العراق: إعادة إنتاج مقتدى الصدر

العراق: إعادة إنتاج مقتدى الصدر

اشترك في نشرتنا

قطع مقتدى الصدر – والذي يطلق عليه في كثير من الأحيان رجل الدين المثير للقلاقل – شوطاً طويلاً قادما من عام 2003 وقت أن كان منبوذاً ومطارداً لينتصر في الانتخابات العراقية في عام 2018. تشير النتائج المبكرة إلى نجاح مفاجئ للصدر، وهو بالتأكيد إثبات وجود له، لكنه تحد يواجه النخبة السياسية العراقية، والتي كانت مرتبكة في طريقة التعامل معه. وهو أيضا تحد للحكم في العراق للمضي قدماً عقب الانتخابات نحو المرحلة التالية في تشكيل الحكومة.

“نحن مستعدون للعمل والتعاون في تشكيل الحكومة الأقوى في العراق، لتكون خالية من الفساد.” بهذه الكلمات ألقى مقتدى الكرة في ملعب قادة الأحزاب العراقية للعمل معه أو المخاطرة بتعريض أنفسهم لغضب الملايين من أتباعه في البلاد.

أتذكر سماع نفس هذه الكلمات في عام 2003 من شخصين مقربين للصدر، واللذين جاءل لرؤيتي في فندق الرشيد في حي الخضراء ببغداد، والتي يطلق عليه الآن الحي الدولي. بحث عني الرجلين، وتعرفا علي عبر ظهوري في إحدى القنوات الفضائية العربية كمتحدث لوزارة الخارجية في بغداد. أخبراني بأنهما طلبا مقابلتي لأنهما لا يعرفان من غيري يمكن أن يوافق على مقابلتهما.

في تلك الأيام، كان الصدر – رجل الدين ذو العمامة السوداء – شاباً متمرداً، يقود ميليشيا ضمن أعمال عنف أخرى، واتهم بقتل رجل دين شيعي كبير وهو عبد المجيد الخوئي والذي كان عائدا لتوه إلى النجف من منفاه في لندن. انتشرت الشائعات بين العراقيين أن الصدر قد شوهد وهو يقتل الخوئي، وهي تهمة ينكرها، حيث لا دليل عليها. يقول شهود عيان أنه على الأقل ترك الخوئي يموت أمام عتبته، رافضاً نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.

بالنسبة للولايات المتحدة، أقل ما يقال عن الصدر أنه مزعج، وكان يؤجج الغضب ضد الغزو الأمريكي لبلاده. حين أبلغت رسالة من وسطاء الصدر بإن رئيسهم يرغب في مناقشة القيام بدور بناء في مجلس الحكم العراقي، رد علي مسؤول كبير في الولايات المتحدة قائلا “نحن لا نريد الحديث معه، بل نريد قتله.”

كان أعضاء مجلس الحكم العراقي، وقيادات المعارضة لصدام حسين الذين عادوا لبلادهم عقب الغزو الأمريكي أنفسهم في حيرة حول كيفية التعامل مع الصدر. على جانب، لم يكونوا يرغبون في وجوده بينهم كعضو في مجلس الحكم العراقي. وعلى جانب آخر، فإنهم كانوا يعارضون بشدة قتله. إن قتل رجل دين شيعي من نسل الرسول ولديه أتباع متحمسون كثر، يمكن أن يتسبب في تداعيات خطيرة.

بعد 15 عاماً، ما يزال الفقر وفساد الحكم على قمة قائمة شكاوى المواطنين العراقيين، وكانت هذه هي القضايا الكبرى في الانتخابات. كما أن الطائفية والتدخل الأجنبي، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إيران، تشكل قضايا ملحة خاصة بعد هزيمة تنظيم داعش، والحاجة للعودة لمصالحة وطنية بين العراقيين الشيعة والسنة والأكراد.

يشير الإقبال الضعيف، حوالي 44%، إلى الشعور بالضيق بين الكثير من الناخبين، والذين أداروا ظهورهم للأحزاب الكبرى التقليدية والشخصيات الهامة، ويبدو أنهم فضلوا شعارات الصدر الشعبوية. كانت حملة الصدر الانتخابية تعتمد بالأساس على القضاء على الفساد وجهود جادة للقضاء على الفقر. وبدا أن آية الله السيستاني، بشكل غير مباشر، يدعم الصدر عبر انتقاد الساسة المنتخبين بسبب عجزهم عن تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي منذ سقوط صدام.

نصح السيستاني، وهو رجل الدين الأكبر والمرشد الروحي لملايين الشيعة، ليس فقط في العراق، ولكن أيضا في المنطقة، الساسة بتبني أجندة غير طائفية. وللمفارقة، فإنها الأجندة التي تبناها الصدر في السنوات الأخيرة، وبرفض مفهوم  ولاية الفقيه – وهو المبدأ الذي تأسست عليه الجمهورية الإسلامية في إيران والذي يكرس لحكم علماء الدين – فإن السيستاني أيضا، ربما بغير وعي، منح دعما أكبر للصدر الذي يعارض النفوذ الإيراني في العراق.

إذا انتهى الأمر بالصدر أن يكون المحرك الرئيسي في تشكيل الحكومة العراقية، فإن ذلك يعطيه صوتاً قوياً في البرلمان والحياة السياسية في العراق لأربع سنوات قادمة. بالرغم من أن هذا التوقع يتسبب في صدمة للأمريكيين والإيرانيين ودوائر الساسة التقليديين في العراق، إلا أن هذا لا يعني أن الأمر ليس مبشرا بالمرة.

لا تنبئ شعارات مقتدى في حد ذاتها بأي تهديد لمستقبل الاتجاه السياسي المحلي والخارجي في العراق، لكن الخطر يكمن في أسلوب الشعبوية ونقص الخبرة في الحكم لكل من الصدر ومستشاريه. إن على الصدر أن يظهر مستوى عال من النضج والمهارات السياسية من أجل تمرير أجندة تشريعية لهذه البلاد.

سيكون اختبار الصدر الأول هو التحالفات التي عليه القيام بها من أجل الحكم. إن تشكيل ائتلاف مع العبادي يمكن أن يكون رهانه الأفضل بسبب خبرة عبادي ووسطيته، خاصة حين يتم مقارنته برئيس الوزراء نوري المالكي وقائد جبهة الحشد الشعبي هادي العامري. لكن من المؤكد أن ذلك لكن يكون خياره الوحيد، عليه اختيار كلماته بعناية أيضا في المستقبل والابتعاد عن تهييج الجماهير التابعين له. سيقف كل من السنة والأكراد موقف المتفرج لمتابعة خطوته التالية. وبما أن هذا هو الحال القائم في العراق منذ سقوط صدام، فإن التحدي الأكبر بالنسبة للعراق يكمن في الحكم والحوكمة.

 اشترك في نشرتنا English

نبيل خوري

كبير باحثين غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط. بعد خمسة وعشرين عاما في خدمة الخارجية الأمريكية، تقاعد خوري في عام 2013، على درجة وزير مفوض. وخدم خوري كنائب رئيس بعثة في السفارة الأمريكية باليمن بين 2004-2007.

شاهد أيضاً

العلاقة المتصدعة بين الطائفة العلوية ونظام الأسد

العزلة التي فرضها العلويين على أنفسهم ودعمهم القوي للنظام ضمن لهم أمنهم، إلا أنه وضع الطائفة تحت تهديد. أتى ولائهم للأسد بثمن كبير، حيث أصبحوا هدفاً لانتهاكات حقوق الانسان نظراً لصلاتهم بالنظام.

خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

ظهرت المجموعات المسلحة في كل ركن في البلاد، ولكن يمكن ملاحظة هذا الانتشار والتعقيد لهذه المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها.

ما وراء الأمن: تحديات تواجهها الدولة العراقية

نشر المجلس الاطلنطي تقريره عن أهم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية. في هذا التقرير يتناول د. حارث حسن، كاتب التقرير، التحديات الاجتماعية-الاقتصادية وقضايا إدارة الدولة في عراق اليوم.