الوصول لاتفاق حول القاعدة: خيار للولايات المتحدة وتركيا

ليس للولايات المتحدة سياسة حيال تركيا، فالنهج الحالي للولايات المتحدة تجاه حليفتها العضوة في حلف شمال الأطلنطي ينخفض بسقفه عن الاحتياجات اللازمة للحرب على تنظيم داعش، والاحتياجات اللازمة لقوات محلية برية تتشارك مع قوات العمليات الخاصة التابعة للولايات المتحدة. كانت النتيجة أن قوات الولايات المتحدة تشاركت مع حزب الاتحاد الديمقراطي – وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وهو جماعة تمرد تنشط في جنوب شرق تركيا لما يقرب من أربعة عقود – إلى جانب أن الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (وحدات حماية الشعب) وهو العنصر الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية متعددة العرقيات. إلا أن أنقرة أيضا تفتقر إلى سياسة حيال الولايات المتحدة.  فقد تراوح حزب العدالة والتنمية الحاكم بين اتجاهين متطرفين: الثناء المفرط على إدارة ترامب، وفي ذات الوقت إلقاء اللوم على الولايات المتحدة بوصفها جزء من انقلاب 15 يوليو/تموز 2016 الفاشل.

يعد عدم التواصل الحاصل مؤشرا لقضية أوسع، فالحليفان كافحا من أجل إيجاد أسباب للتحالف عقب الحرب الباردة. لقد قلب حزب العدالة والتنمية النهج التقليدي التركي حيال الولايات المتحدة، ومن ثم، حيال حلف شمال الأطلنطي؛ ومن أجل محاولة وإدارة العلاقات مع تركيا، على الولايات المتحدة الآن البدء في استعراض الطرق لتخليص تركيا من العمليات الجوية الحالية لدعم القوات السورية الديمقراطية، والتركيز على قتال مشترك ضد تهديد تنظيم القاعدة في إدلب. هذا الاقتراح لن يحل المشاكل التي تعاني منها العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، لكنه سيساعد الحليفين على إيجاد قضية مشتركة في مواجهة تهديد مشترك.

لم يكن الأمر سهلا من قبل: تحالف صعب المراس
في غضون الحرب الباردة، كان للولايات المتحدة وتركيا نصيب من الاختلافات، إلا أن التهديد القادم من الاتحاد السوفييتي أبقى عليهما في صف واحد على الصعيد السياسي. علاوة على ذلك، فإن مؤسسة الدفاع التركية تعتمد على الولايات المتحدة من أجل التدريب والمساعدة والإمدادات، إلا أن هذا النموذج قد تغير في السنوات الأخيرة. مازالت أنقرة تعتمد على الولايات المتحدة من أجل الإمدادات، لكن حزب العدالة والتنمية لديه سجل حافل بالرفض لاتباع قيادة الولايات المتحدة في العمليات العسكرية المستقلة عن حلف شمال الأطلنطي.

هذا التباعد يساعد على تفسير تصرفات كل من الولايات المتحدة وتركيا في سوريا؛ حتى اللحظة، فإن الولايات المتحدة وجدت قضية مشتركة مع الميليشيات الكردية لهزيمة تنظيم داعش، بدون التورط في الإطاحة بحكومة بشار. على الرغم من ذلك، فإن الميليشيات القرينة (حزب العمال الكردستاني) لها تقوم بعمليات تمرد في تركيا. هذا التباعد الحرج عمّق التوتر، حتى مع حدوث تشوش لدى الحليفين في خلال هذه الفترة المضطربة بشدة. لدى الولايات المتحدة مصالح في إدارة علاقتها مع الحكومة التركية، وتحاول أن تضع هذه التوترات الأخيرة في الخلفية، وتركيا كعضو في حلف شمال الأطلنطي، قواعدها مازالت متاحة للولايات المتحدة من أجل عمليات عسكرية خاصة لحلف شمال الأطلنطي، فإن التهديدات المتنامية القادمة من جهة روسيا تجعل من التعاون التركي في البحرين الأسود والمتوسط ركيزة أساسية للموقف العسكري الأمريكي على طول أجنحة حلف شمال الأطلنطي.

هذه المناقشات الواسعة عن العلاقات التركية الأمريكية والعلاقات التركية مع حلف شمال الأطلنطي هي الآن خاضعة للحرب على تنظيم داعش، وتصميم واشنطن على المضي في الحرب ضد التنظيم دون تدخل عسكري كبير. المزيد من التعاون القوي ضد القاعدة سيقع على خط الجهود الأمريكية الواسعة في سوريا، وبناء عليه، لن يحل محل العمليات الحالية ضد تنظيم داعش. على هذا، فإن ذلك لن يؤدي إلى كسر الشراكة بين الولايات المتحدة والقوات سوريا الديمقراطية. عوضا عن ذلك، فإن هذا الاقتراح يهدف إلى الوصول إلى تفاهم قصير الأمد مع تركيا فيما يتعلق بمشكلة مشتركة، الفكرة إذن ستكون محاولة رفع ودعم أي زخم إيجابي للتعامل مع التحديات الأمنية الأوسع التي يواجهها كل من الولايات المتحدة وتركيا وحلف شمال الأطلنطي.

بدء المحادثات: ماتيس وكانيكلي

سيقوم وزير الدفاع جيمس ماتيس قريبا بالسفر إلى أنقرة لمقابلة نظيره الجديد، نورتين كانيكلي. كما هو المعتاد، فإنه من المؤكد أن كانيكلي سيشير إلى التحالف بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، وسيشدد على أن تركيا تراقب هذه العلاقة بكثير من الريبة والفزع. في المقابل، فإن موقف الولايات المتحدة سوف يؤكد على أن العلاقة مرحلية تخص تنظيم داعش، وسيقوم بمطمئنة أنقرة فيما يتعلق بمخاوفها الأمنية. عدم توازن القوى في العلاقة الثنائية ساعد الولايات المتحدة على الاحتفاظ بروابط مع تركيا، حتى الآن، فإن أنقرة تحسب حساباتها بأن المصلحة الأفضل ستكون في الاحتفاظ بروابط مع أهم حليف لها، بالرغم من تشاركه مع جماعة تصنفها تركيا بوصفها التحدي الأكبر أمنيا.

أدى افتقار أنقرة إلى سياسة حيال الولايات المتحدة إلى سلسلة من التناقضات الداخلية. فالحكومة التركية عادة ما تهدد بالهجوم على قوات سوريا الديمقراطية، إلا أنها تستضيف على أراضيها الأصول الجوية التي تستخدمها الولايات المتحدة لدعم الجماعة. كما أن حزب العدالة والتنمية قام بحياكة خطاب زائف حول دعم الغرب لانقلاب يوليو/تموز الفاشل. إن سردية حزب العدالة والتنمية لديها قوة حقيقية بين عناصر الحزب وقواعده، بالرغم من أن هذه الرواية للأحداث غير صحيحة بالمرة. إلا أنه وفي ذات الوقت، فإن الرئيس أردوغان سعى لتنمية صلاته مع دونالد ترامب، والذي يلقي أعضاء حزبه باللوم عليه في محاولة اغتيال الرئيس التركي.

على المدى القصير، فإن الجانبين يحتاجان إلى إدارة علاقتيهما. بالرغم من أن الحرب على تنظيم داعش تظل البؤرة الأساسية لمؤسسة الأمن القومي الأمريكي، فمسار الحرب في سوريا ربما يعطي الولايات المتحدة بعض الخيارات للقيام بذلك، حيث أن هناك تركيز من جانب القوات المسلحة الامريكية الآن في شرق سوريا، مع تقليل الطيران من الأردن، فالولايات المتحدة الآن تقوم بعمليات الطيران لدعم قوات سوريا الديمقراطية. تظل قاعدة إنجيرليك الجوية تلعب دورا رئيسيا في المعارك الجوية، إلا أن الحرب ابتعدت عن الحدود التركية، مما يجعلها غير ذات أهمية بالنسبة لحملات معينة، وهذا يمنح الولايات المتحدة وتركيا بعض المرونة في توسيع مجال حربهم الجوية لتشتمل أهدافا تابعة للقاعدة في إدلب، وهو طيران قصير المدى من تركيا.

في قاعدة انجيرليك، على الولايات المتحدة التفكير في نموذج يعتمد على قوة العمل المشتركة، الاتفاق الذي تم التوصل له للسماح للقصف الأمريكي من هذه القاعدة ضد أهداف بالعراق في العام 1991، وتم التوصل لاتفاق قوة العمل المشتركة تحت رئاسة القيادة الأمريكية الأوروبية (EUCOM)، لكن السيطرة التكتيكية هى للقوات الجوية الأمريكية. من شأن هذا النهج أن يفرض سلطة أكبر على القيادة القتالية، والتي لديها تاريخ من العمل عن قرب مع تركيا، وهي مؤهلة بشكل أفضل لإدارة العلاقة. ستركز الضربات الجوية على قصف قيادات القاعدة البنية التحتية الداعمة للتنظيم في إدلب. كما أنها ستنقل عبء دعم قوات سوريا الديمقراطية للأردن، ومن ثم تزيل نقطة إثارة رئيسية في العلاقة. يهدف هذا الاقتراح إلى البدء في المحادثات، وبناء عليه توسيع تلك المحادثات لتشمل الجهود الدولية للتعامل مع العنصر الإنساني المتوقع في ظل زيادة العمليات العسكرية في المنطقة. كما أنه يجب مناقشة الدور المحتمل لقوات تركيا البرية، غالبا على الجانب التركي من الحدود للمساعدة في التعامل مع تدفق الناس.

إن القيود المفروضة على هذا النهج كثيرة؛ على الجانب الأمريكي، فإن عناصر هامة تقاتل تنظيم داعش ربما تقاوم الجهود الرامية لتوسيع نطاق الحملة العسكرية، كما أن العوامل البيروقراطية واللوجيستية قد تخلقان عوائق تتراوح بين تعاون جديد بين القيادة المركزية الأمريكية والقيادة الأمريكية الأوروبية. على الجانب التركي، فإن هذا النهج قد يجعل من تركيا عرضة للنزوح الجماعي من إدلب، بمجرد أن تبدأ الضربات الجوية. إن هذا النهج سيجبر تركيا أيضا على تأمل دورها بجدية في هذه الحملة العسكرية بشكل مستقل عن الجهود الأوسع للإطاحة ببشار. كما أن روسيا تظل أيضا الجوكر، وقد تسعى إلى انتزاع تعهدات بالتعاون مع التحالف، وهو ما ينتهك القانون الأمريكي الحالي، ويثير أسئلة أخلاقية عن انضمام طيارين روسيين قاموا بالقصف العشوائي الوحشي في سوريا. يمكن أن يستغل النظام الفوضى للتوسع في الأراضي، والتقليل من الجهود التي تقودها تركيا للتأكد من التزام أي معارضة غير متصلة بالقاعدة في أي اتفاق أوسع مع الروس كي لا يسيطروا على أراض أبعد من خطوط الجبهة الحالية. كنتيجة لذلك، فإن هذه الاتفاقية الأوسع يمكن ببساطة أن تتحول إلى جهد مكرس لإجراء استهداف ذو أهمية كبيرة لقيادات القاعدة ف سوريا من الأراضي التركية.

الخلاصة
بالرغم من هذه العوائق الواضحة، فإن المضي في جهد للتركيز على تنظيم القاعدة يمكن أن يساعد على التركيز على العلاقات الأمريكية التركية لتحقيق أهداف عسكرية مشتركة. كما أنه سيعفي أنقرة من دعم حملة جوية لا توافق عليها، أيضا يمكن أن يساعد على إعادة التركيز على عنصر في العلاقات لمواجهة تهديد مشترك، يتمركز على الحدود التركية مع سوريا الآن. من المتوقع أن تقدم تركيا خدمات استخباراتية لمخططي التحالف، كما أنها ستستضيف القاعدة العسكرية. يمكن للولايات المتحدة أيضا أن تصر على اتفاق غير رسمي، بمجرد أن يخفف أردوغان من حدة خطابه المعادي للغرب، وأخذ خطوة لتحسين العلاقات مع حلفاء أوروبيين أساسيين مثل ألمانيا.

يتشارك كل من تركيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي تحديات أمنية في المنطقة، وسوريا هي أحدهم. هناك العديد من السبل لانخراط الجانبين، وإن كان من المعترف به أن شراكة الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية ستستمر على الأغلب، وستركز عمليات الولايات المتحدة العسكرية على أهداف عالية القيمة ضد قيادات تنظيم داعش في المستقبل المنظور. مما يتطلب وجود مستمر للولايات المتحدة في سوريا. ومن ثم، فإن الجانبين يحتاجان إلى تطوير حلول، وإلا فإن المحادثات الاستراتيجية ستستمر في حلقة مفرغة، بدون نتيجة حقيقة أو سياسة متماسكة لإدارة العلاقات بينهما.

اشترك في نشرتنا Read in English

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة