تصدع العلاقات مع قطر من منظور الرياض

ما تعتبره الآن الولايات المتحدة عملية قرصنة على وكالة الأنباء القطرية هو على ما يبدو ما تسبب في زوبعة دبلوماسية في مجلس التعاون الخليجي. جاءت التداعيات سريعة، ولاتزال المصالحة بعيدة المنال. بينما حاول كل من دولة الكويت والأمين العام للأمم المتحدة وآخرون للقيام بدور الوساطة بين الجانبين، فمن المجدي التساؤل عما تفكر فيه السعودية بوصفها القوة الرئيسية التي تقف خلف سياسات مجلس التعاون الخليجي وقرار قطع العلاقات مع قطر. قالت قطر مؤخرا بأنها مستعدة لتفهم المخاوف السعودية، إلا أن السعودية لديها مخاوف تعود لوقت سابق طويل من قطر، حيث ترى أنها معادية، وأي مصالحة تحتاج للتعامل مع هذه القضايا الأساسية.

يرى العديد من المراقبين الدوليين أن الرياض وأبو ظبي سعوا – مدعومين بعلاقات أقوى مع البيت الأبيض –  إلى مقاطعة قطر “بضوء أخضر” من إدارة ترامب. إلا أن الواقع أكثر تعقيداً ومتجذر في سياق تاريخي متشابك مما يجعل من توقيت التداعيات غير ذي صلة. يعود انهيار العلاقات لعنصرين رئيسيين كانا في تدهور مستمر وبشكل متواز في غضون العشرين سنة الماضية. العنصر الأول هو اضطراب العلاقات الثنائية القطرية السعودية عقب انقلاب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (والد الأمير الحالي) على والده الشيخ خليفة بن حمد. والعنصر الثاني هو خلاف أساسي، خاصة عقب الانتفاضات العربية، في السياسات الخارجية ومنهج مكافحة الإرهاب بين السعودية ودول أخرى من مجلس التعاون الخليجي مثل الإمارات والبحرين على جانب، وبين قطر على الجانب الآخر.

في يونيو 1995، وقت أن كان أمير قطر، الشيخ خليفة بن حمد، في رحلة إلى سويسرا، قام والده، الأمير السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بانقلاب غير دموي على والده والاستيلاء على السلطة منه، والذي كان قد استولى هو نفسه على السلطة عقب خلع ابن عمه سنة 1972. صرح الأمير المخلوع برفضه لاستيلاء ابنه على السلطة من سويسرا، واصفا ذلك بأنه “سلوك غير طبيعي لرجل جاهل”. كان قادة دول مجلس التعاون الخليجي على اتفاق كبير مع الأمير المخلوع. بالنسبة لهم، وكلهم أصدقاء الأب المخلوع، فإن سلوك الابن شكل تهديدا على الوضع القائم في الخليج وأحدث سابقة خطيرة.

بعد وقت قصير، وعقب صعود حمد بن خليفة، تحولت قطر من حليف قوي للسعودية وعضو غير بارز نسبيا في مجلس التعاون الخليجي، لعضو فاعل مستقل يراه السعوديون يتصرف بعدائية حيال مملكتهم ودول خليجية أخرى. تحولت قناة الجزيرة الممولة من قطر، وهي قناة إخبارية ريادية قومية عربية، إلى منصة لمناقشة القضايا السياسية الحساسة. وبدلا من البقاء في طريق ضيق ومستقيم، قامت باستضافة المنشقين على النظام السعودي، وبعضهم كان مثير للجدل في منطقة الخليج، مثل سعد الفقيه، والذي تم إضافة اسمه على قائمة الأمم المتحدة للمتصلين بالقاعدة في عام 2004 بإيعاز من المملكة العربية السعودية، وتم إزالة اسمه في 3 يوليو/ تموز لعام 2012 بسبب عدم وجود أدلة إدانة.

ما زاد من تصور السعودية بأن قطر تعادي المملكةتسريبات لمحادثات بين أمير قطر والرئيس الليبي السابق معمر القذافي، حيث يناقش الأمير ورئيس وزرائه خططا لتقويض المملكة. في التسريب الأول، يقول الأمير شيخ حمد بن خليفة أن قطر هي أكثر دولة تسبب المشاكل للسعودية، ويتنبأ بسقوط المملكة في ظرف 12 عاما، وصرح بإن قطر قد منحت مساحة للمعارضين السعوديين مثل شيخ في المدينة، من خلال الجزيرة، بالرغم من أن وسائل الإعلام الأخرى ترفض استضافته. في التسريب الثاني، يقترح الشيخ حمد بن جاسم اختيار ضم ضباط سعوديين من خلال توفير رعاية صحية لهم في أوروبا وتقديم خدمات أخرى لهم هم وذويهم. كما أوضح بإن قطر تستشعر الحاجة لبناء علاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل لخدمة المصالح العربية في المنطقة وتخفيف ضغط الولايات المتحدة، والذي يعتقد بأنه يعود إلى قيام السعودية بشحن الولايات المتحدة ضد قطر.

بالرغم من أن تلك التسريبات لم يتم التأكد من صحتها، فإنها تعني الكثير في السعودية وتتصدر عناوين الأخبار. في مقال نشر مؤخراً بصحيفة الحياة السعودية، أكد الدكتور خالد الدخيل أن تنازل الشيخ حمد عن الإمارة لابنه تميم في العام 2013 كان نتيجة مباشرة لغضب المملكة العربية السعودية ودول الخليج مما ورد في تسريبات القذافي. كان صعود الشيخ تميم طريقة لإيجاد حلول وسط وقلب الصفحة فيما يتصل بعلاقات قطر بجيرانها. بعد مرور عام على حكم الشيخ تميم، شعر السعوديون بأن التغيير في سياسات قطر لم يكن كافي، وأن حمد بن خليفة وحمد بن جاسم مازالا يتمتعان بنفوذ كبير في الدوحة، وقد دفع ذلك السعودية والإمارات والبحرين لقطع العلاقات مع قطر. كان اتفاق الرياض لعام 2014 مع الأمير الجديد، الشيخ تميم، والذي وافق على سلسلة من الشروط وضعتها دول مجلس التعاون الخليجي أدت إلى استعادة العلاقات، إلا أن أزمة الأسبوع المنصرم الدبلوماسية لا توصف إلا بأنها انتكاسة.

الأكثر وضوحا وشيوعا هو أن المملكة العربية السعودية مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر لديهم خلافات مع قطر فيما يخص السياسات الإقليمية واستراتيجية مكافحة الإرهاب؛ فسياسات قطر في المنطقة منذ وقت طويل تتركز على علاقات مفتوحة مع كل الفرق. وهذا يعني التعامل مع طالبان والجماعات المتصلة بالقاعدة في سوريا والحوثيين في اليمن وحزب الله وإيران وميليشياتها في المنطقة وطيف واسع جدا من القوى المختلفة. شعرت قطر بإن هذه هي الوسيلة لتحقيق دور إقليمي مهم لحل الصراع والقيام بدور الوساطة. على الجانب الآخر، ترفض كل من الإمارات والسعودية أي تعامل مع هذه المجموعات، على الرغم من وجود متبرعين أفراد من هذه الدول يشتبه في إنهم يدعمون الجماعات المتطرفة.

ترى السعودية أن تعامل قطر مع الجماعات المتطرفة يقوض سياساتها لمكافحة الإرهاب. على سبيل المثال، فإن قناة الجزيرة تمكنت من الوصول إلى أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة الموالية لتنظيم القاعدة. قامت أيضاً باستضافته على برنامج بلا حدود مع تشويش على وجهه وطرحت عليه أسئلة حول دور النصرة في سوريا. كانت قطر تأمل بإن علاقتها مع النصرة ستشجعها على الانفصال عن القاعدة، ربما علانية على قناة الجزيرة، مما سيحولها إلى جماعة أكثر وسطية قادرة على تلقي الدعم الدولي ضد نظام الأسد. إلا أن إظهار العلاقات مع النصرة دق نواقيس الخطر في دوائر المخابرات الإماراتية والسعودية.

ما زاد من سخط السعودية هو شعورها بإن قطر عازمة على اتخاذ خطوات على مستوى السياسية الخارجية والتي تشعر السعودية أنها يجب أن تكون على علم بها. على سبيل المثال، حاولت قطر دفع ملايين كفدية لإطلاق سراح الصيادين القطريين من العائلة المالكة الذين اختطفوا في العراق. هذه الفدية كانت ستذهب إلى كتائب حزب الله العراقي، والذي كان يحتجز الصيادين القطريين، بالإضافة إلى هيئة تحرير الشام (وهي الإصدار الجديد من جبهة النصر الموالية للقاعدة) وأحرار الشام الإسلامية، وذلك لمساعدة قطر في تأمين إطلاق سراح الصيادين. تتهم السعودية قطر بالخضوع إلى مطالب جماعات مسلحة، ومن ثم تقوم بدعمهم وتشجيعهم على مزيد من اختطاف الرهائن سعيا للحصول على الفدية.

كل ما يتعلق بسياسات قطر الخارجية يسبب القلق للسعودية والإمارات، بدءً من استعداد قطر للعمل مع الجماعات الإسلامية والقوى ما دون الدولة مثل جبهة النصرة، ودعمهما لجماعة الاخوان المسلمين، واستعدادها للحوار مع إيران، واستعداد قناة الجزيرة لتغطية قضايا سياسية حساسة واستضافة رموز تنتقد الدول العربية، ما تعتقده السعودية بأنه حملة لتشويه المملكة. بينما قطر ترى أن هذه هي الوسائل التي تقوي نفوذها وتزيد من وزنها، أما جيرانها فلا يعارضون ما تقوم به قطر فحسب، بل أيضا الطريقة التي تنتهجها لما تقوم به.

من خلال هذا الإطار فقط يمكن للمرء فهم موقف السعودية بشكل صحيح في هذه الأزمة. تنظر السعودية بعين الريبة لكل تحرك قطري في المنطقة. من وجهة النظر السعودية، فإن الهدف من وراء المقاطعة والعزل الإقليمي المفروض على قطر هو دفع الحكومة القطرية للإذعان مرة وللأبد، للتأكد من أنها لن تشكل تهديدا على المملكة. رد الفعل السعودي على عملية القرصنة التي حدثت لوكالة الأنباء القطرية كان متوقع جدا. بغض النظر عمن كان وراء عملية القرصنة، فإن رد فعل دول مجلس التعاون الخليجي يعكس مظلومية طويلة المدى وخطيرة. حدوث انقسام في الخليج عقب أيام من محاولات السعودية إظهار نفوذها وقوتها من خلال استضافة طيف قيادات الدول لحضور قمة مع الولايات المتحدة، يعتبر أمر ضار للملكة وحلفائها في المنطقة. إلا أنه بالنسبة للمملكة، خطورة تهديدات الدوحة للرياض تتجاوز الثمن السياسي الناتج عن الانشقاقات في الخليج.

اشترك في نشرتنا Read in English

محمد اليحيى

باحث غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الاوسط.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة