تقدم المعارضة في ريف حماه والنظام يستنفر قواته

وصلت قوات المعارضة مؤخراً إلى قرية قمحانة في الريف الشمالي، حيث تدور اشتباكات عنيفة بين قوات النظام وهيئة تحرير الشام (التي تشمل فصائل جهادية مثل جبهة فتح الشام)، وتبعد القرية عن مركز مدينة حماه أربعة كيلومترات، وتُعد، بالإضافة إلى جبل زين العابدين، مدخلًا لمدينة حماه، فمن يسيطر على الجبل يسيطر على مطار حماه العسكري، بالإضافة إلى المدينة نفسها.

أطلقت فصائل جهادية أبرزها هيئة تحرير الشام معركة سمتها ” في سبيل الله نمضي”، وسيطرت بموجبها على قرى وبلدات هامة من بينها قرية خطاب، التي تحوي مستودعات الذخيرة ضمن منطقة يطلق عليها اسم “رحبة خطاب” في الشمال الغربي لحماه، بينما شنّت فصائل المعارضة المعتدلة معركة أخرى سمتها ” صدى الشام”، فسيطرت على قرى، أبرزها شليوط وقلعة شيزر، التي تقع غربي مدينة محردة المسيحية، لتقع هذه المدينة بين فكَّي كماشة لقوات المعارضة. ولم تفلح وعود المعارضة بالأمان لسكان المدينة، بالسماح لهم بدخول المدينة، فوصلت المعارضة إلى تخوم مدينة محردة، وأكد القادة أنهم لم يقوموا بأي عمل عسكري لدخول المدينة، وإنما سيدخلون عبر التفاوض، ولكن سكان المدينة رفضوا، لأن جزءاً كبيراً منهم مسيحيون شرقيون، تعرضوا لضربات صاروخية من قبل المعارضة سابقًا، وفي نفس الوقت يتركهم النظام لمصيرهم بدون حماية أو دفاع. لذلك، اكتفت المعارضة، من ناحيتها، بحصارها من ثلاث جهات وتركها وراء الجبهة القتالية.

جيش العزة، من أبرز الفصائل المعتدلة التي كبدت النظام خسائر بشرية، يمكن وصفها بأنها فادحة، حيث استهدفت تجمعاً كبيراً لقوات النظام بصواريخ التاو الأمريكية؛ ووثق اعلاميو جيش العزة عملية الاستهداف هذه، نفس الفصيل نشر فيديو مصور أخر، يظهر فيه استهداف أحدث الدبابات الروسية من عيار T90.

كانت خسائر النظام في المعارك الأخيرة كافية لخفض معنويات مقاتلي النظام، الأمر الذي يشير إلى ضعف قوات النظام؛ فمن بين أبرز القتلى العميد الركن حسام أسعد والعقيد الركن حيدر صالح، وكلاهما من أبناء الطائفة العلوية في طرطوس، التي تُعتبر قلب منطقة بشار الأسد، بالإضافة لبلال منير الزيباوي من حزب الله، وقائد مليشيا الدفاع الوطني في قرية قمحانة محمد الكير.

استنفر النظام، من ناحيته، كل قوته للدفاع عن قرية القمحانة، التي تفصل المعارضة عن مدينة حماه ومطارها العسكري، حيث أرسل أرتال ضخمة من القوات بقيادة العميد سهيل الحسن، أحد أبرز القادة العسكريين الذين يعتمد عليهم النظام، ولم يقف النظام هنا، بل استقدم قوات إيرانية ومليشيات حزب الله اللبناني، في محاولة لوقف تقدم المعارضة في هذه المعارك، التي تزامنت في نفس التوقيت مع تقدم المعارضة في العاصمة دمشق.

مركز نورس للدراسات العسكرية، المختص في الشأن السوري والعراقي، أكد أن مساحة المناطق التي سيطرت عليها المعارضة بلغت 215 كيلومتر مربع، والمعارك على أشدها بين الطرفين في القرية على مدخل المدينة، التقدم الأخير لم يكن يلقى أي رضى من الشيخ عدنان العرعور، ابن مدينة حماه ومشهور بتحريضه السوريين على التظاهر ومحاربة النظام، حيث طالب قوات المعارضة بالابتعاد عن حماه، لأن دخولها يعني تعرض المدنيين للاستهداف المباشر؛ ولاقت تغريدات الشيخ عبر توتير رفضاً واسعاً من أطياف المعارضة سيما التغريدة التالية: “لا يجوز شرعا وعسكرة دخول المناطق المأهولة إلا بعد القضاء ع مراكز العدو حولها كي لا يكون الثوار والمدنيون لقمة سائغة تحت نيرانهم كما حصل بحلب وحمص.”

لم يتأخر أحرار الشام وفيلق الشام عن الدخول في هذه المعركة، بعد وصول التعزيزات الكبيرة، واللافت في الأمر هو استخدام صواريخ التاو مجدداً على أيدي عناصر أحرار الشام، حيث تجاوز عدد الآليات التي دمرتها المعارضة خلال هذه المعارك أكثر من 30 آلية، وتصدت دبابات المعارضة في هذه المعارك لآلة الحرب الروسية، لكنها لاتزال تعجز عن تجنب الاضرار والخسائر التي تحدثها الطائرات الحربية، لا سيما التي تنطلق من قاعدة حميميم الروسية، التي يعتبرها النظام النقطة الأبرز لصالحه.

العلويون يشعرون بقلق حقيقي، خصوصا من يقطن في ريف حماه، حيث صواريخ المعارضة يمكن أن تصل الى مدينتي سلحب والسقيلبية، وترجم هذا الخوف على أرض الواقع، لاستنفار حقيقي لحاملي السلاح، وتجنيد العشرات من الشباب اليافعين، الأمر الذي تطلب من المعارضة تجنب الدخول إلى هذه القرى، وأبرزها قرية معان، التي لم تدخلها قوات المعارضة، خشية تعرضها لاستنزاف في أعداد مقاتليها.

الاعلام الروسي أبدى استياءً واسعاً من سلوك قوات النظام في المعارك، التي شنتها فصائل المعارضة في كل من دمشق وريف حماه، حيث علقت صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا نقلًا عن الخبراء الروس: “ما الذي يمكن قوله إذا كان الجنود يتركون مواقعهم بصورة ذاتية، حتى في أثناء المواجهات القتالية، والضباط القياديون بصعوبة بالغة يفهمون معنى الانضباط العسكري، وضرورة تنفيذ المهمة القتالية، والموقف نفسه يتخذه السوريون في التعامل مع الصيانة الدورية للمعدات والأسلحة؛ ما يتسبب في تلفها السريع، والحديث عن وحدات الدعم اللوجستي الخلفية في الجيش العربي السوري موضوع منفصل على العموم”.

الحزب التركستاني وباقي المقاتلين القوقازيين والشيشان يستعدون لمعركة أخرى في جبال اللاذقية، وصولاً إلى مناطق سهل الغاب، حيث أشار الاعلامي الجهادي أبو عائشة  القوقازي في اتصال خاص إلى نية المقاتلين التركستان التوجه إلى منطقة جورين، التي تعتبر القاعدة الأكبر لمليشيات إيران في المنطقة، وسبق هذه التحضيرات استهداف أحرار الشام لطائرة مروحية روسية في هذه الجبال، لم تستطع أياً من وسائل اعلام المعارضة تصوير المروحية خلال اصابتها، إلا أن الطيران الحربي الروسي حلق على ارتفاعات منخفضة، استطاعت عدسات الكاميرات التقاطها. أبدت قوات النظام خشية واضحة من أي عملية عسكرية أخرى قد تزيد الأمور تعقيداً، وركزت على إيقاف تقدم المعارضة الأخير، حيث رد النظام ردًا قويًا وعنيفًا على هذه الانباء، وقصف بلدة جسر الشغور بعشرات الصواريخ وأكثر من 23 غارة جوية، في محاولة لإيقاف العملية المرتقبة.

نصح ضاحي خلفان، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، بشار الأسد بضرورة التوافق مع المعارضة خلال الأيام المقبلة، لأن وضع جيشه سيكون خطير للغاية، وما يحدث في الوقت الراهن له تأثير واضح على محادثات جنيف، بدا ذلك على وجوه وفد النظام، بينما وفد المعارضة بدا أكثر ثقة بالنفس.

يعتقد العلويون في مدن الساحل أن روسيا لن تتخلى عنهم على الأقل في الوقت الراهن، لكنهم غير واثقين على الاطلاق بقدرات أبنائهم المنضوين في صفوف الجيش والفرقة الرابعة، حيث تحول مفهوم حماية القائد والوطن إلى سلعة يمكن بيعها بمئات آلاف الليرات السورية، خصوصا ممن ينتشرون على الحواجز، ويسمحون بمرور مطلوبين وفارين من أبناء السنة، لقاء هذه المبالغ، ولعل ذلك ما دفع الروس إلى الاستياء من قدرات جيش النظام. وفقد المسيحين في ريف حماه الثقة بقدرة جيش النظام على حمايتهم، لذلك لجئوا إلى تشكيل مليشيات محلية تمنع السرقة وتحافظ على المدينة، من عبث قوات المعارضة والنظام على حد سواء، كما أشار ناشطون معارضون إلى قيام النظام بعمليات اخلاء في مقار أمنية داخل المدينة، الأمر الذي زاد من فقدان الثقة بقدرة النظام وجيشه على وقف تقدم المعارضة.

Read in English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط