكن أن يتم إيجادها على الأرض حالياً، هو أمر أقل سوءاً بالطبع من استمرار غيابها.

 Read in English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة