الأولويات الإقليمية لمصر والإدارة الأمريكية القادمة

زاك جولد وإليسا ميلر

في سلسلة من اللقاءات مع وسائل إعلام الدولة في نهاية أغسطس، أعطى الرئيس عبد الفتاح السيسي تصريحات ذات عمق عن رؤيته للسياسة الخارجية، والاقتصاد، والسياسات المحلية؛ تعكس ملاحظات السيسي حول سوريا وليبيا بالتحديد تصوراته لتهديدات الأمن القومي والتي تقود سياسة مصر الخارجية في الإقليم، ويجب على الرئيس الأمريكي القادم أن يضع ذلك في حسبانه بحرص شديد؛ ستحتاج الإدارة الأمريكية القادمة أن تعي ذلك، بالرغم مما وصفه السيسي بعلاقات “استراتيجية… وتتحسن” بين مصر والولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة ستفشل في تأمين مساعدة السيسي لها في أولوياتها الإقليمية، إذا لم يتم وضع مخاوف مصر الإقليمية ذاتها في الحسبان.

ربما تكون ليبيا هي النموذج الرئيسي للتعقيد المتسبب في اختلاف وتنافس الأولويات الإقليمية للولايات المتحدة ومصر؛ دعم مصر لمجلس النواب في طبرق يناقض دعم المجتمع الدولي بقيادة أمريكية لحكومة الائتلاف الوطني، بالرغم من التحديات المحلية التي تواجه شرعية حكومة الائتلاف الوطني الليبي، فإن المجتمع الدولي استمر في الاعتراف بها بشكل متكرر، بوصفها الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا. من منظور الحكومات الغربية، فإن مجلس النواب قد فشل حتى الآن في تأييد حكومة الائتلاف الوطني، كما إن رفضه للتشكيل الوزاري الجديد لحكومة الائتلاف الوطني قد جمد العملية الانتقالية المدعومة من الأمم المتحدة في ليبيا، وخاطر بسيطرة الحكومة. مازالت مصر تضع رهانها في ليبيا، كما هو واضح من دعمها لقرار المجلس الرئاسي الليبي بتعيين تشكيل وزاري جديد لحكومة الائتلاف الوطني، بعد تصويت البرلمان الليبي على عدم الثقة في الحكومة الجديدة.

في هذا الحوار، عبر السيسي عن دعمه لمجلس النواب الليبي كحكومة شرعية، وكممثل للشعب الليبي، كما إنه أشاد بقائد الجيش الوطني الليبي الجنرال خليفة حفتر. ويعد حفتر شخصية معقدة بالنسبة لصناع القرار السياسي في الولايات المتحدة، فالجيش الوطني الليبي هو أقرب شيء للتشكيل العسكري لدى ليبيا – ومع المساعدة المصرية والتدريب يمكن أن يصبح أكثر مهنية. ومع ذلك، فإنه من غير الواضح عن أي دور يبحث حفتر لنفسه في مستقبل ليبيا، فالجنرال لا يدعم حكومة الوحدة، وقواته لم تساعد في عمليات كسر تنظيم داعش في سيرت – وهي مهمة ذات أولوية بالنسبة للولايات المتحدة، مما جعلها تمد العملية بدعم جوي كبير.

يرجع الدعم المصري لحفتر إلى حملة الجنرال العسكرية ضد المتطرفين في ليبيا، والذين تراهم مصر كتهديد رئيسي لاستقرارها، مع وجود تنظيم داعش على حدودها. إن التداعيات الأمنية على حدود مصر مع ليبيا – والتي تبلغ 693 ميلاً – وبسببها فإن طرابلس لا تمتلك حرس حدود، تتداخل مع المخاوف المصرية من نفوذ داعش وعملياتها في ليبيا؛ أشار السيسي في حواره إلى أن مصر “مستعدة لمواجهة أي تهديد على حدودها مع ليبيا.” وهي حقيقة، فبعد أيام من حواره، أصدرت القوات المسلحة المصرية بيانات تقول فيه بأنها قامت بعمليات مكافحة تهريب على حدود البلاد الغربية.

تحتاج حكومة الائتلاف الوطني لبناء مصداقية محلية، حتى تتمكن من حكم البلاد بكل فعال؛ يمكن للمجتمع الدولي المساهمة في هذا المجهود، من خلال مساعدة القوات المدعومة من حكومة الائتلاف الوطني، لتطهير البؤر التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وأيضا من خلال المساهمة في إعادة بناء وصيانة الموارد الطبيعية عقب العمليات العسكرية في سيرت، وفي أي مكان آخر تكتمل فيه العمليات العسكرية. إلا إن غياب الدعم المصري الكامل لحكومة الائتلاف الوطني – وهي أحد أهم جيران ليبيا وأحد حلفاء الولايات المتحدة المهمين – يعرض قدرة الحكومة لبناء مصداقية محلية وإقليمية للخطر، إن دعم مصر لقوات حفتر، واستعدادها للاستمرار في دعم مجلس النواب الليبي في القاهرة، بالرغم من استضافتها لمحادثات رفيعة المستوى لكسر الجمود في الحياة السياسية الليبية ، والتصرف المصري من جانب واحد في ليبيا يعقد مصالح الولايات المتحدة في البلاد، ويضعف سلطة حكومة الائتلاف الوطني.

على الصعيد السوري، فإن السيسي عبّر عن سياسات مصر في خمس نقاط: احترام وحدة الأراضي السورية، إيجاد حل سياسي للأزمة واحترام إرادة الشعب، نزع سلاح الميليشيات والجماعات المتطرفة، تفعيل مؤسسات الدولة، وإعادة البناء. على الورق، فإن هذه النقاط تتوافق مع السياسات الأمريكية، علاوة على ذلك، فإن السيسي قد امتدح في السابق الجهود الأمريكية والروسية لوقف العنف في سوريا. إلا أن دعم مصر للتدخل الروسي في سوريا يضع القاهرة في تناقض مع الولايات المتحدة وحلفائها من دول الخليج. في ذات الوقت، فإن المسئولين المصريين قد أحجموا عن التعليق على مستقبل بشار الأسد، فهم يسيرون بحرص على خط رفيع بين حلفائهم فيما يخص سوريا. فروسيا، والتي تتمتع مع مصر بعلاقات قوية، تدعم الأسد، بينما طالب حلفاء مصر (الولايات المتحدة ودول الخليج) بأن يتنحى الأسد عن الحكم. وبالرغم من أن السيسي قد وصف عدم التدخل بأنه “مبدأ أساسي” في سياسات مصر في حواره، فإن مصر تدعم التدخل الأجنبي في كل من سوريا وليبيا، بسبب مخاوفها الرئيسية بشأن الحرب على الإرهاب، والتي تراها مصر من وجهة نظر محلية مسألة أمن قومي. بالنسبة لمصر، فإن التهديدات من قبل تنظيم داعش تنطلق من تهديدات متطرفة داخلية معينة. والجهود ضد التنظيم، في ليبيا على سبيل المثال، ينظر إليها من منظور الأمن القومي. 

إضافة إلى ذلك، بالرغم من تحذيرات مصر من تهديدات تنظيم داعش لأمنها، فإن القاهرة لم تهتم بإرسال قوات للمشاركة في التحالفات العسكرية ضد التنظيم بقيادة الولايات المتحدة، والتي تقوم بعملياتها في سوريا والعراق. وبالرغم من المشاركة الرمزية لـ 66 عضو في التحالف، فإن رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب قد أشار في عام 2014 إلى أن الجيش المصري يهتم بقضاياه المحلية وحماية حدوده، أكثر من اهتمامه بهزيمة داعش في سوريا والعراق. في حواره، ركز السيسي بشكل مباشر على تنامي تنظيم داعش في ليبيا، وأنه نتيجة لضغوط التحالف على التنظيم في كل من العراق وسوريا، فإنه يبدو أن مخاوف القاهرة تتجلى في أنها إذا ما أرسلت خيرة قواتها المدربة للمساعدة في طرد داعش من العراق أو سوريا، فإنها ستترك بابها الخلفي مفتوحا لعناصر داعش المتمركزة في ليبيا.

صرح مصدر مصري عسكري مسئول بأن القوات المسلحة المصرية وصلت إلى قرار بتدريب القوات العراقية، ومع ذلك، فإن ذلك مازال لا يلبي مطالب الولايات المتحدة من مصر، وهي أن تشارك في عمليات ضد تنظيم داعش. في هذا الحوار، لم يذكر السيسي العراق إلا لماماً، وبالتأكيد لم يمهد الطريق لاحتمالية إرسال مزيد من القوات المصرية. علاوة على ذلك، فإن الخطط لتكوين قوات مسلحة عربية مشتركة، والذي دعا لها السيسي في العام الماضي، يبدو أنها تعطلت، بالرغم من أن وزير الخارجية سامح شكري قال  في أغسطس أن المبادرة مازالت على الطاولة.

ومع ذلك، فإن دعم السيسي لقوات عربية مشتركة لتنفيذ عمليات لدحر الإرهاب، ورغبته في وقف توسع داعش في ليبيا وإرجاعه توسعها إلى الضغط الذي واجهته في سوريا والعراق، يمكن أن يكون قوة رافعة لدعم مصري لأولويات الولايات المتحدة في سوريا. يبدو أن رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما حريص على ترك الحكم وقد وضع ليبيا على طريق أفضل بعد التدخل العسكري في 2011. في هذا الربيع اعترف أوباما بالفشل حين لم يتم الاستعداد للصراع الداخلي الذي حدث بعد الإطاحة بمعمر القذافي، والحقيقة فإن المسئولين المصريين ألقوا باللوم على الولايات المتحدة وحلفائها من حلف شمال الأطلنطي في إحداث الفوضى في أراض تجاورهم، مما أدى إلى تسرب هذه الفوضى إليهم؛ علاوة على ذلك، فإن دعم الولايات المتحدة للعمليات ضد داعش في سيرت في هذا الصيف يمكن أن يعطي مصر الثقة بإن الولايات المتحدة لن تسمح بأن تشكل جارتهم تهديداً لهم أكثر من ذلك.

يجب أن يستمر خليفة أوباما على هذا الطريق، وذلك بالتركيز على تحقيق الاستقرار في ليبيا، والقضاء على تنظيم داعش في البلاد، ويمكن للرئيس الأمريكي القادم أن يوضح للسيسي بأن أمن الحدود المصرية هو أولوية أمريكية أيضا؛ ويمكن للولايات المتحدة أن تستبدل اعتماد مصر على حفتر بأن تقوم بالمزيد من الدعم للقوات الليبية المدعومة من حكومة الائتلاف الوطني مثل ميليشيا مصراته – والذين يعملون على إخراج الإرهابيين من الملاذات الآمنة. من المهم دعم القوات الليبية التي تحارب داعش، وفي نفس الوقت دعم حكومة الائتلاف الوطني لبناء وتدريب قواتها، ومن ثم من الممكن أن يتم تنفيذ هذه العمليات الأمنية عبر قوات الحكومة، وذلك أفضل من الاعتماد على المليشيات. كما إن بناء جيش فعال ومهني سيقوض الاحتياج لجيش حفتر الوطني الليبي ومن ثم شرعية قواته، وهذا بدوره سيضع المسئولية عن الأمن تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليا.

المزيد من الاهتمام الأمريكي بليبيا سيرسل رسالة واضحة للجيش المصري، بأنه يمكن أن يشارك في تحالفات تنفذ عمليات ضد تنظيم داعش مع أقل تأثير ممكن على جبهتها الداخلية. وبمجرد أن تتحول إلى مشارك في اللعبة، يمكن لمصر أن يكون لديها قوة لدفع روسيا – والتي يصف السيسي العلاقة معها بأنها “متينة” و”قوية” – لحل سياسي في روسيا. بالرغم من التعقيد، فإن رؤية السيسي المتداخلة لتلك الصراعات، كما انعكست في حواره، تعني بأن التحرك على إحدى الجبهات يمكن أن يثمر عن نتائج إيجابية في الجبهات الأخرى.

Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط