روسيا لن تتخلى عن بشار الأسد

ليس من المفاجئ أن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، خيّب أمل نظيره الأمريكي ريكس تيلرسون، بإصراره على الوقوف مع بشار الأسد، فقد ألقت روسيا ثقلها خلف الأسد منذ بدايات الصراع السوري بدون تردد، وقد خصصت موارد كثيرة لضمان انتصار بشار الأسد؛ ورغم موقف روسيا العلني، يبدو أن هناك إيمان، تمسك به البيت الأبيض في عهد أوباما والإدارة الحالية أيضاً، بأن روسيا قد تتخلى عن الأسد، هذا الإيمان ضد كل الحقائق.

تعرف روسيا أن الأسد هو شخص صعب التعامل معه، ولذلك استثمرت في إنشاء وجود عسكري وغير عسكري على حد سواء في سوريا، فقد استثمرت روسيا في توسيع قاعدة حميميم وتحديثها في محافظة اللاذقية، كي تؤمّن استقلال القاعدة وحرية التصرف لها في سوريا،  وذلك طبقا للعقد الذي تم ابرامه في 26 أغسطس/آب 2015.

تعمل روسيا – من خلال قاعدة حميميم – على أن تكون مركز قرار في سوريا، وللتحكم في النظام أو على الأقل كبح زمامه، فقد أصدرت، مثلا، أوامر بخصوص إعادة تشكيل القوات وتوزيع المساعدات وتنسيق المصالح، وحتى إعادة تشكيل وفود معارضة الداخل. و تستخدم روسيا قاعدة حميميم كمركز إعلامي روسي سوري أحيانا، فقد اتخذ رئيس هيئة الأركان العامة في جيش النظام العماد عبد الله أيوب في 08 تشرين الأول/أكتوبر 2015  من القاعدة الروسية منبراً لإعلان تشكيل الفيلق الرابع الجديد التابع للجيش السوري، وبعدها بعام تقريبا إعلان تشكيل الفيلق الخامس، الذي يعتبر إحدى أدوات روسيا لتقليص عمل المليشيات المسلحة الرديفة للأسد والمدعومة ايرانياً، واعتبر الفيلق أحد الأدوات لإعادة بناء جيش النظام السوري المنهار فعلياً، وزيادة القدرة الروسية على اتخاذ القرار العسكرية على الأرض السورية. كما أن القاعدة تقوم على إصدار نشرات يومية على موقع هيئة الدفاع الروسية، ولديها صفحة خاصة على موقع الفيسبوك تقوم بنشر البروباجندا الدعائية الروسية في أوساط الجمهور السوري المؤيد لبشار الاسد.

أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، إيجور كوناشينكوف في 23 شباط/فبراير 2016 عن تأسيس مركز المصالحة، بهدف مصالحة الأطراف المتنازعة في سوريا. وقال كوناشينكوف: “وفقا للاتفاق الروسي-الأمريكي، بتاريخ 22 شباط/ فبراير 2016، على وقف إطلاق النار في سوريا، وتنفيذ آلية الرقابة على الالتزام بوقف إطلاق النار، افتتح في قاعدة حميميم الجوية الروسية، مركز لتنسيق العمل، للمصالحة بين الأطراف المتنازعة على أراضي الجمهورية العربية السورية.” وفي وقت سابق، قال اللواء كوناشينكوف أن هذا المركز “سيسهم في التفاوض بشأن التصالح بين السلطات السورية وفصائل المعارضة، باستثناء تنظيمي جبهة النصرة وتنظيم داعش الإرهابيين، وإبرام اتفاقيات وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية.”

ولتبدأ وسائل الإعلام السورية الرسمية والموالية للنظام، إضافة إلى موقع لوزارة الدفاع الروسية ناطق باللغة العربية، بنشر أخباراً يومية عن دور المركز المذكور في إبرام اتفاقيات الهدنة والمصالحة الوطنية، وعن المساعدات الإنسانية التي تقوم القوات الروسية بتوزيعها على المناطق التي توقع اتفاقيات المصالحة مع النظام.

أعطى وجود هذا المركز، رغم الحملة الجوية الروسية وتصريحات الدعم للأسد والدفاع عنه في الأمم المتحدة، أملاً للولايات المتحدة، أن روسيا مستعدة للتفاوض وتريد غير ما يريد بشار الأسد.

إلا أن هذا المركز عمل يداً بيد مع الحملة العسكرية الروسية-السورية، فالمناطق التي خضعت للمشروع المسمّى بـ “المصالحة الوطنية”، تعرضت لسياسة الأرض المحروقة، أو الحصار المطبق والتجويع، ويطلق عليها في النهاية “انتصاراً على الإرهاب.” ينشر المركز أخباراً يومياً عن المصالحات وأسماء بلدات وقرى بالعشرات دخلت ضمن عملية المصالحات، التي يشرف عليها المركز في حميميم.

ومن امثلة هذه الأخبار أن القوات الروسية لعبت دور في حل مشكلات قدسيا والهامة، حيث اضطر أعضاء من لجنة المفاوضات من جانب المعارضة التوجه إلى أحد فنادق دمشق (داما روز)، للقاء المسؤول الروسي عن المنطقة، لتتفاجئ اللجنة أن الروس لا يعلمون عن واقع المنطقة التي يتحدثون عنها. ولكن بعد لقائهم الضباط الروس اختلفت استجابة النظام السوري، ممثلاً في  العميد قيس فروة (ضابط أمن الحرس الجمهوري)، للعملية التفاوضية، حيث باتت الأحداث أسرع ولتدخل الكثير من التعديلات على الاتفاق الأصلي، فقبل لقاء الوفد مع الضباط الروس، كان الحديث عن خروج مسلحي المعارضة من قدسيا إلى منطقة برزة في دمشق (المنطقة التي كانت في حالة هدنة مع النظام منذ فترة طويلة)، وكانت قوائم الأسماء لا تزيد عن ٢٣ مسلح. لكن بعد اللقاء تم فرض وجهة إدلب على المرحلين، وزاد العدد المطلوب خروجهم إلى ١٣٥ شخص، إضافة إلى عائلاتهم.

ولوادي بردى قصة مشابهة، حيث اشتدت في الوادي العمليات العسكرية الروسية، خلال فترة وقف إطلاق النار الأخير، الذي فرضته روسيا بالاتفاق مع تركيا وإيران، خلال التحضير لاجتماع الاستانة. كان الروس هم فعليا من نقض اتفاق إطلاق النار، من خلال العملية العسكرية الجوية على منطقة وادي بردى، خصوصاً عين الفيجة. الجنرال الروسي جينادي ريجوف رئيس مركز التنسيق والمصالحة في المنطقة الجنوبية، كان مُشرفاً على جلسات التفاوض بين الثوار والنظام خلال كانون الأول والثاني/ديسمبر ويناير الماضيين. وكانت له كلمات صارمة، من قبيل أنه على أهالي المنطقة التصالح مع النظام ورفع العلم السوري في المنطقة، وإلا فإن المنطقة سوف تتحول الى أطلال. التهديدات الروسية من قبل الجنرال ريجوف لم تكن كلامية فقط، فقد كان للطيران الروسي، حسب مصادر محلية، خلال الأربعين يوما اليد الطولة في عمليات القصف العنيف والمركز على مناطق عين الفيجة وبسيمة. الحملة العسكرية على وادي بردى انتهت باتفاق يقضي بوقف القتال وخروج الثوار، ومن لا يرغب بـ “المصالحة” الخروج إلى إدلب، بعد عدد من الاتفاقات التي نقضها النظام فور البدء في تنفيذها، بأمر من قيس فروة، وبحضور من الجنرال الروسي ريجوف، والتي شهد أحدها اغتيال اللواء المتقاعد أحمد الغضبان من قبل العميد فروة على حاجز رأس العمود قرب وادي بردى.

للمصالحات الروسية دور إقليمي سياسي في اتفاق المصالحة الذي تم بين وحدات حماية الشعب الـ YPG وقوات النظام السوري، الذي شمل مناطق بريف حلب الشمالي برعاية روسية، وتمت المفاوضات والنقاشات في قاعدة حميميم. شمل الاتفاق عدة بنود، من ضمنها أن تعمل جميع القوات العاملة في المنطقة تحت راية واحدة، علم النظام، ضمن تنسيق مشترك وغرفة عمليات بقيادة النظام السوري، لمحاربة التنظيمات المتطرفة بدعم روسي. ليكون الهدف الواضح من هذه العملية هو قطع الطريق على قوات درع الفرات، المشكلة والمدعومة من تركيا، وهكذا أوقفت روسيا عدواً للنظام وقوت علاقتها بالأكراد.

إن ما يطلق عليه مكتب المصالحة في قاعدة حميميم، ومن خلال ما تمت متابعته ورصده، ما هو الا مكتب إعلامي تستخدمه القوات الروسية لبناء شعبية لها في المناطق السورية، وتظهر للرأي العام السوري على أنها قوات سلام، على عكس القوات المدعومة إيرانيا.

ما يزال يدعي بعض السياسيين أن إنقاذ نظام الأسد هو مجرد ذريعة لاستراتيجية روسية أوسع نطاقاً، ولذلك ليس الأسد ضرورياً لهذه الخطة، ويمكن أن تتخلى روسيا عنه؛ إن كان هذا صحيحاً، ما الذي ستقدمه الولايات المتحدة، العصى أم الجزرة، لفصل روسيا عن الأسد؟ حتى الآن، حصلت روسيا على كل ما تريده، من تعزيز تأثيرها في المنطقة، وإحراج الولايات المتحدة وتقويض دورها.

Read in English

يوسف صداقي

مساعد باحث في مركز أورينت للأبحاث، وعمل سابقاً في عدد من منظمات التنمية السورية والدولية في سوريا وجنوب تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط