احياء مبادرة السلام العربية… لكن مع التعديل

لقاء الأمير تركي الفيصل مع الجنرال الاسرائيلي المتقاعد يعقوب عميدرور في واشنطن. 5 مايو 2016

من بين كل التوصيات السياسية الرئيسية حول الشرق الأوسط التي تم توجيهها مباشرةً إلى الإدارة الأمريكية المقبلة، فإن أكثرها إثارةً للجدل تلك التي لم يتم صياغتها في واشنطن، إنما أهمها جاء من المنطقة نفسها. إن كون هذه التوصيات من المنطقة ومتوافَق عليها من كافة الدول العربية، يعد سبباً كافياً للإنصات لها باهتمام.

إن مبادرة السلام العربية ليست بالجديدة، ولكن نظراً للبيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط الحالية، فإن أهمية المبادرة أصبحت كبيرة. هذه المبادرة التي تم اقتراحها من قبل المملكة العربية السعودية، ونالت موافقة الجامعة العربية عام 2002 (وأيضاً في عام 2007)، تهدف إلى الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، مع إمكانية تبادل الأراضي المتفق عليه بين الجانبين، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، مع حل عادل ومتفق عليه تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين، وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194. وفي المقابل، تقوم الدول العربية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، مما يعزز شرعيتها دولياً. 

تعتبر تل ابيب مبادرة السلام العربية غير مفيدة، حيث تفتقد للتفاصيل والآليات لإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وتشارك واشنطن بالضرورة إسرائيل نفس التحفظات (بالرغم من أن المسؤولين بالولايات المتحدة قد امتنعوا عن التعبير علناً عن أي آراء متحيزة، من أجل إبقاء الباب مفتوحاً). ولكن التغيرات التاريخية التي اجتاحت المنطقة على مدار الخمس سنوات الماضية، قد أوجدت سياقا استراتيجيا دراماتيكيا جديدا، يفضي إلى تحويل مبادرة السلام العربية من مجرد فكرة او خطة إلى واقع.

بدايةً، تواجه الدول العربية وإسرائيل الآن اثنين من أشد الخصوم المشتركين، أولهما إيران التي تشهد طفرة ونهم للقتال، خاصة بعد الاتفاق النووي، والثاني هو الأيدولوجية المتطرفة الذي يقوم تنظيم داعش وتنظيم القاعدة بممارستها. وبذلك تكون الحكومات العربية والإسرائيلية لديها فرصة مواتية لمواجهة هذه التهديدات الأمنية والقومية الهائلة. فبدون اتفاق سلام -الذي بدوره يضفي الطابع الرسمي على العلاقات بينهم، فإن الحكومات العربية والاسرائيلية ستكون عاجزة عن تفعيل التعاون الأمني، والعمل جنباً إلى جنب للمساعدة في مواجهة قوى الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة. إسرائيل تحتاج إلى العرب من أجل تحصين وضعها الأمني المُهَدَد من قبل الجماعات الجهادية المتسللة عبر الحدود اللبنانية والسورية والأردنية والمصرية، وذلك من أجل تجنب السيناريو الكارثي المتمثل في وصول تنظيم داعش إلى الضفة الغربية. بالإضافة إلى امتلاك إيران صواريخ بالستية يمكن أن تصل مداها إلى أي نقطة داخل الحدود الإسرائيلية، ووجود حزب الله وقوات نخبة إيرانية في الجولان. بينما يمكن للعرب الاعتماد على إسرائيل في كبح جماح التوسع الإيراني، والذي زاد بقوة بعد توقيع الاتفاق النووي. 

في الماضي كان الاهتمام بالمبادرة نابعاً من الخطر الإيراني المشترك، ولكن ما الجديد اليوم؟ هذا الخطر الإيراني زاد عليه خطر الجماعات الإرهابية، وأصبح الخطر أكبر من ذي قبل، الأمر الذي يقوي الحافز المطلوب لتعزيز التعاون بين العرب وإسرائيل.

ثانياً، لقد تحولت دفة القيادة في العالم العربي من مصر إلى المملكة العربية السعودية، حيث الأخيرة قد شهدت تغيرا دراماتيكيا في توزيع السلطات، والذي عبر بشكلٍ خاص عن رغبة قوية في تنفيذ مبادرات سياسية دولية جريئة، وذلك عبر مقاتلة الحوثيين الموالين لإيران في اليمن، حيث رغب السعوديون تحت قيادة الملك سلمان وابنه ولي ولي العهد ووزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان في إرسال رسالة صارمة لطهران، مفادها مواجهة خططها لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

ثالثاً، لم تعد سوريا دولة قادرة على الممانعة في الصراع مع إسرائيل، وبينما ذلك يمثل مشكلة إلا أنه يخلق فرصة أيضا، فهضبة الجولان هي أرض سورية احتلتها إسرائيل، وتعد هذه القضية بندا رئيسيا في دبلوماسية السلام العربي-الإسرائيلي، وبالرغم من أن بشار الأسد قد فقد شرعيته الدولية، وتم تعليق عضوية بلاده في الجامعة العربية، إلا أنه لا يمكن لأي اتفاق سلام عربي إسرائيلي أن يستمر بدون سوريا ولبنان، ولكن لا يجب لهذا أن يُعيق اتفاقا إسرائيليا-فلسطينيا، بل في الحقيقة يجعله أكثر احتمالاً، نتيجة التغيير المحتمل للنظام السوري وموقفه المتشدد بشأن الحدود، وكذلك انهيار علاقاته بالفصائل الفلسطينية المرفوضة من قبل إسرائيل. وبذلك فبالإمكان مراجعة مبادرة السلام العربية، لتعكس هذا التغير وتقر صراحةً بأن يتم التفاوض بشأن السلام الإسرائيلي-السوري، عقب انتهاء الصراع في سوريا، وتنصيب حكومة سورية تمثل الشعب السوري. 

رابعاً، هناك جيل في الشرق الأوسط لا يشارك هذه “المحرمات” حول إسرائيل، جزئياً بسبب أن هذا الجيل لم يشهد الهزائم العربية المتتالية أمام الدولة العبرية، والفشل المتوالي لمحاولات تحقيق السلام العربي-الإسرائيلي. في ظل وجود أكثر من 30% من سكان المنطقة بين سن 15-29 عاماً، فإن هذا الجيل الجديد ما يزال شاباً، وهو مرتبط على المستوى العالمي، ولديه معرفة أكبر. إن اهتمام هؤلاء هو الفرص الاقتصادية أكثر من الصراع الوجودي ضد اسرائيل.

على الرغم من السياق الاستراتيجي الإيجابي الجديد، فإن العملية والإطار والتفاصيل لها أهمية. أولا وقبل أي شيء، من أجل أن تحقق مبادرة السلام العربية النتائج المرجوة منها، يجب أن تقوم على أسس، أول هذه الأسس هو اتفاقية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ذات مصداقية، على أن تكون هذه الاتفاقية ذات قبول من قبل الطرفين. ليس هناك بديل عن المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولكن السعوديين والمصريين والأردنيين يمكن أن يلعبوا دوراً كمحفزين على هذه المفاوضات بالتعاون مع الولايات المتحدة. بقيادة السعودية فإن هذا التحالف من الدول العربية يمتلك ميزة فريدة، فهو يمكن أن يضفي الشرعية على الاتفاقية الإسرائيلية-الفلسطينية، من خلال وضعها في إطار أوسع من المصالحة العربية-الإسرائيلية. هذه الدول أيضاً تمتلك النفوذ الضروري والحوافز لدفع الفلسطينيين نحو اتفاقية السلام، وهم أيضاً يمكن أن يساعدوا في مواجهة المخاوف الإسرائيلية، بخصوص لغة اتفاقية السلام العربية، فيما يتعلق بقضايا الحدود والأمن واللاجئين. وفي الوقت الذي فيه الإسرائيليون محقين بأن العرب لا يمكن أن يتفاوضوا بالنيابة عن الفلسطينيين، فإنهم فشلوا في إدراك مدى اهتمام العرب – خاصة الدولة الخليجية – الكبير في الوقت الحالي مقارنة بعام 2002 بتحقيق مخرجات ناجحة، يمكن أن تساعدهم في بناء فريق أقوى ضد إيران، والتي يعتبروها تهديدا وجوديا لهم. 

العديد من المسؤولين الأمريكيين الذين انخرطوا في عملية السلام العربية-الإسرائيلية يتحدثون عن سلبيات في مبادرة السلام العربية، فهى من وجهة نظرهم طموحة جداً وغير معقدة أو غير تقليدية. وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن ترتيب الأولويات فيها الآن غير صحيح، في الشرق الأوسط اليوم سوريا هي الأولوية، وتمضي الحجة بأن اتفاقية سلام إسرائيلية-فلسطينية لا يمكن أن تنهي الحروب الأهلية المشتعلة في الإقليم، ولن تؤدي إلى هزيمة تنظيم داعش، أو حتى مواجهة العدوان الإيراني، وأخيراً، فإن العرب – خاصة السعوديون – يركزون على الأوضاع الداخلية في بلدانهم، وليسوا في وضع يمكنهم من الشروع في مبادرات خارجية محفوفة بالمخاطر السياسية والتعقيدات الدبلوماسية. وعلى الرغم من أن غالبية هذه الانتقادات صحيحة، إلا انها تغفل نقطة مهمة، من أجل تحقيق تقدم جاد على أي من هذه التحديات الإقليمية، فإن فعلاً جماعياً حقيقياً وتعاوناً قوياً هو ضرورة وليس اختيارا. وفي الوقت الذي ساعدت فيه التحالفات القائمة في الشرق الأوسط مؤخراً على التعامل مع بعض هذه القضايا، فإن لا شيء سيكون أكثر أهمية وقوة من ذلك التحالف الذي يسعى لإدماج العرب والإسرائيليين، وربما القدرات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية التركية. لنكن أكثر وضوحاً: إن السلام الإسرائيلي-الفلسطيني ليس من المتوقع له ان يؤسس للاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ليس غاية في حد ذاته، ولكن هذا السلام من الممكن أن يجمع أصحاب المصلحة في الإقليم معاً، كما لم يحدث من قبل، من أجل أن يعالجوا بصورة أكثر فاعلية الأزمات في سوريا وليبيا واليمن، وبقية مشكلات الإقليم.

إن تحقيق هذا الأمر في حاجة إلى قيادة من جانب جميع الأطراف. يقول السعوديون أنهم يمكن أن يقوموا بهذه المهمة، بمساعدة من الدول العربية الأخرى، وهذا يستحق أن نرى ما يمكن أن يقوموا به. ولكن القيادة الإسرائيلية والفلسطينية والأمريكية هي علامات استفهام كبيرة. رئيس السلطة التنفيذية محمود عباس ربما يكون ضعيفا للقيام بدور في هذا السياق، ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو قوي، لدرجة أنه لا يكترث بالأمر، ولكن ليست هذه تحديات لا يمكن التغلب عليها. قوات جيش الدفاع الإسرائيلي مع عدد من السياسيين العقلاء في الكنيست، والذين يرون شيئاً جيداً في مبادرة السلام العربية من المحتمل لمثل هؤلاء أن يخلقوا قوة سياسية للضغط على نتانياهو، بشرط ان يتلقوا ضمانات من الدول العربية بأن الخطة يمكن التفاوض عليها (وهو الأمر القائم). موقف عباس يمكن أن تتم تقويته من خلال تعاون إسرائيلي فيما يتعلق بتحسين مستوى معيشة الفلسطينيين. في واشنطن فإن الخيار بين المرشحة الديمقراطية المحتملة هيلاري كلينتون والمرشح الجمهوري دونالد ترامب – وهما لا يمكن أن يكونا أكثر اختلافا مما هما عليه. لدى هيلاري خبرة بالسياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية، لو وضعنا في اعتبارنا منصبها كوزيرة خارجية سابقة، وكونها كانت عضوا في مجلس الشيوخ، وباعتبارها أيضاً كانت السيدة الأولى في إدارة بيل كلينتون (والذي كان منخرطاً بصورة كبيرة في محادثات السلام العربية الإسرائيلية أكثر من الأخرين). ولكن ترامب ما يزال شخصا خام فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، لا يمكن توقع سلوكه، وسيكون من الصعب تقييم تأثيره على المنطقة. 

في الماضي، حاولت الولايات المتحدة استخدام وسائل تقليدية من أجل المساعدة في حل الصراع العربي-الإسرائيلي، ولكن كل هذه الوسائل فشلت، ومع وصول إدارة جديدة في البيت الأبيض، فإنه من الحكمة التفكير بصورة أكبر إبداعية في الطرق التي يمكن بها كسر هذه الدائرة المغلقة في الشرق الأوسط، وبصورة خاصة تشجيع مسألة الحلول الإقليمية للمشاكل الإقليمية. إن هذا الاضطراب الكبير في الاقليم من الممكن أن يتم استخدامه لبناء مجموعة من الحوافز الإيجابية والسلبية للعرب والإسرائيليين والفلسطينيين، للوصول بهم إلى حالة التوافق. من السهل إيجاد عيوب في مبادرة السلام العربية (فهى ليست بأي شكل اقتراحا مثاليا)، وإيجاد اعذار مختلفة (إسرائيل بصورة خاصة جيدة في مثل هذا الأمر)، ولكن بإدخال تعديلات متوافق عليها من جانب الإسرائيليين والفلسطينيين، فان هذا بالضبط ما يحتاجه الشرق الأوسط غير المستقر بصورة عميقة: عامل تغيير يقلب الموازين، أو كما أطلق عليه توماس فريدمان في 2007 ” انفراجة عاطفية.”

بلال صعب

كبير باحثين مقيم مع مركز برينت سكوكروفت للأمن الدولي في المركز الاطلنطي، تركز اهتمامات صعب البحثية على قضايا الأمن في الشرق الأوسط، بالتركيز على منطقة الشام والخليج العربي.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط