الرياض والقاهرة: علاقة تقارب

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الأحد الماضي، بزيارة رسمية للرياض، وتأتي هذه الزيارة في وقت يتزامن مع العديد من التكهنات بشأن العلاقات السعودية المصرية، خاصة عقب الالتباس حول وضع جزيرتي تيران وصنافير، إلا أن الكثير من هذه التكهنات قد تركز على العناصر الأقل أهمية في العلاقة. 

 الأهم والذي يجب أن نضعه في الاعتبار بشأن موقف الرياض حيال مصر هو عنوان رئيسي لا يخفت: مصر أكبر من أن تسقط؛ يقدر تعداد سكان مصر بحوالي مئة مليون مواطن، أي ربع سكان الوطن العربي. هناك جدل حول النفوذ السياسي والثقافي لمصر في عام 2017 بالمنطقة وحول العالم، لكن بغض الطرف عن هذه المناقشة، فإن ما يشغل الرياض بالأساس، كما هو الحال مع معظم دول مجلس التعاون الخليجي، إن لم يكن دول المنطقة بأسرها، هو الحفاظ على مصر من السقوط. لن يتجاسر الكثير لدفع مصر كي تتحول إلى الوضع السوري أو الليبي. حين يردد قادة السعودية ودول الخليج بشكل عام “مصر أكبر من أن تسقط”، فإنهم يعنون ذلك تماما.

المفارقة أن سقوط مصر يعتبر تصور كارثي، إلا أنه فكرة غير محتملة الحدوث. هناك بعض المحللين والمعلقين الذين تكهنوا، بين عامي 2013 و2014، باحتمال تكرار السيناريو الجزائري في مصر، يعود ذلك للقياس على دولة عربية أخرى شهدت نهاية للعملية السياسية بتدخل عسكري ضد الحركة الإسلامية، التي كانت قد فازت بالأغلبية في البلاد؛ عانت الجزائر من حرب أهلية مدمرة بسبب الاضطرابات التي حدثت بعدها – وأكد البعض أن هذا هو الطريق الذي تسير إليه مصر.

لحسن الحظ انها لم تكن نفس الحالة في مصر، بعد أربع سنوات من الإطاحة بجماعة الاخوان المسلمين من السلطة، وحظر حركتها وحزبها السياسي. فإن هناك العديد من المشاكل والقضايا التي يجب التعامل معها، إلا أن السيناريو الجزائري في مصر ليس من ضمن هذه المشاكل؛ وما يزال هذا السيناريو احتمالية بعيدة الحدوث، فالديموغرافية ليست متشابهة، وتقسيم السلطات ليس متشابهاً، وتقسيم التأييد الشعبي للقوى السياسية المختلفة ليس متشابهاً، توزيع الأسلحة ليس متشابها، كما أن توزيع الكثافة السكانية مختلف.

على الرغم من ذلك، فإن القاهرة تعلم أن زعزعة الاستقرار هو ما يخيف دول مجلس التعاون الخليجي بشكل رئيسي، كما أنه يخيف العالم عموما. بصراحة، هي مخاوف مشروعة – ذلك لأنه ما بين صورة الدولة المزدهرة وصورة الدولة المنهارة؛ هناك احتماليات كثير يمكن أن تظهر، تعلم الرياض ذلك تمام العلم، وتعمل بعقلية تسعى لتجنب ذلك، فهي توفر الدعم، في شكل مساعدات واستثمارات ودعم للطاقة ودعم سياسي، بدون وضع شروط مسبقة، على عكس الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي على سبيل المثال.

ومع ذلك، هناك شرطان يجب أخذهما في الاعتبار عند النظر إلى نموذج الهبات السعودية التي تزايدت حتى وقت قريب. الشرط الأول هو قضية جزيرتي تيران وصنافير، كان من المفترض أن هذا هو شرط السعودية لاستمرار تلقي الدعم من الرياض، والتي كانت دوما تعتبر الجزيرتين سعوديتين تحت “الحماية المصرية” لعقود.

من الواضح أن هناك جدل حول ما إذا كانت الجزيرتان سعوديتان أم مصريتان، لكن هذا غير هام في سياق حديثنا. ما هو متصل بحديثنا هو أن الرياض تريد هاتين الجزيرتين، واعتقد المسئولون السعوديون أنهم حصلوا على التزام قاطع من قبل القاهرة بتسليم الجزيرتين. حين تدخل القضاء المصري ليطيح بهذه العملية، وذلك عقب احتجاجات شعبية من قبل المصريين ضد نقل السيادة على الجزيرتين، أصيبت الرياض بإحباط شديد. لم يكن الأمر يتعلق بالجزيرتين بقدر ما كان يتعلق الأمر بالتصور أن القاهرة تراجعت عن الصفقة. ولولا أن القاهرة منحت تأكيدات بتسليم الجزيرتين، فإنه كان من المتوقع أن تستمر العلاقات في التدهور. إلا أن الالتزام بتسليم الجزيرتين، والمشفوع بفشل في تنفيذ هذا الالتزام، عنى من وجهة نظر الرياض، أن مصر لم تحفظ وعودها. في الأسابيع الماضية، أعطت تحركات السلطات التنفيذية حيال القضاء في مصر انطباعاً بأن مصر سوف تلتزم بوعدها – حتى وإن تم ذلك على المدى المتوسط والطويل، يبدو أن هذه التحركات تكفي.

إلا أن علاقة القاهرة بالرياض أعمق من قضية الجزيرتين، القضايا الأساسية بالمنطقة التي تهتم بها السعودية ترجع إلى قضيتين: المسألة الإيرانية، وتهديد تنظيم داعش.

بالطبع هناك حالة من الإحباط في الرياض بشأن موقف مصر في سوريا، حيث أن القاهرة تميل إلى دعم الموقف الروسي المساند لبشار الأسد، أكثر من ميلها للموقف السعودي. كما إن الرياض كانت تريد دعما أكبر من القاهرة في حملتها على اليمن، وهو الأمر الذي لقي مقاومة شديدة من قبل النخبة السياسية والعسكرية بالقاهرة. على الرغم من ذلك، فإن الرياض ترى القاهرة على “الجانب الصحيح” فيما يتعلق بالانقسام السني العربي/الإيراني الشيعي. مصر هي الدولة العربية الأكبر، وهي على كل حال دولة سنية إلى حد كبير، والأولوية لدى السعودية هو أن تقاوم المخططات الإيرانية في العالم العربي، ولا يمكنها القيام بذلك بدون القاهرة في هذا النزاع الجيوسياسي.

ترى الرياض أن تنامي تنظيم داعش هو تهديد آخر، بالرغم من أن السعودية لديها علاقة معقدة مع التنظيم فيما يتعلق بالمصادر الأيديولوجية لهذه الجماعة المتطرفة. في هذا الشأن، إن القاهرة أيضا على الجانب الصحيح، فهي تناهض تنظيم داعش كأشد ما يكون.

في الواقع، القاهرة تناهض مختلف أشكال الإسلام السياسي – بما في ذلك النماذج الذي تتعامل معها الرياض بشكل براجماتي، بما في ذلك جماعة الاخوان المسلمين. يجب ألا ننسى أن تحركات الرياض في اليمن وسوريا تتصل بالتعاون مع عناصر من جماعة الاخوان المسلمين. لكن، ومرة أخرى، اختلاف في وجهات النظر مع القاهرة كهذا يعتبر قضية هامشية، ولن يقوض العلاقات، بل إنه لن يشكل أي توتر في العلاقات.

من ثم، فإن القاهرة تشعر بالارتياح – لكن، لا يجب عليها ذلك، وهو ما يقودنا للشرط الثاني فيما يتصل بالشروط المتعلقة بالعلاقات الاقتصادية بين السعودية ومصر. في الواقع، فإن التحديات الاقتصادية والديموغرافية في السعودية تحول دون إمكانية إرسال كميات ضخمة من المساعدات لمصر. ربما أكثر من أي دولة خليجية أخرى، وهذه التحديات تعني أنه على المدى المتوسط والطويل، فإن السعودية ببساطة لن تتخيل أنها تستطيع التخفيف من الضغوط الاقتصادية في مصر. لا يعني هذا تغير الشروط فيما يتعلق بالتشجيع على إجراء إصلاحات ترغب الرياض في رؤية مصر تقوم بها، لتجعلها أكثر استقراراً على المدى المتوسط والطويل، ولكن يعني أنها ستنتقل إلى مزيد من الاستثمارات.

ربما بعد أن تنتهي الأزمة في مواقف أخرى، تقوم السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بجمع زخمها لتشجيع إصلاحات استراتيجية في مصر، لكن حتى هذا التغيير الذي يستهدف المدى المتوسط والمدى الطويل يبدو مشكوكاً فيه، فالسعودية لم تتمكن من تشكيل هذا النوع من الإصلاح في أي مكان آخر، وعادة ما تعطي الأولوية للاستقرار قصير المدى في كل مكان آخر، وفي هذا السياق، فإن السعودية لا تختلف كثيراً عن أغلب الدول الغربية، كالولايات المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. والقاهرة تعي ذلك أيضا، وبناء عليه، فإن العلاقات بين الرياض والقاهرة تظل مستقرة بشكل نسبي.

Read in English

هـ. أ. هيالر

كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات الانتقال في الدول العربية وحقوق الانسان.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط