الصراع بين الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد

الصراع بين الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد

 اشترك في نشرتنا 

بتاريخ 10 أكتوبر/تشرين الأول، قامت الجبهة الشامية بتسليم معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا إلى الحكومة السورية المؤقتة بكافة كوادره البشرية وموارده المالية، في سياق تمكين الحكومة السورية المؤقتة المنبثقة عن الائتلاف السوري المعارض وتثبيت شرعيتها في المناطق المحررة.

خضع معبر باب السلامة للجبهة الشامية التي كانت تستفيد من موارده المالية، وكانت الجبهة قد قامت في وقت سابق بإنشاء معبر في بلدة الحمران على نقاط التماس مع مدينة منبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وذلك بهدف إيقاف عمليات التهريب التي تنتشر بكثرة في تلك المنطقة، ولتسهيل عمليات نقل البضائع من وإلى مدينة منبج، وقطع الطريق على تحول البلدة إلى بؤرة تهريب قد تشكل خطرًا على المناطق المحررة، على أن تكون عائدات المعبر بين الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد.

قبل ذلك في 18 سبتمبر/أيلول 2017 قامت الحكومة المؤقتة والمجلس الإسلامي السوري بدعوة الفصائل العسكرية العاملة في مختلف المناطق المحررة للعمل على التوحد ضمن جيش وطني موحد، تحت مظلة وزارة الدفاع وهيئة الأركان التي شكلتها الحكومة، واستجابت لتلك الدعوة عدة فصائل في الريف الشمالي منها الجبهة الشامية والسلطان مراد، وفي هذا السياق قامت الجبهة الشامية بتسليم إدارة معبر باب السلامة إلى الحكومة المؤقتة ممثلة في وزارة الداخلية وإدارة الهجرة والجوازات.

لكن قائد فرقة السلطان مراد العقيد “أحمد العثمان” صرّح لجريدة عنب بلدي بأن الفصائل العسكرية في ريف حلب الشمالي تعمل على تشكيل جيش موحد تحت مظلة هيئة الأركان، وأنه يأمل بأن يشرف هذا الجيش على كافة المعابر بإدارة موحدة. يأتي تصريحه في سياق استجابة فرقة السلطان مراد لدعوة الحكومة السورية المؤقتة والمجلس الإسلامي السوري لتشكيل جيش موحد، إلا أنه أوضح بأنه يختلف معها حول الجهة المخولة بإدارة المعابر، حيث أظهر إصراره على بقاء ملف المعابر بيد الفصائل، وذلك انطلاقًا من خلفيته العسكرية التي ترى لزوم بقاء الموارد الثقيلة في يد الفصائل العسكرية، إضافة إلى حقيقة كون فرقة السلطان مراد تحظى بأفضلية لدى تركيا أكثر من تلك التي تحظى بها الحكومة المؤقتة أو الجبهة الشامية، على الرغم من اختلاف البُنى والوظيفة، وذلك تبعًا للسياسة التركية في ريف حلب الشمالي، والذي تفضلُ أن تكون الأطراف التي تتعامل معها فيه شريكًا منفذًا لما تقرره لا أن يكونوا منافسين، أو مُعطِّلين لما ترسمه أو تقرّره، الأمر الذي سيكون صعبًا خلال تعاملها مع الحكومة المؤقتة ككيان يحملُ صفة وهيكلية الدولة، أو الجبهة الشامية كفصيل ثوري قديم يمتلكُ رؤيته الخاصة للإدارة، مُقارنة بفرقة السلطان مراد التي لا تتبنى أية رؤية، ويشكلُ تركمان سوريا المُكوّنَ الغالب لها، ما يجعلها أقرب اجتماعيًا إلى تركيا وأكثر قابلية للانسجام مع الرؤية التركية في الريف الشمالي عن غيرها من الفصائل والأطراف الأخرى، وهذا يدفعها بشكل تراكميٍّ للشعور بأفضليتها لاستلام المعابر والمرافق التي تتضمن انخراطًا واحتكاكًا مباشرًا مع الطرف التركي.

يعبّرُ تصريح العقيد أحمد العثمان عن رفضٍ مُبطَّنٍ لتسليم المعبر لمؤسسة مدنية، ورغبة بأن يكون خاضعًا للجيش الموحد الذي سيتشكل من جميع الفصائل، وأن تكون عائداته لصالح الجيش بشكل مباشر. إن هذا الرفضَ يعني بالمبدأ والمآل وجود موقفٍ سلبيّ من النموذج المدني للإدارة، والذي تخطط الحكومة المؤقتة لإقامته في الريف الشمالي، والذي لو تم فإنه سيحدُّ من تدخل الفصائل في التخصصات غير العسكرية، وبالتالي يقطع الطريق على استفادتهم من موارد المعبر، كونه يتطلب نقل مسؤولية الإشراف على المعابر لمؤسسة الهجرة والجوازات في الحكومة المؤقتة. 

بداية القتال

بعد تسليم الجبهة الشامية معبر باب السلامة للحكومة المؤقتة، عزمت الجبهة تسليم معبر الحمدان إلى الحكومة المؤقتة، إلا أن خطوة الجبهة الشامية هددت بشكل مباشر مصالح فرقة السلطان مراد المالية، لأن لها جزءًا من عائدات هذا المعبر، خصوصًا بعد الفشل في تفعيل معبر الراعي والذي كانت الفرقة تأمل بالسيطرة عليه وإدارته، الأمر الذي دعا فصيل السلطان مراد لإعادة حساباته واتخاذ قرار الهجوم على الجبهة الشامية.

بدأ الهجوم في 15 أكتوبر/تشرين الأول على المقرات العسكرية للجبهة الشامية في قرية الحمران التابعة لبلدة الغندورة على خط التماس مع قوات سوريا الديموقراطية في مدينة منبج، وقام جنود فرقة السلطان مراد بقطع الطريق بين إعزاز وجرابلس، وامتد هجومهم ليشمل مختلف المناطق التي تشهد انتشارًا لنقاط رباط كلا الفصيلين في الريف المحرر، ما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا والجرحى، من المدنيين والعسكريين، من الطرفيين، ووقوع عدد من جنود فرقة السلطان مراد أسرى بيد الشامية.

انضمت فرقة الحمزة المنضوية في فرقة السلطان مراد للهجوم على الجبهة الشامية، حيث قامت فرقة الحمزة بالهجوم على مقرات الجبهة الشامية، وقامت الجبهة بالردّ والسيطرة على أحد حواجز الحمزة، وحصلت اشتباكات مماثلة في سوق المازوت بين السلطان مراد وكتلة الشامية.

تم تسريب تسجيلات صوتية لقادة عسكريين في فرقة السلطان مراد، يتضحُ من خلالها أن مشكلة قادة فرقة السلطان مراد الأساسية هي موقفهم من خطوة الجبهة الشامية إزاء تسليم المعابر للحكومة المؤقتة، وأعرب القائد العسكري خلال التسجيل الصوتي الذي كان يحثُّ ويخاطب من خلاله عناصره، عن نيته القضاء على الجبهة الشامية، ودعا عناصره للتهيؤ لهذا الامر.

امتدت الاشتباكات إلى بلدة “تركمان بارح” التي تعد معقلًا لقوات فرقة السلطان مراد، ونقلت قناة حلب اليوم تصريحًا يعودُ لرئيس المجلس الشرعي في حلب “محمد ياسر أبو كشة” بأن عناصر من السلطان مراد قاموا بإطلاق النار على مدرسة تركمان بارح الثانوية خلال وجود الطلاب فيها، ودعا كلا الفصيلين إلى تحييد المدنيين والمدارس عن القتال.

وساطات الحل وبنود الاتفاق

وجهت وزارة الدفاع والمجلس الإسلامي السوري ومجالس محلية وشخصيات ثورية دعوات لكلا الفصيلين لوقف الاقتتال، وتوسطت للحل بينهما، فأعلنت كلٌّ من كتلة الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد في بيانين لهما قبولهما لدعوة الوسطاء.

لكن هجوم قوات السلطان مراد لم يتوقف بالرغم من قبوله بالوساطة، واستمرت الاشتباكات في مناطق عدة، وتجددت الوقفات الشعبية ودعوات وزارة الدفاع والمجلس الإسلامي وشخصيات ثورية مستقلة لوقف الاقتتال، واستمر القتال والتوتر إلى اليوم التالي 16أكتوبر/تشرين الأول ليتم بعدها التوصل إلى اتفاق رعته الحكومة المؤقتة في اليوم التالي، بعد عقد اجتماع حضره كل من الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد وكتلة الجيش الوطني (البرنامج التركي للتدريب) وهيئة الأركان وشخصيات ثورية ولجنة المجلس الإسلامي السوري، وكان من ضمن تلك البنود المتفق عليها:

  1. تثبيت وقف إطلاق النار وسحب المظاهر المسلحة.
  2. إطلاق سراح الموقوفين من الطرفين فورًا.
  3. تسليم إدارة المعابر الحالية وأي معبر يتم إنشاؤه لاحقًا إلى الحكومة المؤقتة.
  4. تشكيل لجنة قضائية للبت في قضايا الحقوق بين الطرفين.
  5. تعهُّد الفصائل بالتزام القرارات الصادرة عن وزارة الدفاع وهيئة الأركان.

الخاتمة

  1. إن ضعف الترسيخ الميداني لمؤسسات الحكومة السورية المؤقتة، المنبثقة عن الائتلاف السوري المعارض في المناطق المحررة عامة وريف حلب الشمالي خاصّة، يعدُّ أحد الأسباب غير المباشرة المسؤولة عن فوضوية الملف العسكري للثورة، وسيادة الفصائلية كحالة اجتماعية، وغياب السلطة القضائية العامة، وتداخل المهام بين المؤسسات المدنية والعسكرية في علاقتها مع المدنيين.
  2. إن غياب السلطة القضائية العامة في الريف الشمالي، وقوات الشرطة كجهة قانونية مخولة لتنفيذ مخرجات تلك السلطة، يؤسس لتنامي دور الوجاهات المحلية والشخصيات السورية المستقلة، في حل الخلافات بين الفصائل، كما أنه يكرِّس واقع تعدد المحاكم تبعًا لاختلاف مناطق النفوذ، الأمر الذي يضفي على الثورة وتفاصيلها طابع الحركة المنفلتة الفوضوية، ويخلُّ بعدالة وأمن المجتمع، ويعطل مصالح المدنيين، وهذا يضع الجهات الدولية الحليفة والمؤثرة في الثورة أمام مسؤولية الضغط باتجاه إنهاء الحكم الفصائلي في المناطق المحررة عامة، والريف الشمالي خاصة.
  3. يعد بحث الفصائل العسكرية عن مصادر تمويل إضافية وتوسيع مناطق النفوذ الميداني، السبب الأكثر فعاليّة لإشعال الصراع والقتال بين فصائل الريف الشمالي، قياسًا بالعامل الأيديولوجي الذي يعدُّ هامشيًا وضعيفًا في إشعال فتيل الصراعات، حيث لم يتم تسجيل أي معركة أو نزاع بيني في الريف الشمالي، كانت الأيديولوجيا سببًا رئيسيًا فيه منذ انتهاء عملية درع الفرات بتاريخ 29 مارس/آذار 2017.
  4. إن تراجع حس المبادرة لدى فصائل الثورة عامة والريف الشمالي خاصة، مهّدَ وسهّلَ لتحوّلها لأداة وظيفية في الثورة، تجدُ فيها الدولُ المؤثرة بالملف السوري ثغرة يمكنُها تأمينُ مصالِحِها عبرها، أو إضعاف مصالح الدول الأخرى، وذلك باللعب على وتر انقسام الفصائل وهاجِس النفوذ وحاجِتها إلى التمويل، الأمر الذي يُحتِّم على تلك الفصائل إعادة النظر في سياساتها والدور الذي تتمركز فيه.

يجب دعم خطوة الحكومة المؤقتة في استلام المعابر الحدودية للمناطق المحررة، لتثبيت المشروع الوطني ممثلًا بحكومة المؤسسات. وحصر النشاطات الأمنية والعسكرية بوزارتي الدفاع والداخلية، لإنهاء النموذج الفصائلي، والتقدم باتجاه صياغة نموذج للإدارة والحكم المدني في مناطق الشمال المحررة، يمكن استخدامه كورقة قوة في مرحلة التحولات التي تمر بها سوريا بعد عامين على التدخل الروسي، وتطبيق اتفاقيات خفض التصعيد، والحديث عن الأستانة (7) والرياض (2).

اشترك في نشرتنا English

محمد ديرانية

كاتب وباحث سوري من داريا، مختص بقضايا الثورة السورية والمجتمع المدني، عمل لثلاث سنوات مع منظمات دولية في قطاع تمكين المجتمعات المحلية، ويعمل حاليًا كباحث متعاون مع عدد من مراكز الدراسات والصحف العربية.

شاهد أيضاً

السعودية: ضرورة مراجعة الروابط الآن

التقارير التي أعلنت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشجقي أضاف المزيد من الثقل والإلحاح لشيء كان قد أوصى به كاتب المقال منذ أسابيع مضت.

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.