مخاطر العمل الصحفي في سوريا: من ينقل الحقيقة؟

شهد العام الماضي 2015 انخفاضاً في عدد الضحايا من الصحفيين في سوريا، حسب تقرير لجنة حماية الصحفيين السنوي، الذي أكد أنه قُتل 14 صحفياً، ولكن هذا الانخفاض لم يكن ناتجاً عن تراجع نسبة استهداف الصحفيين العاملين في سوريا، توضح اللجنة أن ذلك الانخفاض جاء بعد أن قررت مؤسسات صحفية وإعلامية دولية عديدة عدم إرسال العاملين فيها إلى سوريا. يضاف إلى ذلك هجرة الكثير من الصحفيين المحليين إلى خارج سوريا.

ينبغي أن نرحب بهذا الخبر بتفاؤل حذر، لأن أي خبر عن انخفاض في عدد القتلى يستحق الترحاب، ولكن العدد ما زال مرتفعاً، كما أن أسباب الانخفاض تستحق تدقيق النظر فيها، لما لها من خطورة أيضاً، على نقل صورة مهنية لما يجري في سوريا.

برزت مهنة الصحافة مع بداية الثورة السورية عام 2011، كذراع داعمة للمظاهرات ضد نظام الحكم، وعين ترصد وتوثق، كل ما يجري من انتهاكات تقوم بها قوات النظام، والمسلحون التابعون له، وفصائل المعارضة المسلحة. ويمكن القول إن الصحافة أطالت عمر الثورة إلى حد ما، بعدما أوصلت أصوات السوريين إلى خارج الحدود، على عكس ما جرى في ثمانينات القرن الماضي، عندما أجهز حافظ الأسد على الانتفاضة ضده بضربات قاضية، أودت بحياة ما بين 20 و40 ألف شخص، وربما لم يكن ليقوم بذلك، لو كان هناك زخم في العمل الصحفي كما هو الآن. 

من هنا تبدو أهمية العمل الصحفي في الثورة السورية، وخطورته في آن واحد، حيث أن كشف الانتهاكات أمر شديد الخطورة، ويحاول من يقوم بهذه الانتهاكات منع كشفها بأي وسيلة وبأي ثمن، وهو ما حدث في بدايات الحراك السوري، عندما لاحق النظام السوري الصحفيين، اما عن طريق قتلهم أو اعتقالهم أو وتهديدهم، كما حدث مع رسام الكاريكاتير علي فرزات. هذا الأمر ينسحب أيضاً أطراف الصراع الأخرى سواء كانت مع النظام او المعارضة.

من أهم أسباب انخفاض قتل الصحفيين هو أن كثيراً منهم تركوا سوريا، أو على الأقل تركوا المناطق الخطرة هناك، بما فيها مناطق النظام وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأيضاً مناطق الاشتباكات الساخنة. لذلك هناك تعتيم عام في هذه المناطق، ولا توجد مصادر مستقلة تؤكد ما نسمعه من وسائل الإعلام التابعة لطرف ما، التي تدعي، مثلاً، قتل أعداد هائلة في صفوف النظام والايرانيين والمليشيات الأجنبية الموالية للنظام، ولكن توثيق هذه الأرقام بشكل مستقل مستحيل.

تكيف الصحفيون والمصورون على الوضع الأمني الخطير في سوريا، فطوروا تكتيكات كي يواصلوا عملهم، كما أن منظمات محلية ودولية دربتهم على ممارسات أمنية، مثل الأمن الرقمي والتشفير. على سبيل المثال لا يوجد أي صحفي معارض للنظام، يعمل باسمه الصريح في أماكن سيطرة النظام، كدمشق ودرعا وحمص وحماة والساحل وغرب حلب. لا يعلن صحفيون كثيرون عملهم الصحفي المعارض للأسد أو لداعش، بسبب الخوف منهما، ولذا رغم أن بعضهم أصبح خارج الحدود، وفي أماكن لا تصلهم أذرع النظام إليها، فإنهم أصبحوا معتقلي أسمائهم المستعارة، لا يمكنهم الخروج منها وكسرها. وأخبرني صحفي أنه لا يمكن له العمل باسمه الحقيقي، رغم أنه مقيم في اسطنبول، لأن أهله ما زالوا بدمشق.

بنى صحفيون علاقات بالقوات المتقاتلة، لكي يحصلوا على الحماية ويواصلوا عملهم. توفر فصائل بعض المعارضة، مثلاً، قوات ترافق الصحفيين وتحميهم عند جبهات القتال، تحاكي فرق الإعلام الحربي إلى حد ما، ولكن بصورة أقل حرفية، كما أن الصحفيين يستخدمون علاقاتهم للقيام بمقابلات مع الفصائل وأسراهم، كما فعلت الصحفية اللبنانية كارول معلوف مع أسرى حزب الله في ريف حلب الجنوبي، ومثل هذه الأمور يقوم بها صحفيون يعملون في المناطق التي تسيطر عليها الإدارات الذاتية الكردية.

ولا يقتصر بناء العلاقات بالمقاتلين على الصحفيين المحليين فقط، ولكن تقوم الجرائد الدولية أيضا بتطوير علاقاتها مع أطراف الصراع المسلح في سوريا.  حيث رافقت قوات حزب الله، مثلاً، مراسلو جريدة نيويورك تايمز إلى مدينة تدمر، بعد أن طردت قوات النظام والمليشيات التابعة لها داعش من المدينة، ودعى بشر يازجي – وزير السياحة في حكومة النظام – مارتن سميث من فرونت لاين  بي بي اس، ليرى بناية سياحية جديدة تبعد 16 كيلومتراً من جبهات المعارضة.

وثمة أطراف لا تقل خطورة عن النظام السوري، كتنظيم داعش وجبهة النصرة، فالأول يتحكم بمفاصل الحياة في مناطق سيطرته بدير الزور والرقة وشرق حلب وحمص، حيث دأب منذ اقتحامه سوريا على فرض قواعده، فاعتقل الكثير من الناشطين الإعلاميين السوريين وقتلهم، ثم فرض شروطاً على أي صحفي بمناطقه يريد مزاولة المهنة، بأن يخضع لدورة استتابة، ويحصل على ترخيص عمل من قبل سلطات التنظيم. ومن ضمن قوانين رخصة العمل الإعلامي في أعراف داعش، ألّا يمسّ الصحفي الدولة الإسلامية، ويعرض مواده جميعها على مكاتب التنظيم الإعلامية، قبل إرسالها لأي وسيلة يعمل بها. 

بلا شك، داعش لا يخشى إظهار انتهاكاته على وسائل الإعلام، بل يتفاخر بذلك، لكن يمسك بأصوات الصحفيين في أراضيه، لينقلوا الأخبار والقصص وفق سياسته، إضافة إلى أنه يخشى من التفاصيل التي قد تؤذيه، وتضر بشعبيته، فيضع الخطوط الحمراء على مواضيع معينة، مثل العنصرية والتمييز بين المهاجرين – أي الأجانب – والأنصار – أي السوريين-  أصحاب الأرض. ففي الرقة مثلاً يمسك بمفاصل قرار داعش أمراء ومدراء غرباء، فيما تُركت أعمال التنظيف في الشوارع وغيرها من المهن العادية لأهل المنطقة الأصليين. وتوجد أيضاً أمور عديدة يخشى تنظيم داعش وصولها إلى صفحات الوسائل الإعلامية المعادية له، كمصادر تمويله الخفية والنفط والغاز وتهريب الآثار وأمور أخرى تضر نشرها بمظهر داعش، ويضعف قوته لجلب السوريين والأجانب إلى صفوفه.

ومن الواضح أن داعش يخشى من الصحفيين، ومستعد لملاحقتهم خارج حدود سوريا، وهو ما ظهر جلياً، في استهدافه لأحد أعضاء حملة الرقة تذبح بصمت، ابراهيم عبد القادر وصديقه فارس حمادي، في مدينة أورفة التركية، خلال اكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، واستهداف ناجي الجرف في ديسمبر/كانون الأول 2015، ومحمد زاهر شرقاط في 10 أبريل/نيسان الحالي. وأيضاَ اغتياله مؤخراً لمعد ومقدم البرامج في قناة حلب اليوم ناصر الشرقاط، في قلب مدينة غازي عنتاب التركية.

ولا يقف الخطر عند داعش، بل إن جيش الفتح يرتكب أيضا انتهاكات ضد الصحفيين، وخاصة جبهة النصرة، الى تتحكم في أبراج بث الإذاعات السورية في مناطق سيطرتها، حتى أنها في أحد المرات، حرمت على إذاعة محلية بريف ادلب بث أي أغنية، فالأغاني “حرام” ورجس من عمل الشيطان، بحسب أدبيات الجبهة.

وظهر مؤخرا ملثمون بأقنعة سوداء، يتجولون في بعض مناطق ادلب، يُرجح أنهم تابعون للنصرة أو للواء جند الأقصى أحد فصائل جيش الفتح والقريب لداعش، ويستهدفون الصحفيين، وقد كانت آخر انتهاكاتهم ضد الصحفيين اختطاف الصحفي أحمد رسلان، أحد كوادر راديو فرش بمدينة كفرنبل، يوم الأحد 27 مارس/آذار الماضي، والإفراج عنه بعد يوم.

يتضح مما سبق أن انخفاض الانتهاكات ضد الصحفيين وبالتالي انخفاض عدد القتلى منهم أمر معقد، وله أبعاد أخرى قد تؤثر على صورة الشعب السوري أمام الرأي العام العالمي، حيث لن يتم نقل صورة واقعية لما يحدث داخل سوريا. ومؤخرا بدأ النظام بفتح أبوابه للصحفيين الأجانب والمنظمات الإعلامية الكبرى، مثل قناة “اودنسي” الدانماركية، حيث حصلت على تصريح عمل دائم في سوريا من حكومة النظام في شهر مارس/آذار الماضي، ما ينبئ بخللٍ قادم في نقل الصورة عمّا يجري على الأرض السورية. ورغم كثرة المعلومات الموجودة، هناك انحيازات تشوه صورة ما يحدث في سوريا، وفجوات أو تعتيم مخيف على المعلومات، وانتشار قصص من قبيل تجار حرب يسيطرون على مداخل المناطق المحاصرة مثل اليرموك، والخاسر الأكبر بكل تأكيد هو كل صوت ضد الأطراف العنيفة.

Read in English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.