حسابات روسيا وإيران حول الغوطة الشرقية

حسابات روسيا وإيران حول الغوطة الشرقية

اشترك في نشرتنا 

يجني التعاون الروسي الإيراني في سوريا ثماره اليوم، فالدعم المقدم للنظام السوري جعله يتفوق بشكل كبير على قوات المعارضة. بعد سقوط مدينة حلب قبل عامين، يبدو أن المعارضة على شفا أن تفقد منطقة هامة أخرى، وهي الغوطة الشرقية، والتي تعتبر الثقل الأهم لها بسبب قربها من قلب العاصمة دمشق.

تشهد منطقة الغوطة، التي يقطن فيها نحو 400 ألف مدني، عمليات قصف مكثفة من قبل الطيران الحربي الروسي والسوري، يتزامن ذلك مع حصار كامل للمنطقة منذ عدة أعوام، مما تسبب في مذبحة شاهدها العالم بأسره من خلال الصور والشرائط المسجلة المرسلة من هناك. وطالب مجلس الأمن، من خلال القرار القرار 2401، جميع الأطراف بوقف الأعمال العسكرية لمدة 30 يومًا على الأقل في سوريا، ورفع الحصار المفروض من قبل قوات النظام عن الغوطة الشرقية والمناطق الأخرى المأهولة بالسكان، وإيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين هناك، لكن هذا القرار لم يتم تطبيقه حتى الآن.

واعتبر الرئيس السوري بشار الأسد في تصريحات صحفية، نقلتها وكالة الأنباء السورية الرسمية، أن القرار جاء لمساعدة ما وصفهم بـ “الإرهابيين”، وقال إن “سوريا تتعرض لحملة إعلامية وسياسية تهدف إلى استنهاض الإرهاب الذي تلقى ضربات متلاحقة مؤخرا”. وشدد على أن العمليات التي تنفذها قواته إلى جانب القوات الروسية ستستمر، لافتاً إلى أن ذلك يجري بالتوازي مع فتح مجال لخروج المدنيين. وهو ما اعتبرته المعارضة السورية “التفاف على قرار مجلس الأمن ويهدف إلى إجراء عمليات تهجير قسرية وتغييرات ديمغرافية كما حدث في مناطق مختلفة أخرى”.

وأوضح الباحث السوري وصاحب كتاب “البعث الشيعي في سوريا”، عبد الرحمن الحاج، أن علاقة روسيا بإيران ومصالحهما المشتركة أكبر من سوريا، واعتبر تلك الشراكة في سوريا “هي فقط واحدة من الشراكات الأكبر بينهما”، فيما لفت الباحث الإيراني المهتم بالشأن السوري “آراش عزيز” أن العلاقة بين موسكو وطهران تمر بأفضل مراحلها، وأن هناك تكامل بالمصالح بين الطرفين.

وعلى الرغم من كل ذلك التوافق الظاهر، إلا أن العمليات العسكرية الأخيرة ضد الغوطة قد تكشف بعض التباين، وأشار عبد الرحمن الحاج إلى أن روسيا تريد إبراز نفسها كفاعل رئيسي في السياسة الدولية فيما يتعلق بسوريا، بينما تسعى إيران لجعلها تابعة لفلكها وملحقة بمحور المقاومة، ومنصة إيرانية للتأثير في عمق الشرق الأوسط، مستدركاً بالقول إن “هذه الاختلافات التفصيلية سرعان ما يتم تجاوزها لصالح التقاطع الأكبر في المصالح”.

إن تاريخ العلاقة بين البلدين سيء في معظم مراحله، فقد كانت طهران حليفة للغرب والولايات المتحدة الأمريكية ضد موسكو أثناء الحرب الباردة، كما أن الأخيرة رفضت الترحيب بوصول الخميني لهرم السلطة بعد نجاح الثورة الإسلامية خوفاً من شعاراتها الإسلامية، حتى أن الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيدف رفض تزويد إيران بمنظومة صواريخ إس-300 عام 2008. لكن على ما يبدو أن السنوات الأخيرة جعلت كلا الطرفين بحاجة للآخر، وعلى الأخص بعد العقوبات الأمريكية والأوروبية التي طالتهما في السنوات الأخيرة.

وهنا لابد من طرح السؤال التالي: لماذا موسكو هي التي تقود المعركة وليس إيران التي تضع تلك المنطقة ضمن أولوياتها؟ يرى عضو الائتلاف الوطني السوري المعارض رياض الحسن أن منطقة الغوطة الشرقية “تشكل العمق الاستراتيجي لنفوذ إيران في المنطقة”، متابعاً حديثه قائلاً إن هذا الأمر “يجعل حساباتها أكثر دقة قبل اتخاذ أي قرار للمشاركة في العمليات الحالية إلى جانب النظام وروسيا في ظل التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضدها”.

يقول الباحث في مركز عمران للدراسات ساشا العلو إن هناك “التباس لموقف طهران من معارك الغوطة الشرقية”، معيداً الأمر لسببين، الأول: الرغبة الروسية بإبعاد إيران عن محيط العاصمة، وعدم السماح لها بالتمدد عبر ميليشياتها، وملئ أي فراغ استراتيجي محتمل في المنطقة، معتبراً أن ذلك “استجابة من موسكو للضغوط الإسرائيلية”. أما السبب الثاني: قد يفسر باستشعار إيران لسلوك العزل الذي تمارسه موسكو، فكان أن أحجمت عن إرسال قوات كبيرة، كرسالة بأن أي جهد بري على الأرض لن ينجح إلا بالتنسيق المشترك معها.

وكانت الأسابيع الأخيرة قد شهدت تصعيد عسكري غير مسبوق بين إسرائيل من جهة وإيران والنظام السوري من جهة أخرى، انتهت بقصف مواقع عسكرية داخل سوريا، مقابل إسقاط طائرة أف –16 إسرائيلية.

ويسود اعتقاد لدى الدول الفاعلة في الملف السوري أن التواجد العسكري الروسي في سوريا، يمكن التعويل عليه. وذلك على عكس التواجد الإيراني الذي تمدد من خلال الميليشيات الشيعية وتسبب في احتقان طائفي في المنطقة، وهو الأمر الذي جعل واشنطن تعتبر أن طهران تقف وراء كل المشاكل في الشرق الأوسط. وتضع الولايات المتحدة تفكيك النفوذ الإيراني ومواجهته في المنطقة على قائمة الأولويات لاستراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أفصح عنها وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون في جامعة هارفارد نهاية عام 2017. وهنا تظهر النقطة الحرجة بالنسبة لموسكو التي باتت مطالبة بالانفكاك عن طهران والتعاون مع المجتمع الدولي، وعلى الأخص الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، للحفاظ على مكتسباتها في سوريا وعدم تعريضها للخطر.

واعتبر رياض الحسن، الذي يشغل منصب المستشار لوفد المعارضة السورية في مفاوضات جنيف، أن التنافس الروسي الإيراني ينبع من الخلاف السياسي وتضارب أجندات كلا الطرفين، وأضاف أن موسكو انتقلت للتعامل بشكل جدي مع العملية السياسية بدلاً من العمليات العسكرية بعد سقوط حلب، كما أنها تعطي الأولوية للحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انهيار الجيش والأجهزة الأمنية. في حين تريد طهران تدمير ذلك الجيش، وإحداث تغيير ديمغرافي واسع في البلاد، يشبه ما قامت به في العراق ولبنان لنشر المذهب الشيعي، والاعتماد على الحشد الشعبي العراقي وحزب الله اللبناني.

وبيّن الحسن أنهم كوفد للمعارضة السورية خلال المفاوضات في جنيف “لمسنا هذا التباين في أجندات الطرفين”، متابعاً القول “وجدنا حرصاً روسياً على إكمال العملية السياسية، وهو واضح من خلال محاولة فك العقدة عبر مؤتمر سوتشي وتشكيل لجنة دستورية، وهي أحد أهم الملفات للقرار 2254″، لافتاً إلى أن ذلك قابله “محاولات تخريب دائمة من قبل طهران”، وهو ما أدركته موسكو في أكثر من مكان على الساحة السورية.

يقول الناشط أبو عمر، أحد سكان الغوطة الشرقية، إن سير المعارك يهدف إلى تقسيم الغوطة إلى ثلاث مناطق، وهي منطقة “دوما” والقطاع الأوسط ومنطقة البساتين، مضيفاً أن حدوث ذلك سيؤدي إلى ذات المصير الذي واجهته حلب قبل عامين، حيث أرسلت موسكو حينها شرطة عسكرية روسية ومنعت دخول أي ميليشيات إيرانية إلى المدينة.

اشترك في نشرتنا English

غيث الأحمد

يعمل صحفي في صحيفة العربي الجديد، وعمل سابقاً كمنسق إعلامي لفرع الهلال الأحمر السوري في دير الزور.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة