إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

بول وليامز وجيسكا ليفي

اشترك في نشرتنا

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة، وأن يجتمعوا في السويد من أجل عقد جولة مفاوضات. إن نجاح هذه المحادثات سوف يعتمد على ما إذا كانت الأطراف قادرة على أن تطبق بفاعلية الدروس المستفادة من محادثات السلام السابقة من أجل بناء عملية سلام جديدة في اليمن.

منذ اندلاع المواجهات في شهر مارس/آذار 2015، فإن الصراع بين التحالف التي تقوده السعودية والمدعوم من الولايات المتحدة مع متمردي الحوثي المدعومين من إيران قد نتج عنه ما أطلق عليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيرس “أسواء الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم“. هناك انتشار كبير لنقص المياه والطعام، وهناك حوالي 13 مليون نسمة مهددون بخطر المجاعة. القتال المميت مستمر، في ظل اعلان مقتل 150 شخص في اشتباكات على ميناء الحُديدة في 12 نوفمبر/تشرين الثاني.

في ديسمبر/كانون الأول، حاول المبعوث السابق للأمم المتحدة إسماعيل ولد شيخ أحمد التفاوض من أجل انهاء الصراع عن طريق محادثات سلام في سويسرا، وتبعتها محادثات في الكويت في ربيع هذا العام. على الرغم من أن العملية قد تعطلت في أغسطس/آب 2016 حينما رفض الحوثيون خطة الأمم المتحدة، وقرر مفاوضو الحكومة ترك المحادثات.

تجسدت الحماسة لتجديد المحادثات في بداية هذا العام مع تعيين مبعوث خاص للأمم المتحدة، مارتن جريفيث. في التاسع من أغسطس/آب. بعد ساعات من الغارات الجوية بواسطة التحالف الذي تقوده السعودية، اندلع غضب عالمي نتيجة قتل مدنيين بالقرب من مستشفى وسوق للسمك، وأعلن جريفيث أنه سيعقد محادثات من أجل إعادة إحياء عملية السلام المعطلة. يُقال إن خطة الأمم المتحدة، والتي ليست متوفرة للعامة، تسعى لترتيبات أمنية، والتي بمقتضاها يتخلى الحوثيون عن صواريخهم البالستية في مقابل إنهاء التحالف. طالبت الخطة أيضا بتسوية سياسية، والتي تتضمن تمثيل الحوثيين في حكومة وحدة.

وعلى الرغم من ذلك، قرر ممثلو حركة الحوثي عدم السفر إلى جينيف من أجل المشاركة في هذه المحادثات. أعلن هؤلاء الممثلون أنهم لم يشاركوا حتى يحصلوا على ضمانات بخصوص نقل مصابي الحوثي خارج اليمن، وعودة الأشخاص الموجودين في عمان ويريدون العودة لليمن، وعودة آمنة لوفدهم إلى صنعاء بعد المحادثات. ومع انتشار خبر فشل المحادثات، اندلع الصراع حول ميناء الحُديدة، خلف 80 قتيل. يستمر عدد الضحايا في التزايد منذ استئناف الحكومة هجماتها من أجل استعادة السيطرة على ميناء الحُديدة في سبتمبر/أيلول، وهو تحرك يهدد أمن سكان المدينة البالغ عددهم 3 الالاف فرد.

في وسط محدثات السلام المعطلة في اليمن، والهجمات الصاروخية، والأزمة الإنسانية المستمرة، إنه من الضروري أن نتذكر هذا ليس الصراع العالمي الأول الذي يحمل هذه الإشارات السلبية. في اليمن، تقف الأطراف المتصارعة في طريق مسدود، والذي يأتي في سياق تكلفة مرتفعة للغاية للطرفين وللمدنيين على حد سواء. السؤال هو: هل يمكن أن تبدأ عملية سلام في ظل حث الأطراف تجاه ترتيبات تتضمن تغيرات طفيفة في ميزان القوى، ولا تدفع البلاد نحو الصراع مرة أخرى؟ لحسن الحظ، مفاوضات السلام في الربع قرن الأخير وممارسات الدولة المقارنة تزود الممارسين بدروس مستفادة، وأمور لإجراءات بناء الثقة، وضمانات أمنية، واستراتيجيات دبلوماسية الطريق الخلفي، والتي يمكن أن تساعد في توجيه الجهود من أجل أن تجلس الأطراف المتحاربة في اليمن على طاولة المفاوضات.    

من أجل البدء، يمكن لمبعوث الأمم المتحدة أن يحقق استفادة كبيرة من الدبلوماسية المكوكية، مثلما تم الاستفادة منها في في المفاوضات المتعلقة بـ يوغسلافيا السابقة. فحينما كان مطلوباً من الحوثيين نقل أنفسهم إلى جينيف، تعطلت محادثات السلام. على العكس من ذلك، حينما سافر جريفيث مباشرة إلى الحوثيين في صنعاء، عملوا على تحقيق تقدم، حيث قاموا بتوقيع اتفاقية تمتد لستة أشهر من أجل نقل الافراد الذين يعانون من امراض حرجة جواً إلى خارج البلاد. عن طريق السفر المباشر إلى أطراف الصراع، تمكن المبعوث الأممي من امتصاص المخاطر الأمنية، وزاد من قدرته على التواصل مع المجموعات المختلفة.  وفي حين أن الجولة القادمة من المفاوضات مقرر لها أن تنعقد في السويد، على المبعوث الأممي أن يضع في اعتباره السفر إلى اليمن من أجل متابعة المحادثات أو مفاوضات القنوات الخلفية.

يمكن لمفاوضي الأمم المتحدة أن يفتحوا خطوط اتصال إضافية، عن طريق انشاء مناطق آمنة، حيث يمكن لفريق المفاوضات أن يعملوا بصورة آمنة في البلاد، أو الحصول على دعم كبار الشخصيات غير المقاتلة في الفصائل غير المنخرطة بصورة مباشرة في الصراع، هؤلاء يمكن أن يكونوا وكلاء أثناء المحادثات. وبعد ذلك، حينما تكون هناك ثقة في محادثات أطول تتم خارج قواعد الأطراف المتحاربة. وسطاء الأمم المتحدة يجب أن يشجعوا الأطراف على تعيين صف ثاني من القادة يمكنهم السفر لمواقع خارجية، والتفاوض بالنيابة عن القادة الأساسيين.  

إن احتمالية مفاوضات ناجحة يمكن أن يتزايد بصورة جوهرية مع تطبيق إجراءات لبناء الثقة مُصممة من أجل بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة ومبعوث الأمم المتحدة. هذه الإجراءات، والتي كانت حاسمة في عملية السلام في آيرلندا الشمالية، يمكن أن تتضمن تسليم مساعدات، وتبادل سجناء، ووعود بمساعدات مالية في جهود إعادة الاعمار، أو نقل الأشخاص المصابين جواً، على سبيل المثال وافقت السعودية في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني على السماح بنقل مصابين من الحوثيين.  

وفي الوقت الذي يتم فيه بناء الثقة، سوف يكون من السهل التأسيس لعملية وقف الأعمال المعادية، والتي بدورها يمكن أن تؤدي إلى وقف جزئي لإطلاق النار. على الرغم من أن وقف إطلاق للنار شامل هو الهدف النهائي، فإن الأطراف يجب أن تكون راغبة في قبول وقف جزئي لإطلاق النار باعتباره اجراء هام. هذه الأمور يمكن ان تؤسس لدرجة من الحياة الطبيعية للسكان المدنيين في غالبية مناطق الدولة، وأن تكون بمثابة خطوات مبدئية في اتجاه اتفاقية أمنية أكثر صلابة.

إن تحقيق اتفاقية شاملة هو مهمة شاقة، ولكن هناك مبدأين إطاريين يمكن أن يساعدا الأطراف المتحاربة في وضع تصور لنطاق الاتفاقية: المبدأ الأول ” بديل أفضل عن اتفاقية يتم التفاوض حولها”، والثاني هو تحديد كل طرف للنقاط التي ليست قابلة للتفاوض حولها بالنسبة له (الخطوط الحمراء). مفاوضات مثمرة يمكن أن تجد خيارات أفضل من مبدأ “بديل أفضل عن اتفاقية يتم التفاوض حولها”. وهو نطاق يمكن أن يتم توسيعه عن طريق قيام كل طرف بالتخفيف من الخطوط الحمراء. وبالتطبيق على الحرب الأهلية في اليمن، هذه الأداة الإطارية تدفع المفاوضون للتركيز على الحلول السياسية التي يمكن أن تعمل على موازنة القوى دون أن تطلب من الحوثيين أو التحالف الذي تقوده السعودية التخلي عن مصالح جوهرية (إيجاد مساحة وسيطة بين الخطوط الحمراء). على سبيل المثال، لو أن الخيار الأفضل بالنسبة للحكومة هو الهجوم العسكري على ميناء الحُديدة، والخط الأحمر بالنسبة للحوثيين هو خسارة الميناء، فإن المفاوض سوف يعمل على خلق بديل حيث يمكن الأطراف من إرضاء مصالحهم. في مثل هذا السيناريو، فإن الحكومة لن تشعر أنها في حاجة للاستمرار في هجومها، والحوثيين لن يخسروا قدرتهم على الوصول للميناء.

على الرغم من أن الترتيبات الأمنية لن تكون مستدامة بدون خلق وقبول نظام سياسي جديد، حيث تتم مشاركة السلطة. وهو أمر لا يمكن كسبه تحت تهديد السلاح. ونتيجة لذلك، فإن أي إطار للمفاوضات يجب أن يركز بصورة كبيرة على وضع تصور لترتيبات مشاركة السلطة. جوهرياً، ستكون عملية السلام بمثابة معرفة من يحصل على ماذا ومتى وأين وكيف ولماذا. يمتلك اليمن ميزة فريدة هنا، الحوارات الوطنية التي حدثت في عام 2013 و2014 أسست لتفاهم فيما يتعلق بما يأمله اليمنيون في مرحلة ما بعد الحرب. هذه المنصة يمكن أن يتم استغلالها كأساس لبناء ترتيبات مستدامة لمرحلة ما بعد الصراع.  

في النهاية، المفاوضون يمكن أن يكونوا مترددين في المطالبة بالمحاسبة خلال العملية، خوفاً من أن هذا الأمر سوف يثبط من همة الأطراف للجلوس على طاولة المفاوضات. إلا أنه من الضروري أن يكون الأطراف على وعي بتبعات سلوكهم في المعركة. وحتى لو أن آليات العدالة الانتقالية – سواء أكانت محاكمات أو محكمة دولية أو غير ذلك – لم تقويتها بعد، على الأطراف أن يدركوا أن كل الطرق التي تؤدي للسلام تأتي مع العدالة.

اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.

إعادة الاستقرار في الرقة: تأهيل قطاع الكهرباء

كان للمعارك التي شهدتها محافظة الرقة السورية، معقل تنظيم داعش الرئيسي في سوريا، مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من قبل التحالف الدولي، آثار سلبية كبيرة على البنى التحتية في عموم المحافظة، والتي انعكست على الوضع المعيشي لسكان الرقة، حيث قدرت نسبة الدمار بنحو 80٪ من مجموع المباني والبنى التحتية في المحافظة بحسب بعثة الأمم المتحدة.