مصر واثيوبيا: مخاوف الجفاف وأحلام التنمية

أديس أبابا- القاهرة

تحمل لافته فوق محل صغير في منطقة أسوسا الأثيوبية صورة لسد النهضة، وبجوارها صورة لذهب ودولارات، في إشارة إلى عائدات سد النهضة المتوقعة، الذي يعتبر في مخيلة الاثيوبيين حلم عظيم.

يأمل منظم الرحلات الاثيوبي تسيجاب جيتاشو- صاحب الـ 29 ربيعاً – في أن تساعد الطاقة المتوقع توليدها من سد النهضة، الذي تبنيه بلاده، في توسيع القطاع السياحي الذي يعمل فيه. أمير ميخائيل – مزارع ستيني من صعيد مصر – يخاف من بوار أرضه بعد اكتمال عملية بناء سد النهضة.

تواصل اثيوبيا بناء سد النهضة، الذي تستهدف منه توليد كهرباء بقوة 6 الآلاف ميجا وات، وهو ما يمكنها من تحقيق التنمية المستدامة ومحاربة الفقر، الذي يعتبره مدير مشروع السد سيمانيو بيكلي العدو الأول لاثيوبيا؛ ويقول المسئولون الاثيوبيون أن مشروع السد سوف يمكّن البلاد من بيع الكهرباء لدول الجوار، بما فيها السودان وجيبوتي وكينيا وجنوب السودان ومصر، ويصفون هذا الأمر بالإنجاز الاقتصادي.

في الوقت الحالي، تنتج اثيوبيا حوالي 2060 ميجا وات، لكن ذلك لا يكفي سوى قرابة 30% من احتياجات مواطنيها، الأمر الذي يُبقى أكثر من 70% من السكان غير قادرين على الحصول على قدر مناسب من الكهرباء.

كيف يرى الاثيوبيون سد النهضة؟

IMG_2925_Gitshaw

يقول جيتاشو وهو جالس أرضاً يعيد شحن هاتفه المحمول في مطار مدينة أسوسا – الذي يبعد نحو 300 كم من السد – “اثيوبيا تحتاج السد لتوليد كهرباء تمكننا من تحقيق تنمية حقيقية؛ هذه المنطقة يمكن أن تتحول لوجهة سياحية رائعة، لكن دون كهرباء ستظل دون فائدة”.

ظهر خلال زيارة قصيرة لأثيوبيا أن أغلب الطرق الرئيسية هناك غير مضاءة؛ تعاني اثيوبيا، التي يبلغ عدد سكانها قرابة 100 مليون نسمة، من انقطاع الكهرباء باستمرار، وهو الأمر الذي تصفه وسائل الاعلام الاثيوبية بالأمر المعتاد.

ويدير جيتشاو – وهو أب لطفل عمره ٩ أشهر – شركة سياحة في أديس أبابا، ويبلغ دخله نحو ٢٠ ألف بير اثيوبي (قرابة ١٠٠٠ دولار اميركي)، إلا أنه يريد أن يضاعف هذا الدخل في المستقبل القريب، حيث يضع أمل على سد النهضة؛ ويقول جيتشاو “وجود طاقة سيسمح لنا بتنمية البنية التحتية والمرافق، وبناء منتجعات واجتذاب سياح الفئة الأولى”.

ويدفع غالبية الاثيوبيين – خصوصا الموظفين الحكوميين-  نسب متفاوتة من دخولهم كمساهمة في المشروع الدي يعتبروه “مشروعا قوميا،” ويتم دفع هذه النسب بصورة شهرية أو سنوية. مثلما حدث مع المصريين، الذين تمكنوا من جمع ما يقرب من 8.5 مليار دولار في ثمانية أيام، وقد أتى الجزء الأكبر – 82% – من هذا المبلغ من خلال شراء الأفراد لشهادات الاستثمار.  

وأضاف جيتشاو – الذي يساهم بنسبة سنوية لم يحددها – بحماس “السد سيكون مولد للثروة والدخل الجيد لنا؛ هو حلم لي ولمستقبل طفلي”.

ويشرح جيتشاو أنه بسبب عدم وفرة الطاقة فإن معظم فنادق اثيوبيا تفتقد المياه الدافئة وخدمات تنظيف الملابس والطهي السريع، والأهم خدمة انترنت هوائي (واي فاي) معقولة؛ هذا الواقع المظلم كان واضحاً خلال ليلة واحدة في فندق بليندانا في أسوسا، حيث انقطعت الكهرباء أكثر من مرة.

سد النهضة من منظور المصريين

إن هذه الأحلام الوردية في اثيوبيا المتعلقة بمستقبل أفضل، يتحقق فيه نسب تنمية مرتفعة، تصطدم بمخاوف حقيقية في مصر من شبح الجفاف المحتمل، الذي من الممكن أن يصيب مصر، حال أكملت اثيوبيا بناء السد. وتخشى مصر من تأثر حصتها من المياه البالغ قدرها 55.5 مليار متر مكعب سنويا مع اكتمال بناء السد، ومع بدء ملء البحيرة خلفه بالماء. تعتمد مصر بشكل شبه أساسي على نهر النيل في الزراعة والصناعة ومياه الشرب.

تحتاج مصر نحو 120 مليار متر مكعب من المياه سنويا، فبالإضافة إلى الـ 55.5 مليار متر مكعب حصتها من مياه النيل، هناك حوالي 20.5 مليار متر مكعب يأتوا من إعادة معالجة مياه الصرف الزراعي والصحي والمياه الجوفية، بحسب تقرير أصدره مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا “سيداري” في مارس 2015. هذه الأرقام تكشف عن عجز مائي كبير قائم بالفعل في مصر، وهو ما تؤكده تصريحات عدد من مسؤولي وزارة الري المصرية.

وبالتبعية، فإن بناء سد النهضة يثير مخاوف جادة بشأن ندرة الموارد المائية في مصر؛ ويتناول الإعلام المصري مسألة سد النهضة بكثير من الخوف والريبة والشك بخصوص تأثير بناء السد على حصة مصر من مياه النيل؛ كان الخوف هو السمة الغالبة على عناوين الأخبار في الصحف الحكومية والخاصة في أثناء فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي؛ واستمر الإعلاميون والخبراء في التحذير من النتائج السلبية لبناء السد على مصر؛ وقد تم وصف بناء السد في عام 2013 بالكارثي بالنسبة لمصر، وبعد زيارة تمت مؤخراً من جانب وفد اعلامي مصري لموقع بناء السد، نشرت صحيفة الأهرام المملوكة للدولة مقالاً، يؤكد أن الزيارة لم تكن كافية لتهدئة مخاوف الشعب المصري، وهذا بدوره يعكس شعور المواطنين تجاه سد النهضة.

image1_the Dam_edited

وفي منزلها الفخم في حي الزمالك، في وسط القاهرة على بعد أمتار مشياً من النيل، تبدي سلمى سالم مخاوفها على مستقبل أولادها وأحفادها حال تعرضت مصر للجفاف، تقول سلمي بقلق حقيقي “سد على النيل يعني توقف تدفق المياه المنتظم لمصر، أو على أقل تقدير فإن التحكم في مصير المياه لم يعد بأيدينا،” وتضيف “واضح أن هناك فشل حكومي كبير في التعامل مع الأزمة، ويبدو أننا وابنائنا سندفع الثمن”.

بعد بضع سنوات من الخلاف مع أثيوبيا، وقع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتفاق إعلان مبادئ مع اثيوبيا والسودان في مارس 2015، تم التوافق فيها على بناء السد، دون حسم بعض النقاط الخلافية، كما أن هذه الاتفاقية لم تحدد إطاراً لكيفية حل هذه الخلافات. وفي مقابلة أجراها السيسي مؤخراً، أكد أن المفاوضات بين مصر وأثيوبيا كانت مستمرة في ظل مناخ من الطمأنينة، وطالب الشعب بالتعامل مع الموضوع بهدوء وثقة، مضيفاً أن مياه النيل سوف تستمر في التدفق إلى مصر؛ سعى أيضاً وزير الخارجية سامح شكري إلى التقليل من شأن هذه المخاوف، حيث اعترف بوجود مخاطر قائمة، ولكنه قال في يونيو “نحن نناقشها مع الشركاء الأثيوبيين والسودانيين” من أجل التوصل إلى اتفاق.

اطمأن البعض بعد تصريح السيسي، صاحب الشعبية الكبيرة في مصر، في أنه لن يفرط في حقوق مصر بسهولة؛ حتى أن صحيفة الأهرام أجرت مقابلة مع وزير المياه الأثيوبي موتوما ميكاسا، الذي سعى إلى طمأنة الرأي العام المصري. ولكن البعض أعلن عن مخاوفه من أن مصر في خطر، من بين هؤلاء أعضاء في البرلمان مواليين للرئيس، وقد وصف مصطفى بكري مؤخراً السد بأنه أحد المؤامرات ضد مصر.

وينتقد محمد نصر علام الذي كان وزيراً للموارد المائية والري 2009-2011 الأسبق بصورة علنية الاتفاق مع اثيوبيا، ويبدي قلقه من التأثيرات السلبية المستقبلية للسد؛ حيث صرح بأن مصر تخشي أن يؤدي ملء بحيرة سد النهضة إلى انحسار مخزون مصر من المياه في بحيرة السد العالي، ما سيؤدي إلى بوار ملايين الأفدنة الزراعية، ونقص الكهرباء التي ينتجها السد العالي، ونقص الموارد المائية في محطات مياه الشرب، وانخفاض منسوب المياه الجوفية في مصر.

وأضاف علام إن ” ملء السد العالي مصمم أنه ليس هناك سدود قبله، وإذا فرغ لا يمكن ملئه مجددا إلا إلى النصف.”

وفي محافظة المنيا التي تقع على مسافة 300 جنوب القاهرة، عبر المزارع الستيني أمير ميخائيل من مخاوفه من “بوار أرضه” بسبب تداعيات سد النهضة على تدفق المياه لمصر، وشكا ميخائيل من أن “المياه متوفرة بالكاد حالياً لنا للزراعة، نحن نتقاسم المياه بالدور بيننا لسقي أرضنا،” وتابع بضيق وقلق إن “بناء سد النهضة سيكون كارثة بالتأكيد، أخشى اليوم الذي لا أعرف أن أسقي فيه زرعي، ربنا يستر.”

Read in English

محمد محمود

صحفي مصري مستقل مقيم في القاهرة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط