صراع روسي-تركي مكتوم في جيب عقيربات

صراع روسي-تركي مكتوم في جيب عقيربات

في بداية شهر يوليو/تموز من العام الجاري سيطرت قوات النظام السوري مدعومة بسلاح الجو الروسي ومليشيات إيرانية على كامل المنطقة الصحراوية الواقعة في مثلث خناصر-إثريا-الرصافة، المتداخلة من حيث التبعية الإدارية لمحافظات حلب والرقة وحماة. وفي منتصف شهر أغسطس/آب من العام الجاري بدأت قوات النظام السوري حملتها على المناطق الخاضعة لسيطرة داعش شرقي حماة، تحديداً شرق مدينة السلمية. حيث بدأ الهجوم من محورين، الأول: انطلاقاً من طريق أثريا-الرصافة الذي تم تأمينه في الهجوم السابق لقوات النظام باتجاه الجنوب. الثاني: انطلاقاً من طريق تدمر- مطار T4 باتجاه الشمال. وقد التقى محوري الهجوم في 19 أغسطس/آب، وأعلن النظام السوري حصاره لجيب عقيربات شرقي مدينة السلمية، والذي تبلغ مساحته 3000 كم مربع ويحوي 10 آلاف مدني وقرابة 350 عنصراً من تنظيم داعش. نتيجة لهذا الهجوم، فقد تنظيم داعش سيطرته على كامل المنطقة الصحراوية الواقعة في الريف الشرقي لمحافظة حماة والريف الجنوبي الشرقي لمحافظة حلب والريف الغربي لمحافظة الرقة، هذه المنطقة الواسعة التي تتصل جغرافياً مع بادية حمص وبادية الحماد.

اعتمدت قوات النظام في هجومها ضد مواقع تنظيم داعش في البادية على سياسة تقطيع الأوصال وعزل مواقع التنظيم عالية التحصين، وفي كل مرة كان النظام السوري يترك مجالاً لقوات داعش للانسحاب من هذه الجيوب المحاصرة، بينما تم اطباق الحصار على جيب عقيربات دون افساح المجال لعناصر التنظيم للانسحاب من هذا الجيب.

تابعت قوات النظام عملياتها العسكرية في تقسيم مواقع تنظيم داعش ضمن جيب عقيربات لتضيق مساحة الجيب المحاصر. في 4 سبتمبر/أيلول 2017، أعلن النظام السوري سيطرته على بلدة عقيربات، وهروب عناصر داعش إلى جبل البلعاس الذي يقع ضمن جيب عقيربات المحاصر. كانت أقرب منطقة لعناصر داعش يمكنهم الهروب إليها هي منطقة الرهجان الواقعة غربي أثريا وتقع تحت سيطرة جبهة النصرة (قطاع البادية). وجرت محاولات لعقد تفاهم مشابه لما حدث في القلمون بين النظام السوري من جهة وتنظيم داعش من جهة أخرى، لخروج الأخير نحو محافظة دير الزور، لكن إصرار روسيا منع حدوث هذا التفاهم، ما ترك تساؤلاً لدى الجميع عن الأسباب وراء ذلك.

إن الأسباب الثانوية وراء هذا الرفض الروسي هي منع تنظيم داعش في دير الزور من الاستفادة من وجود 350 عنصراً من عناصره في المحافظة التي تشهد صراعاً دولياً أحد أركانه روسيا، وارباك جبهة النصرة التي أطلقت معركة أبو دالي القريبة من منطقة الرهجان. بينما يبقى السبب الرئيسي هو عدم رضى الروس عن حالة الصراع الناعم الذي بدى واضحاً بين تركيا وهيئة تحرير الشام (التي تعد جبهة النصرة أبرز مكوناتها)، حيث كان متوقعاً دخول قوات تركية للقضاء على جبهة النصرة في إدلب، ولكن اجتمع الاتراك مع قيادات جبهة النصرة في معبر أطمة الحدودي، وبعدها أنشأت القوات التركية نقاط عسكرية على جبل الشيخ بركات وقرب الطامورة على خط النار الفاصل بين مناطق قسد في عفرين والمناطق المحررة في إدلب. كما اكتفت بنشر عدداً من جنودها في محيط مدينة دارة عزة شمال غرب مدينة إدلب على خط التماس بين قوات المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

رغم دفع روسيا في سبيل إنجاح محور التفاوض في أستانة، فإنها تفضّل أن تغرق تركيا في مستنقع إدلب، من خلال صدام عسكري شامل بين القوات التركية وهيئة تحرير الشام المنتشرة في أغلب المدن والقرى وبين المدنيين في هذه المدن والقرى. ما سينتج عنه خسائر بشرية كبيرة في صفوف المدنيين ودمار كبير في البنى التحتية والمنازل المدمرة أساساً، بسبب الضربات الجوية من قبل النظام والروس على مدار السنوات الماضية.

في الجولة السادسة من جولات مؤتمر أستانة، طرحت روسيا إقامة منطقة “منزوعة السلاح” في منطقة العشائر جنوب إدلب، وأعلنت تشكيل ‏قوات العشائر، حيث ستقوم روسيا بتشكيل قوة من أبناء العشائر في المنطقة الواقعة شرقي سكة القطار في الريف الشرقي لحماة وادلب، كون هذه المنطقة ذات طابع عشائري. والهدف هو اجلاء قوات المعارضة وقوات جبهة النصرة على حد سواء من هذه المنطقة، وتصبح منطقة منزوعة السلاح، وتقوم قوات العشائر باستلام المنطقة كجهة تحفظ الأمن بسلاح متوسط وخفيف. روسيا تريد من هذا الطرح أن تكسب هذه المنطقة الاستراتيجية (الرهجان وما حولها حتى مطار أبو ظهور وجبال الحص في جنوب حلب) والقضاء على أي تهديد هناك، لأن هذه المنطقة تقع بموازاة طريق الامداد البري الرئيسي لمدينة حلب (طريق حماة-أثريا-حلب). قوات العشائر هذه ستكون بقيادة أحمد الدرويش، عضو مجلس الشعب، ‏وزعيم منطقة أبو دالي، الدرويش هو زعيم ميليشيا “جيش الدفاع الوطني” التابعة لقوات النظام السوري، ويسيطر حالياً على الطريق التجاري الواصل بين مناطق النظام في حماة وإدلب، ويسيطر على المعبر الواصل بين المنطقتين المعروف بمعبر أبو دالي، ومن الواضح ان الدرويش سوف يعيد تسمية ميليشاته لتكون هي قوات العشائر.

في ظل هذا السياق، انتشرت مؤخراً تسريبات مفادها أن قيادات من جبهة النصرة تذهب إلى معبر أبو دالي للتفاوض مع الروس بشأن هذا الطرح الروسي والمنطقة منزوعة السلاح. هذه التسريبات ومن قبلها تسريبات صوتية تسخر من عمل الشرعيين في هيئة تحرير الشام وتسخر من قرارات أبو محمد الجولاني، خاصة تلك المرتبطة بإنهاء وجود فصائل المعارضة في الشمال، والتي كان آخرها حركة أحرار الشام. بالإضافة إلى اتهام حركة نور الدين الزنكي -المنشقة حديثاً عن هيئة تحرير الشام – الجولاني بالتنسيق مع إيران. سببت هذه التسريبات خلخلة كبيرة في صفوف جبهة النصرة، لأن الجبهة تتعامل بشكل مباشر مع ميليشيات النظام وروسيا وإيران. بعد هذه التسريبات بأيام، وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول شنت جبهة النصرة هجوماً ضد قرية أبو دالي في ريف حماة الشرقي وسيطرت على البلدة.

في 9 أكتوبر/تشرين الأول تفاجأت مجموعات جبهة النصرة (في قاطع البادية) في الساعة ثلاثة صباحاً أن مجموعات تابعة لتنظيم داعش تحاصر مقراتها في منطقة الرهجان، حيث وصلت هذه المجموعات من جبل البلعاس إلى منطقة الرهجان وعبرت مسافة 10 كم ضمن مناطق سيطرة النظام بدون سماع أية أصوات اشتباك في المنطقة، ما يدل على اتفاق بين داعش والنظام أو روسيا. وصلت قوات التنظيم إلى منطقة الرهجان مع سلاحها الثقيل الذي كان عبارة عن ثلاثة دبابات وعربة نقل جنود BMB وأربعة رشاشات ثقيلة وست مفخخات. تمكنت هذه القوات من السيطرة بشكل سريع على 15 قرية في محيط الرهجان، وقتل خلال الاشتباكات 25 عنصراً من جبهة النصرة وثلاثة قادة. امتصت جبهة النصرة الصدمة سريعا، وتمكنت من تنظيم قواتها ومحاصرة مجموعات داعش في هذه القرى.

ظهور تنظيم داعش مجدداً في إدلب سيحمّل هيئة تحرير الشام تبعات قد تنتهي بفشل التفاوض مع تركيا، حيث أن تركيا ستطالب بدخول عناصر من قوات درع الفرات وفصائل أخرى إلى ريف حماة الشرقي لمقاتلة تنظيم داعش في حال بقي موجوداً وهذا – أي دخول قوات الجيش الحر- ما ترفضه جبهة النصرة رفضاً قاطعاً، ليس من باب عقائدي ديني، إنما لأسباب سياسية وعسكرية، حيث أنه سيزيد من تعقيد خريطة السيطرة، فقد سعت النصرة خلال ثلاث سنوات إلى استتباب السيطرة المطلقة لها في إدلب.

وفي حال عدم تمكن جبهة النصرة من القضاء على هذه المجموعات من داعش، وعدم قيام تركيا بإدخال قوات من الجيش الحر لاستعادة السيطرة على الرهجان كاملاً، فسيكون لروسيا والنظام وإيران حجة جاهزة للدخول إلى المنطقة بحجة محاربة تنظيم داعش، وبالتالي السيطرة على بقعة جغرافية أكبر من الرهجان قد تمتد لريف إدلب الشرقي وريف حلب الجنوبي. تريد روسيا الانتهاء من ملف جبهة النصرة التي من الممكن أن تكون أداة وظيفية لتركيا لضرب قوات قسد في عفرين، ووصل المنطقة شمال حلب مع غربها جغرافياً وإنهاء تهديد قوات قسد المتواجدة في عفرين. أو تحول الجبهة لأداة وظيفية للاعبين أساسيين أخرين في الملف السوري وعودة القتال مع قوات النظام السوري.

بين التدخل التركي من الشمال ودخول تنظيم داعش من الجنوب، يقع صراع داخلي ضمن هيئة تحرير الشام نفسها، مع تزايد ‏الاستقطاب بين التيار الأيديولوجي بقيادة أبو جابر الشيخ وأبو ماريا القحطاني وعدد من شرعيي جبهة النصرة من جهة والتيار البراجماتي بقيادة الجولاني من جهة أخرى، خاصة بعد هجوم جبهة النصرة على حركة أحرار الشام والتسريبات التي انتشرت مؤخراً. الأيام القادمة ستوضح خريطة السيطرة أكثر. لكن من الواضح تعمد الروس ومن خلفهم النظام السوري خلق هذه البلبلة في منطقة حساسة مثل هذه في توقيت أكثر حساسية من أجل استعادة السيطرة على منطقة الرهجان وما حولها.

اشترك في نشرتنا English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية.

كارثة صحية في الغوطة الشرقية

يتداعى الوضع الطبي في غوطة دمشق الشرقية، حصار النظام السوري على المنطقة مستمر منذ أربعة أعوام، ما ينذر بكارثة صحية قريباً، ضحيتها المدنيون الذين يحتاجون لعلاج يبعد عنهم عدة كيلومترات فقط في العاصمة دمشق، لكن لا يستطيعون الذهاب إليه.