الرقة وحرب المياه

تقع سوريا ضمن قائمة المناطق الأكثر فقراً في المياه العذبة، بحصة تساوي 300 م3 للفرد من المياه في العام، بحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2009، في حين أنّ المعدل العالمي لحصة الفرد ينبغي ألا يقل عن 1000 م3، وقد كان لاندلاع الحرب السوريا وتدمير البنية التحتية أثر كبير في انخفاض تلك الحصة، فقد طال التخريب والقصف خطوط إمداد المياه والصرف الصحي وخزانات المياه الرئيسية وشبكات الري.

مدينة الرقة بدورها ليست أفضل حالاً من بقية المدن السورية، رغم مرور نهر الفرات فيها، والذي يعد أكبر الأنهار في سوريا، فانقطاع المياه والتيار الكهربائي وندرة الوقود اللازم لتشغيل المضخات، واستهداف محطات الري والضخ خلال المعارك الأخيرة مع تنظيم داعش، كان السبب في حلول كارثة إنسانية تمثلت بخروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها المدنيين في معيشتهم، إضافة إلى انقطاع مياه الشرب عن السكان في المدينة وريفها، ما أدى إلى اعتمادهم على مياه الآبار أو استجرار المياه مباشرة من النهر، دون تعقيم، ما أدى إلى تفشي الأمراض المنتقلة بالمياه، حيث ورد في تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” تحذيراً من مخاوف انتشار الأمراض المنقولة عن طريق المياه بين الأطفال في سوريا، مثل التيفوئيد والسالمونيلا.

وفيما تسيطر قوات سوريا الديمقراطية “قسد” المدعومة أمريكياً على أكبر ثلاثة سدود في سوريا “الفرات والبعث وتشرين”، والمسؤولة عن توفير حوالي 70٪ من احتياجات سوريا المائية والكهربائية، وبحسب بيانات البنك الدولي ووزارة الري التابعة لنظام الأسد، فإن قسد سيطرت على قرابة 80٪ من الأراضي الزراعية المروية في منطقة الجزيرة السورية.

سد الفرات (50 كم غرب الرقة)، يبلغ طوله 4.5 كم، وعرضه في الأعلى 20م، وعند القاعدة 60م، يحتوي على محركات توليد للطاقة الكهربائية، كما يحتجز خلفه بحيرة مائية تحتوي قرابة 10 مليار م3 من المياه، ويوجد عند المدخل الشمالي للسد قناة البليخ المستخدمة لموازنة تصريف المياه، وتخفيف الضغط على السد، وفي أغراض الري. تلحق بالسد محطة تحويل للتيار الكهربائي، والتي تولد 2.5 مليار كيلو وات سنوياً، فيما يروي السد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تقدر بأكثر من 640 ألف هكتار.

شهد محيط السد من الجهة الشمالية اشتباكات عنيفة بين قوات قسد وتنظيم داعش، وقد تعرض لضربات جوية من قبل طيران التحالف الدولي، استهدفت غرفة التحكم الرئيسية في السد، ما أدى إلى انقطاع التغذية الذاتية عن بواباته وتوقف جميع تجهيزاته، ليخرج السد كمولد للطاقة الكهربائية عن الخدمة، متحولاً إلى سد مائي فقط.

سد البعث، هو ثالث أكبر السدود في سوريا، ويقع بين مدينتي الرقة والثورة، يحتجز خلفه نحو90 مليون م3 من المياه، وهو سد تنظيمي، يبلغ طوله حوالي 3 كم، وعرضه في القاعدة 60 متراً، وارتفاعه 10 أمتار، ألحق به محطة كهرومائية، تقوم بتوليد نحو 375 مليون كيلو وات سنوياً، ولعب دوراً مهماً في تحسين الحالة الزراعية في الجزيرة السورية.

سد تشرين، وهو السد الواقع في مدينة منبج (90 كم شرق حلب)، يولد الطاقة الكهربائية لبلدات وقرى ريف حلب الشرقي بالكامل، حيث يحتوي السد على ست مجموعات توليد كهربائية ضخمة، تقوم بتوليد نحو 6 مليار كيلو واط سنوياً، ويحتجز خلفه نحو 1.8 مليار م3 من المياه.

يلحق بالسدود وعلى طول نهر الفرات وفروعه في سوريا، عدد من محطات توليد الطاقة الكهربائية، والواقعة جميعها حالياً تحت سيطرة قوات قسد، وتعمل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال برنامج إعادة الاستقرار في المناطق الخارجة عن سيطرة تنظيم داعش، على دعم وصيانة عدد من تلك المحطات، إلا أنّ الخطة القائمة حالياً، والمعتمدة على عمليات ترميم بسيطة هدفها توفير مياه الشرب في معظمها، لا ينفذ الغرض المرجو من عملية إعادة الاستقرار إلى المنطقة المعتمدة في معظمها على الزراعة، والتي تسبب تدهورها في خسارة مئات الألاف من أبناء المنطقة لعملهم، ما دفعهم إلى الهجرة أو حمل السلاح.

هذا وقد وضعت مجموعة “اقتصاد سوريا”، والمؤلفة من 300 خبير سوريّ في مختلف المجالات عام 2013، خطة لإعادة إحياء قطاع الماء والكهرباء الحيوي، متضمنة منطقة الجزيرة السورية، وأنهارها ومحطات توليد الطاقة الكهربائية فيها، معتمدة على خبرات محلية ومعطيات دولية ومحلية في رسم ما ينبغي فعله، مقسمة الخطة إلى ثلاثة أقسام، خطة إسعافيه قصيرة الأمد، تعتمد على إعادة تشغيل محطات ضخ مياه الشرب والمعالجة، وإيصال المياه إلى الأراضي الزراعية بغية إعادة الدورة الزراعية في المنطقة؛ خطة متوسطة الأمد، تعتمد على ترميم المشاريع الكهربائية والكهرومائية المتضررة، واستكمال المشاريع التي تمّ البدء بها وتوقفت، والعمل على دعم مشاريع الاستصلاح الزراعية وترشيد الري وتحسينه؛ وخطة بعيدة الأمد، تعتمد على تنفيذ مشاريع نوعية، ونشر التقنيات الحديثة ذات الجدوى الاقتصادية العالية والصديقة للبيئة. إلا أنّ السؤال الملح هو من سينفذ هذه المشاريع؟، وهل ستكون عملية إعادة الإعمار متضمنة تنفيذ مشاريع استراتيجية تضمن اقتصاد المنطقة وأمانها المائي؟ أم مشاريع شكلية مقتصرة على ترميم بعض الخسائر تُعرض كإنجازات في هذا المجال، وهل سيكون لنظام الأسد حصته من ترميم البنى التحتية ضمن تفاهمات خاصة، تضمن له السيطرة على المرافق الحيوية، هذه أسئلة مهمة لقيادات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يظهر جلياً حتى اللحظة تخبطها فيما يخص المرحلة التالية للقضاء على تنظيم داعش في الرقة، تاركة مدنيّها أمام مصير مجهول.

حرب المياه، لا تقل أهمية عن الحرب ضد تنظيم داعش، والتي يحقق العمل على استقرار واقعها وتحسينه دوراً كبيراً في تجفيف أحد أهم منابع الإرهاب، المتمثل في فقر السكان المعتمدين في معظمهم على الزراعة، كما يلعب دوراً أساسياً في إعادة الاستقرار الاجتماعي والسياسي إلى منطقة عانت خلال الست سنوات الماضية من تعاقب السيطرة المدمرة لبنيتها التحتية.

اشترك في نشرتنا Read in English

فراس حنوش

ناشط من الرقة، وعمل في السابق طبيباً مع منظمة أطباء بلا حدود في سوريا.

شاهد أيضاً

المجتمع الدولي يعيد إنتاج النظام السوري

هناك دولاً تريد أن يرحل الأسد في نهاية المرحلة الانتقالية، بينما بعض الدول تريد رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، وأنه لا توجد أي دولة تريد الإبقاء على نظام الأسد، حتى روسيا لا تريد بقاءه، الخلاف هو على توقيت رحيله.

المضي قدماً لإقامة سلطة محلية في ليبيا

هناك اتفاق واسع داخل ليبيا وبين الدول المعنية على أن الاتفاق السياسي الليبي يجب أن يتم تعديله، ففي العامين الماضيين، تعمق الانقسام الليبي مع تصاعد التدخل من أطراف إقليمية ودولية، لديها مصالح متباينة، في هذا الصراع.

الأزمة الكردية: بغداد وأربيل والإصلاح المؤسسي في العراق

إن الصراع الدائر بين حكومة كردستان والحكومة الفيدرالية في العراق يخلق هواجس جديدة – خصوصا بعد الاستفتاء على استقلال الإقليم – فيما يتعلق باستقرار العراق على المدى الطويل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *