إعادة بناء المجتمعات: استراتيجيات للتكيف والتعافي في وقت الصراعات

أصدرت مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط تقريرها الثالث، ويتناول مشكلة اللاجئين والتهجير القسري، الذي زادت وتيرتها في السنوات الأخيرة في إقليم الشرق الأوسط. حيث يدرس التقرير كيفية إعادة تأهيل المجتمعات التي تشهد صراعات أهلية مسلحة. التقرير جاء تحت عنوان “إعادة بناء المجتمعات: استراتيجيات للتكيف والتعافي في وقت الصراعات” وقد صدر بالتعاون مع معهد الولايات المتحدة للسلام.

الملخص التنفيذي للتقرير

لقد أضحى التهجير القسري لأعداد غير مسبوقة من الأشخاص داخل الحدود الوطنية وخارجها، مع عدم إمكانية تسجيل ومتابعة الكثير منهم وبالتالي صعوبة مساعدتهم، ظاهرة تتسم بالاستمرارية والسيولة في أرجاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العقد الماضي. وتقف المخاطر المتزايدة التي يتحملها اللاجئون وطالبو اللجوء – بما فيها عبور البحر الأبيض المتوسط في ظروف بالغة الخطورة، فضلاً عن التدفق المتزايد والشديد للاجئين عبر منطقة البلقان وأوروبا، شاهدة على مستوى الإحباط الذي يعيشه هؤلاء. هذه المشكلة أيضاً انعكاس لفشل كل من القيادات الوطنية والمجتمع الدولي في التعامل مع النزاعات العنيفة وعناصر الهشاشة، التي تفضي إلى مثل هذه الصراعات بشكل مستدام. 

لم تكتف الصراعات العنيفة المتشابكة في المنطقة بفتح الباب أمام النزوح بهذا الشكل الضخم، وإنما امتد أثرها لقتل وجرح مئات الآلاف، وتدمير العديد من البنى التحتية المدنية، وإضاعة التقدم الذي أحرز على مدى عدة عقود، كما هدد رفاه وأمان أجيال قادمة. وكما أزهقت الأرواح، فقد راحت شبكة العلاقات الاجتماعية، التي تربط الأفراد والمجموعات والمجتمعات، ضحية هذه النزاعات العنيفة أيضاً. 

إن هناك فرصة في وسط هذه المأساة الضخمة، لحشد المجتمع الدولي لعمل المزيد، وللقيام بهذا الأمر بطريقة مختلفة. إن الاستجابة الحالية لا تتسم بالقصور وقصر العمر فحسب، بل إنها قد تنتج المزيد من التشرذم في المجتمعات المحلية، بحيث تصبح وقوداً لمزيد من العنف. إضافة إلى ذلك فإن هذه الاستجابات عادة ما تركز على تناول الأعراض المباشرة، مما يجعلها تقدم إجابات قصيرة المدى لأوضاع تتطلب التزامات طويلة المدى.

يطرح هذا التقرير سؤالاً حول ما ينبغي فعله الآن لتهيئة السياق؟ تمهيداً للتعافي الكامل والتماسك الاجتماعي في المجتمعات التي تعايش نزاعات عنيفة وممتدة، كما يقدم التقرير إجابات أكثر استدامة وتماسكاً وتحديداً لأزمة اللاجئين الحالية، كما يفسر الارتباط الوثيق بين مصير اللاجئين والنازحين داخلياً، وبين غيرهم من المجتمعات المتأثرة بذلك في المنطقة (بمعنى الأشخاص الذين لم يغادروا والأشخاص العائدين وملايين الأشخاص في المجتمعات الهشة التي استضافت اللاجئين والنازحين)، ولماذا سيظل هذا الارتباط قائماً؟ إن أوضاعهم من شأنها أن تطرح تساؤلات اجتماعية-سياسية وأيضاً قانونية (خاصة إذا قام الأشخاص بعبور الحدود أو لم يعبروا)، في حين أن الديناميكيات التي تدفع هؤلاء الأشخاص للنزوح متشابهة. إضافة إلى ذلك فإن ما يمر به الناس اليوم سواء كانوا لاجئين أو نازحين، أو ممن ظلوا في الوطن، سيلعب دوراً في تشكيل كيفية قدرتهم على التعايش في المستقبل.

ألقت الكثير من أدبيات التعافي في فترات ما بعد النزاعات – مدعمة بالكثير من الخبرات العملية – الضوء على أهمية خلق ظروف تتيح المناخ الملائم لبناء السلام طويل المدى، في الوقت الذي لا يزال فيه الصراع دائراً. كلما استمر السكان في التصرف في إطار سلوك الحفاظ على مجرد البقاء، قلت فرص قدرتهم على التماسك لاحقاً. إن بناء السلام ليس هو الغاية في حد ذاته، إنما هو عملية في حاجة للبدء مبكرا،ً وللدعم في جميع مراحلها. يدعو هذا التقرير لتحول جذري في طريقة عملنا في مجال المساعدات الدولية للمنطقة، وهذا التحول مبني على خمسة أمور أساسية:

  • إدماج الأبعاد العابرة للحدود للأزمات القائمة في جميع برامج المساعدات.
  • النظر إلى ما وراء النتائج قصيرة المدى، المتعلقة بالحفاظ فقط على حياة هؤلاء المازحين واللاجئين.
  • زيادة التركيز على المساعدات المستدامة (ما هو أكثر من الغذاء والمأوى).
  • دعم إحساس الشعب بأهميته في عملية إعادة التعافي، باعتباره جزء لا يتجزأ منها.
  • إعادة النظر في الظروف التي يجب توفيرها، من أجل بناء تماسك اجتماعي في المستقبل.

يملي السياق القائم واقعاً يتسم فيه التمويل بالمحدودية وبرامج المساعدات للمنطقة بعدم الكفاية المالية، مما يجعل من الضروري تركيز الجهود على عدد قليل من الأولويات التي تسعى إلى دعم التماسك طويل المدى، واستعادة الأمل والكرامة. كثيراً ما تفتقر المجتمعات المحلية للمواد والخدمات الأساسية، ولكن أعضاء مجموعة العمل الذين ينتمون إلى المنطقة ويعملون مع هذه المجتمعات، قد أكدوا أيضاً على الحاجة لأن تذهب المساعدات الدولية إلى ما وراء حصص الغذاء والبطانيات لتشمل ما يلي:

  • المساعدات الاقتصادية المستدامة لتمكين التماسك المجتمعي.
  • الدعم النفسي الاجتماعي بهدف دعم التماسك الاجتماعي، وتمهيد الطريق أمام عمليات مصالحة طويلة المدى.
  • التركيز على التعليم حتى لا يضيع جيل بسبب عدم توفر أي خدمات تعليمية.
  • الحوارات المجتمعية والوساطة في النزاعات المحلية وآليات الأمن المحلي.
  • أوراق الهوية وشهادات الميلاد.

يسلط التقرير الضوء على مشروعات محددة للغاية، كما يقدم اقتراحات عملية في كل من مجالات التدخل الخمسة المذكورة، إضافة إلى ذلك، فإن التقرير أيضاً يقدم مجموعتين من الاعتبارات التي يجب على المجتمع المدني أخذهما في الحسبان، أولها تتعلق بطريقة تفاعل وكالات المعونات الدولية مع الفاعلين المحليين. إن الدعم الحقيقي للفاعلين المحليين، وتعزيز شعورهم بملكية العملية، لا يفترض مجرد الالتزام بمبدأ “عدم الضرر” فحسب، وإنما يمتد إلى إيلاء المزيد من الاهتمام بما يحتاجه هؤلاء الفاعلون، وما يطلبونه، وأيضاً بالطرق التي ينظمون بها أنفسهم، مما يتطلب تطوير طرق التعاطي مع هؤلاء الفاعلين، وتنظيم الدعم للمنظمات المحلية.

المجموعة الثانية من الاعتبارات تركز على الدعم الذي ينبغي تقديمه للدول التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين في المنطقة، إن تلك الدول تتحمل عبئاً كبيراً ومتزايدا،ً في حين أن العنف قد بدأ بالفعل في التسلل عبر حدودهم، آتياً من البلدان التي تشهد الصراعات. إن حكومات الدول المستضيفة تواجه واقعاً سياسياً غاية في الصعوبة، وبالرغم من ذلك وحتى الآن فإن المجتمع الدولي قد تعامل مع أزمة اللاجئين على أساس مؤقت وطارئ. إن المنظمات الدولية والإقليمية وشركائهم بدءاً من حكومات أوروبا والولايات المتحدة، في حاجة للاعتراف بأن أزمة اللاجئين في الشرق الأوسط ليست مجرد قضية إقليمية عابرة، وإنما هي مشكلة دولية طويلة الأمد، وغير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، وبذلك فإنها تتطلب حلولاً أكثر طموحاً، بدءاً من المزيد من الدعم الكبير لحكومات ومجتمعات الدول المستضيفة للاجئين. 

لقد حان الوقت أيضاً لمجتمع المانحين بما فيهم دول الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لممارسة بعض القيادة السياسية، بإعطاء القدوة فيما يتعلق بتقاسم أعباء اللاجئين، ودعم تماسك هذه المجتمعات على المدى الطويل، وإعادة تأكيد دعمهم للمعايير الدولية للمحاسبة والشفافية.

إن الفشل الآن في الاستثمار في مستقبل مجتمعات كاملة، من شأنه أن يقود إلى مشكلات وتكاليف أكبر لاحقاً، إن دعم قدرة هذه المجتمعات الآن على التماسك ليس فقط استراتيجية سياسية سليمة، وإنما استثماراً اقتصادياً، يمكن أن يوفر أموال دافعي الضرائب في المستقبل، في نفس الوقت الذي يقوم فيه بتهيئة التربة، بوضع أسس للسلام والاستقرار على المدى البعيد.

اقرا الملخص بالانجليزية

اقرا الملخص بالانجليزية

Read Full Report

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.