عناصر الدفاع المدني في مهمة انتحارية في الغوطة الشرقية

عناصر الدفاع المدني في مهمة انتحارية في الغوطة الشرقية

اشترك في نشرتنا 

فقد الدفاع المدني السوري في ريف دمشق عشرة من عناصره خلال الحملة الأخيرة لنظام الأسد على الغوطة الشرقية، وقال سراج محمود، الناطق باسم الدفاع المدني أن من بين القتلى محمد قاسم مصاروة، أحد مؤسسي الدفاع المدني في الغوطة، وأصيب 25 آخرون بجروح.

وأضاف محمود أن معظم مراكز الدفاع المدني وآلياته في الغوطة الشرقية خرجت عن الخدمة نتيجة تعرضها لقصف من النظام السوري بشتى أنواع الأسلحة، وما زاد من صعوبة عمل الدفاع المدني تضرر البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى مناطق القصف، نتيجة خروج الطرق الواصلة إليها عن الخدمة، واستهداف فرقهم بشكل مباشر.

وتتجلى تحديات عمل الدفاع المدني في الغوطة الشرقية في جانبين، الجانب الأول فيما يتعلق بصعوبات عمليات إجلاء المصابين وانتشالهم من تحت الأنقاض، والآخر فيما يتعلق بالسلامة الشخصية في سياق حملة هي الأعنف على الغوطة الشرقية.

تحديات مهنية

وفي هذا الصدد، يقول أبو فهد عامر، عنصر ميداني في الدفاع المدني بالغوطة الشرقية: “تأثير قصف النظام على الغوطة الشرقية في الفترة الأخيرة لا يوصف” لأن النظام وحلفاؤه يستخدمون “صواريخ شديدة الانفجار، وصواريخ فراغية وارتجاجية، ما يتسبب بتهدم مباني بأكملها، ويزيد من صعوبة إنقاذ مدنيين على قيد الحياة من تحت الأنقاض”. يضيف أبو فهد “في استهداف الغوطة بصواريخ عادية، يسارع عناصر الدفاع المدني إلى مكان القصف، ويتوجهون بالمصاب إلى أقرب نقطة طبية، أما في حالات القصف بصواريخ شديدة الانفجار والارتجاجية، والتي تتعرض لها الغوطة خلال الفترة الأخيرة، فإن عملية الإنقاذ قد تأخذ ستة أو سبعة ساعات، وتتضاءل إمكانية إنقاذ حياة المدنيين.

استخدام الأسلحة الأكثر فتكاً زادت من مخاطر تعرض عناصر الإنقاذ للإصابة. يقول أبو فهد، خلال عملية إجلاء جرحى في إحدى بلدات الغوطة الشرقية، تعرض المكان لقصف بصاروخ مظلي، إضافة لثلاثة قذائف على المكان ذاته ما أدى إلى إصابة عنصرين من الدفاع المدني.

يتحمل الدفاع المدني في الغوطة الشرقية أعباء تفوق الإمكانيات والآليات المتوفرة في منطقة محاصرة منذ نحو خمس سنوات، وبحسب ما ذكر عامر “نقص المعدات أمر مفروغ منه، نعاني بشكل حاد من نقص المعدات، فالغوطة محاصرة، وما لدينا لا يكفي مقارنة بحجم العمليات التي نقوم بها”. ويضيف “نقص المعدات الثقيلة كالبواكير والرافعات يضطرنا لاستخدام معدات يدوية، وكمبريصات صغيرة، وخلال الأيام العشر الأخيرة انخفض عمل الدفاع المدني بنسبة 70% نظراً لشدة القصف والاستهداف الممنهج للمراكز الحيوية والطرق والمشافي”.

وعملياً فإن نقص المعدات يعني فقدان مزيد من الأرواح، فهناك فرق بين انتشال المصاب من تحت الأنقاض بمدة زمنية لا تتجاوز نصف ساعة وهو على قيد الحياة، وبين انتشاله في ثلاث ساعات وقد فارق الحياة، بحسب عامر.

من جانبه قال فراس الكحال، إعلامي لدى الدفاع المدني في قطاع دوما “الحصار المفروض على الغوطة الشرقية حرمنا من المعدات المستخدمة لدى فرق الدفاع المدني خارج سوريا، سواء من ناحية إمكانياتها ووسائل السلامة فيها”. وأضاف “ولا يمكننا إعادة تأهيل المعدات الموجودة في حال خروجها، لعدم توفر قطع الغيار، وهذا يجعلنا نعاني من نقص حاد من المعدات مع مرور الوقت، ويكون التعويض بالكوادر البشري مما يزيد من مخاطر إصابتنا”.

قصص شخصية

اهتمت وسائل الإعلام المحلية والعالمية بإنجازات الدفاع المدني في سوريا، وركزت على التحديات المهنية التي تواجه كوادره، ولكن ظروفهم الشخصية وحياتهم الخاصة كانت بعيدة نوعاً ما، رغم أن لكل عنصر من عناصر الدفاع المدني عشرات القصص الشخصية التي تحمل معاناته الشخصية، بحسب ما ذكر عدد من عناصر الدفاع المدني.

وفي هذا السياق، ذكر أبو فهد عامر، قصة حدثت معه في الثالث من شهر يناير/كانون الثاني 2018، عندما تعرضت بلدة مسرابا في الغوطة الشرقية لقصف بخمس غارات جوية محملة بصواريخ ارتجاجية، وقال عامر في ذلك اليوم قتل نحو 20 مدنياً وأصيب 85 بجروح، بينهم 16 إصابة من عائلتي. وأضاف عامر “عندما وصلت إلى مكان القصف فوجئت بأن البناء الذي تعيش فيه عائلتي مدمر بالكامل، وحاولت أن أتعامل مع المصابين من عائلتي مثل باقي المصابين دون أن تمييز، وهذا واجبي المهني، ولكن الضغط النفسي كان كبير جداً”.

من جانبه يقول فراس الكحال “الأخطار المحدقة بعناصر الدفاع المدني كبيرة جداً، لذلك قبل توجهي للعمل الميداني أودع عائلتي وكأني لن أعود، خاصة أن طبيعة عملي تحتّم عليّ التواجد في مكان القصف، مشيراً أن خلال فترة عمله “تعيش عائلته حالة نفسية صعبة”.

أما مؤيد الحافي، أحد كوادر الدفاع المدني في القطاع الأوسط بالغوطة الشرقية، كاد أن يكون أحد ضحايا القصف أثناء قيامه بواجبه الإنساني، وقال الحافي “كنت مع زملائي في عمل ميداني لإجلاء الجرحى، فتم استهدافنا بغارة جوية، كدنا أن نكون ضحايا جدد ولكن الله سلم“.

نعمل رغم كل الصعوبات

“نواصل عملنا دون توقف، فهو واجب مهما كانت وتيرة القصف، أو حملات النظام، فواجبنا تجاه المدنيين يحتّم علينا ذلك”، هذا ما قاله مؤيد الحافي. وخلال الأيام القليلة الماضية، يشهد القطاع الأوسط في الغوطة الشرقية، حيث يعمل الحافي، حملة قصف غير مسبوق، ما اضطره إلى العمل لساعات طويلة دون راحة، وقال بأنه “ينام في اليوم ساعتين أو ثلاثة بشكل متقطع”، مشيراً أن أي تقصير من عناصر الدفاع المدني رغم كل الظروف المحيطة ستكلف ارتقاء أرواح المدنيين.

وبدوره قال سراج محمود، الناطق الرسمي باسم الدفاع المدني، بعد هذه الحملة الكبيرة لنظام الأسد على الغوطة الشرقية، فقدنا كل شيء من آليات ومراكز دفاع مدني، ولكن أصوات النساء والأطفال من تحت الأنقاض تحتّم علينا العمل بأيدينا”. وأضاف “عنصر الدفاع المدني يكون في أسعد لحظاته عندما ينجح في إخراج ناجٍ من تحت الأنقاض وهو لا يزال على قيد الحياة”.

يذكر أن راتب عنصر الدفاع المدني في الغوطة الشرقية 150 دولار شهرياً، ويضاف إليه بدل طعام بقيمة 80 دولار، وكل ثلاثة شهور يحصل العنصر على بدل راتب بحدود 150 دولار تقريباً بحسب ما ذكر أحد عناصر الدفاع المدني. وتعوّض إدارة الدفاع المدني كوادرها في حال الإصابة، إذ يتلقى العنصر تعويضاً عن كل 1% من العجز بقيمة 20 دولار أمريكي، وتعوض عائلة المتطوع في حال مقتله بقيمة 600 دولار أمريكي كل ثلاثة شهور، بحسب ما ذكر مدير الدفاع المدني في سوريا رائد الصالح، وأكده عنصر من الدفاع المدني في الغوطة الشرقية.

اشترك في نشرتنا English

ماهر الحمدان

صحفي سوري عمل مع عدد من المنظمات الدولية والحقوقية.

شاهد أيضاً

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.