استراتيجية نظام الأسد للقضاء على الثورة السورية

لم يتوانَ النظام السوري عن استخدام مبدأ القوة العسكرية بالتعاون مع حلفائه في قمع الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في مايو/أذار عام 2011، بالتزامن مع عرقلته للمفاوضات التي تجري في جنيف تحت سقف الأمم المتحدة للوصول إلى حل سياسي ينهي الأزمات التي ألقت بنتائجها على منطقة الشرق الأوسط والعالم، بما فيها أزمة اللاجئين والإرهاب العابر للحدود.

ويأتي ذلك في ظل تراجع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها عن دعم المعارضة السورية، وإعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب المتمثل في تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، والاستفادة من التفتُّت الحاصل في صفوف المعارضة السورية وعدم الاتفاق بين مكوناتها على رؤية موحدة لمستقبل سوريا.

ويحاول النظام السوري اللعب على الهوامش الدولية وخاصة بين الداعمين الرئيسيين له روسيا وإيران، ولعله يميل إلى طرف طهران التي ترتبط نواياها ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد وعدداً آخر من القياديين في الجيش والأمن على المدى البعيد، في حين أنه يعرف جيداً أن موسكو دخلت إلى سوريا بعدة أهداف، بما فيها تأمين تواجدها في المنظمة، ولكنها تستغل أيضًا الحاجة الدولية إلى الحد من نفوذ الميليشيات الإيرانية وتغلغلها داخل أجهزة الدولة مقابل مقايضة أسياد الكرملين على ملفات أخرى عالقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رأسها مشكلة أوكرانيا والغاز.

لذلك يسعى الرئيس السوري بشار الأسد إلى الاستفادة من حاجة موسكو إليه في الوقت الحالي، بعد أن دفعت مبالغ طائلة لدعمه وخاصة في الأمور المتعلقة بالعمليات العسكرية التي أدت إلى تراجع المعارضة المسلحة بعيداً عن العاصمة دمشق، كما يرفض الأسد أي اتفاق يتقاسم فيه السلطة مع المعارضة وفق بيان جنيف أو القرار الدولي 2254، على الأخص وفق المرحلة الحالية حيث تعصف رياح الفرقة عصفاً شديداً بالمعارضة.

القضاء على المعارضة والدخول كشريك في محاربة الإرهاب

يستغل النظام السوري الدعم المقدم من طهران وموسكو بالمال والسلاح والرجال لتحقيق انتصارات عسكرية هامة على حساب المعارضة السورية التي تتلقى الدعم من تركيا ودول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وشكل نجاح قوات النظام في بسط السيطرة على كامل مدينة حلب في ديسمبر/كانون الأول من عام 2016، تتويجاً لتنامي قوته في السنوات الأخيرة، وهو ما أعطاه الأمل بالعودة إلى الأوساط الدولية، والسيطرة على كامل سوريا من جديد.

وانتهز النظام الفرصة مؤخراً للوصول إلى أطراف نهر الفرات لأول مرة منذ عام 2013، حيث دخلت قواته إلى الأطراف الغربية من مدينة منبج باتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية -التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية الجزء الأكبر منها- المدعومة أمريكياً، وذلك من أجل منع قوات المعارضة السورية في منطقة “درع الفرات” المدعومة من تركيا بالتقدم تجاه مدينة منبج.

ولطرح نفسه كشريك دولي في محاربة الإرهاب، استفاد النظام في الآونة الأخيرة من اتفاق “خفض التصعيد” الذي وقعت عليه الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا) في العاصمة الكازخية آستانة بحضور وفد من النظام والمعارضة، حيث يقضي الاتفاق بإنشاء أربع مناطق في سوريا، وهو ما سمح للنظام استغلال قسم كبير من جنوده لإعداد معركة جديدة لفتح الطريق إلى مدينة دير الزور في شرق البلاد والتي يسيطر عليها تنظيم داعش، وتحوي على موارد كبيرة من النفط والغاز (معمل كونيكو وهو أكبر معمل غاز في الشرق الأوسط) والمياه، حيث أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مؤتمر صحفي له من دمشق أن “الهدف الرئيسي لقوات بلاده هو التوجه إلى دير الزور”، وعلى ما يبدو أن ذلك يأتي بهدف وصل طريق دمشق–بغداد.

التهجير القسري والتغيير الديمغرافي

اعتمد النظام على تكتيك عسكري في محيط دمشق مختلف عن معاركه العسكرية التي يقودها في باقي المناطق، وركز على تقسيم مناطق المعارضة ومنع التواصل فيما بينها، وذلك لتخفيف الضغط عليه في العاصمة، وشكل ذلك مع مرور الوقت مناطق محاصرة بشكل كامل.

وبعد أعوام من الحصار والقصف واستهداف المرافق الصحية ومنع فرق الإغاثة الدولية من إدخال المساعدات الإنسانية والطبية، بدأ النظام بتوقيع اتفاقيات مع ممثلين عن تلك المناطق تحت مسمى “مصالحات”، تقضي بتسليم أفراد المعارضة أسلحتهم مقابل ضمان الحكومة السورية بقائهم في مناطقهم، في حين تنقل الحكومة الأشخاص الرافضين للاتفاق إلى مدينة ادلب أو المناطق التي تسيطر عليها تركيا في شمالي سوريا أو مناطق أخرى غير

نتيجة تلك السياسة تمكن النظام من تفريغ عدداً كبيراً من المناطق في محيط العاصمة دمشق ومدينة حمص، والتي تعتبر ممر عناصر حزب الله من لبنان إلى سوريا، وكان آخرها حي الوعر في حمص، وحي تشرين والقابون وبرزة في دمشق، ويسعى النظام من خلال ذلك إلى استبدال سكان المناطق المحيطة به بعوائل من الموالين له لضمان أمنه واستقراره.

تفاهم حذر مع الأكراد

فرض الأكراد في شمال سوريا أمراً واقعاً بعد تمكنهم من إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بدعمهم لمحاربة تنظيم داعش وتنظيم جبهة النصرة التابع للقاعدة، وهو الأمر الذي رحب به النظام السوري وفرض عليه التعامل بحذر معه، وجعله يتودد للقيادات الكردية ويبني شبكة مصالح مشتركة، بهدف عزل المعارضة السورية المسلحة وإبعادها عن كسب أي دور في المستقبل، وخاصة في ظل تعنتها بأولوية محاربة النظام بدلاً من التفاهم معه سياسياً لإيجاد حل سياسي وفق القرارات الأممية.

ونسج النظام مع الأكراد عدداً من التفاهمات المبنية على الأسس التشاركية وليس العداء، حصل خلالها على بقاء سلطة الدولة ومؤسساتها مستمرة في تلك المناطق الواقعة بعيداً عن العاصمة دمشق ورفع علم النظام والاعتراف بشرعية وجوده، وتعهد بمواصلة دفع رواتب الموظفين العاملين في المؤسسات العامة، مقابل إعطاء الأكراد الحرية في تقسيم وإدارة مناطقهم كنوع من اللامركزية الإدارية التي يطمح إليها أصحاب الأقلية العرقية والذين يشكلون أغلبية في شمال شرق سوريا، كما سمح النظام لهم بالتكلم باللغة الكردية (التي كانت ممنوعة في السابق) وإدراجها كلغة أولى في المدارس.

عرقلة المفاوضات حتى الوصول إلى الانتخابات

يرى النظام في مشاركته في مفاوضات جنيف فرصة لترميم مصداقيته التي فقدها على الساحة الدولية وللظهور بدور الطرف العاقل، مستفيدًا من سيطرة موسكو الحليف الأقوى له على مجريات تلك المفاوضات في ظل الانكفاء الأمريكي، وبالتزامن مع ذلك يجري النظام إصلاحات جذرية في حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يتزعمه الرئيس بشار الأسد منذ عام 2000 ويقود البلاد منذ عام ١٩٦٣، وطالت تلك الإصلاحات جميع الشخصيات القيادية والتي يطلق عليها “الحرس القديم”، وأشارت صحف موالية للنظام إلى أن هناك تغييرات أخرى تمس حتى شعار الحزب والذي كان “أمة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة”.

ويعتقد مراقبون أن هذه الحركة تشير إلى قيام الأسد بالتحضير لأي معركة انتخابية محتملة، على الأخص وأن موسكو تصر على بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية التي تجري خلالها انتخابات برلمانية ورئاسية، وتعطيه حق المشاركة في الانتخابات التي سيتم الاتفاق عليها فيما بعد.

اشترك في نشرتنا Read in English

غيث الأحمد

يعمل صحفي في صحيفة العربي الجديد، وعمل سابقاً كمنسق إعلامي لفرع الهلال الأحمر السوري في دير الزور.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة