بعد عام من موتهم، أهالي ضحايا شاحنة الموت ما يزالوا يبحثون عن الجاني

مهاجرة سورية تنتظر على الحدود مع مقدونيا.

في آغسطس / آب العام الماضي، قد قضى 71 لاجئا، منهم منهم 59 رجلاً وثماني نساء وأربعة أطفال، ومن جنسيات سورية وعراقية وأفغانية، أثناء سفرهم في شاحنة من بلغاريا إلى النمسا، وبعد أن غطت محطات إعلامية وقائع الاحداث، اختفت القضية، ولكنها لم تنتهِ بعد، حيث ما يزال وأهالي الضحايا يتابعونها، ويبحثون عن اجابات.

تمكنت من التحدث مع شخص سوري كردي مكلّف من قبل عدّة عائلات سورية وعراقية (منهم عرب وكرد وتركمان وإيزيديون)، وقد فقدَ اثنين من أولاده في تلك الشاحنة وهما في طريقهما إلى دولة النمسا، وألقى كلامه ضوءً على تعقيدات هذه القضية، وأيضا سوء التفاهم الذي قد يحصل حين يحاول ذوو الضحايا التواصل مع مسؤولي الدول ذات الصلة بالقضية وتحقيق عدالة ما.

يقول خليل مصطفى، 61 عاماً، وممثل ذوي الضحايا:

بالنظر لحيثيات جريمة الشاحنة النمساوية، فهي تعتبر جريمة دولية، أي هي جريمة عابرة للحدود وأن منفذي الجريمة يحملون جنسيات عدَّة، كذلك ضحاياهُم ينتمون لجنسيات مختلفة، وأن الإعداد للجريمة حصل على أراضي عدَّة دول، وتم اكتشافها في دولة النمسا؛ وبالتالي، فإنه يتعزز قانونياً ولوجستياً ولأسباب كثيرة أن تتم إجراءات المحاكمة في دولة النمسا أو إحدى دول الاتحاد الأوروبي، لأن هذه الجريمة التي حصلت أو على الأقل، تم كشفها على الأراضي النمساوية، فيكون قانوناً الولاية المكانية لدولة النمسا هي ولاية مطلقة، تبعاً لولاية الدولة على أرضها وما يحصل عليها.

ولكنه لا يتفق مع تحويل السلطات النمساوية القضية لـ بلغاريا، الخطوة التي قامت النمسا بها بعد أن أتمت تحقيقها بدون تقديم شرح، حيث قال مصطفى، “أما تخلي السلطات النمساوية عن هذه القضية لصالح دولة بلغاريا، فهذا اختراق فاضح للقانون، لاسيما وأن دولة النمسا هي الأقرب لهذه الجريمة، وكان عليها أن تتولى القضية، خاصة وأنه بحسب القانون المنشئ للاتحاد الأوروبي، فإن الجناح القضائي في الاتحاد الأوروبي هو الأولى من دولة بلغاريا بتبني وإنشاء محكمة خاصة بجريمة الشاحنة النمساوية.” رغم لجوئه لدفاع قانوني، فإن القانون الذي ينطبق في جريمة عابرة للحدود ليس واضحاً، والناحية التي تعنيه أكثر هي أن بلغاريا تُعرف بقسوتها وعدم مرونتها في التصرف مع اللاجئين غير الشرعيين.

ويتخوّف ذوو الضحايا من ضياع حقوق الضحايا وذويهم، ويقولون إن القضية لا تحظى باهتمام السلطات والإعلام، ويشعرون أن السلطات النمساوية قامت بالتسويف والمماطلة معهم والتعمّد على إخفاء الحقائق عن ملابسات الجريمة وصولاً لقرار السطات النمساوية تحويل القضية إلى محاكم دولة بلغاريا، الأمر الّذي يثير شكوكهم ويزيد من مخاوفهم حول حيثيات تلك الجريمة على حد وصفهم. وحسب مصطفى، فإن السلطات النمساوية لم تنشر نتائج تحقيقاتها، ولم تخبر عائلات الضحايا بها، رغم أنها قد ذكرت أنها ستعلن التفاصيل الكاملة، وعند استفسار أهالي الضحايا المسؤولين النمساويين عن سبب تحويل القضية بلغاريا، يقولون لهم إنه لا علاقة للنمسا بها.

وكان ذوو ضحايا الشاحنة يحاولون التواصل مع أبنائهم منذ السادس والعشرين من أغسطس/آب 2015، حتى لحظة التأكد من وجودهم مقتولين في الشاحنة، حيث كان يجري التواصل بينهم وبين السلطات النمساوية التي كانت تعني بالقضية وقتئذ.

وقد أعطى ذوو الضحايا عناوين وأسماء أبنائهم وكامل المعلومات الواردة عنهم في وثائقهم الشخصية، إلا أن السلطات النمساوية المعنية بالقضية لم تستجب لهم إلا بعد مرور أسبوعين على مقتلهم داخل الشاحنة، هذا ما يؤكده ذويهم، ويضيفون من خلال مداخلات خاصة: ” كل هذه الأمور تشير إلى عدم صدق السلطات النمساوية معنا، فهي قد وعدتنا بصدور تقريرها النهائي بخصوص هذه الحادثة، لكنها في نهاية الأمر تخلّت عن هذه القضية، وحوّلتها إلى دولة بلغاريا، وبذلك تهرّبت من المسؤولية القانونية.” كما يقولون إن السلطات البلغارية لا تتواصل معهم من اجل اطلاعهم على تقدم القضية، وإنهم فقط يعرفون أن السلطات قبضت على 8 أشخاص، سيُحاكمون في بداية العام القادم، لا يعلم ذوو الضحايا التهم ولا يستطيعون السفر إلى بلغاريا للمحاكمة.

ويتابع ذوو الضحايا، “إن التعتيم على جريمة الشاحنة، ساعد على هروب واختفاء المهرّبين، الّذين كانوا يشرفون على تلك الشاحنة، وأننا لا نتهم دولة النمسا بأنها الجهة المنفذة للجريمة، لكنهم يضعون العديد من إشارات الاستفهام لنا من خلال تصرفاتهم بخصوص هذه القضية.”

ووافق ذوو الضحايا على توجيه رسالة جماعية للأمم المتحدة، لأنهم يعتقدون أن قضية الشاحنة النمساوية هي جريمة دولية، لذلك توجهوا إلى الأمم المتحدة بهدف تأمين وإنشاء محكمة خاصة، وما يتبعها من تأمين محامين لذوي الضحايا وتأمين قضاة قادرين على إصدار قرارات تُطبق في هذا السياق، ولكن الامم المتحدة ليست لها الصلاحية في هذا النوع من القضايا الذي يقع تحت سيادة الدول المعنية بها وربما الاتحاد الاوروبي. ويمنعهم المزيج من البُعد بين الأهالي وموقع المحاكمة وعدم القدرة على دفع التكاليف المطلوبة للسفر هناك وصعوبة اللغة وإحجام السلطات الاوروبية عن التعامل معهم، عن متابعة المحاكمة وتحقيق العدالة في قضية أقاربهم.

وتعد المطالبة بمحاكمة دولية خاصة على أرض محايدة، وليس في بلغاريا، من أبرز مطالب ذوو الضحايا، فهم يصفونها بجريمة دولية منظمة بامتياز، لأسباب منها أن منفذي الجريمة وشركاءهم المختفين يحملون جنسيات دول عديدة، والمهاجرون من دول عديدة منها سوريا والعراق وإقليم كردستان وأفغانستان، والجريمة نفذت في دولة أوروبية، وكانت الشاحنة تعود ملكيتها لشركة خاصة، لها عقود مرور مفتوحة للنمسا وغيرها من الدول الأوروبية.

وقد تذمر ذوو الضحايا واشتكوا حينها من طلب السلطات النمساوية مبلغ 6000 يورو مقابل تسليم جثمان كل ضحية وإلا سيدفن في النمسا، ثم اتصلت بسلطات بلدانهم ونقلت الجثمان إلى البلدان الأصلية لأن الأهالي لم يستطيعوا دفع المبلغ المطلوب، وكذلك تذمروا لكتابة السلطات النمساوية على شهادات وفاتهم، ماتوا خنقاً (فقط)، دون الإشارة للأسباب التي أدت إلى وفاتهم. كما يقولون إن السلطات النمساوية والبلغارية لم تقبض على السمسار العراقي الكردي، الذي شارك في تهريب اللاجئين، رغم تعهدها بذلك.

عائلة أخرى أيضاً، فقدت ابنها في تلك الشاحنة، تشير إلى رسالة صوتية أرسلها ولدهم إلى شقيقته أثناء قيام السماسرة بتنفيذ تلك الجريمة، تبيّن بشكل واضح استغاثته مما حصل له ولبقية المهاجرين، وهم يستغربون من تجاهل السلطات النمساوية لهذه المعلومات.

بعد ذلك، يتواصل شقيق أحد الضحايا مع سمسار آخر مستفسراً عن وضع شقيقه، فيمنحه أرقام هواتف سمسار آخر ورابط صفحته الفيسبوكية، ويسأله عن شقيقه، ليرد عليه: لقد وصل شقيقك إلى النمسا وهو في السجن الآن، محذراً من عدم تكرار الاتصال به، لكن فيما بعد لم يعد ذلك السمسار يرد على هاتفه على الرغم من أن شقيقه هذا قُتل داخل تلك الشاحنة أيضاً، ورغم وجود أرقام هواتفه ورابط صفحته الفيسبوكية، إلا أن السلطات النمساوية لم تلق القبض عليه أيضاً.

ولا يخفي ذوو الضحايا همومهم، ويؤدي عدم التواصل من قبل السلطات الأوروبية إلى الخوف من حصول تواطؤ بين السلطات الأوروبية والسماسرة، وبعد مرور عامٍ على هذه الجريمة لم يتوصلوا فيها إلى أي تطور إيجابي في قضية مقتل أبنائهم بهذا الشكل على الرغم من محاولاتهم مع السلطات الأوربية وتوجيه عدة رسائل من قبلهم إلى الأمم المتحدة والجهات الحقوقية. وفي الوقت الذي يستمر فيه المجتمع الدولي مناقشة أزمة اللأجئين، تظهر قصة الأهالي تعقيد هذه الحالات، واستحالة حلها بدون آلة قانونية دولية.

Read in English

جوان سوز

صحفي كردي سوري عمل مراسلاً لعدد من كبريات الصحف والوكالات العربية كالقدس العربي والجزيرة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط