في الرقّة الإرهاب يتلاشى وعودة الحياة تنتظر توافق محلي

في الرقّة الإرهاب يتلاشى وعودة الحياة تنتظر توافق محلي

 اشترك في نشرتنا 

تشهد مدينة الرقة ولادة جديدة، ومتنفس بعودة بطيئة للأهالي، في بلد شهد الحرب والدمار، وانتشار لمخلفات الحرب التي تركها تنظيم داعش. يتخلل ذلك عمل مؤسسات دولية ومحلية، لإرجاع الحياة بإعادة الإعمار، وانتشار فرق لنزع ألغام زرعها داعش فحصدت أرواح مئات الأهالي (الكثير بينهم نساء وأطفال).

في أحياء بالرقة مثل المشلب والكرامة والقوتلي وتل أبيض والإدخار وشارع 23 شباط والأسكان والقطار، هناك عودة لأعداد من المدنيين، فيما تنتظر أحياء أخرى عودة السكان. ففي حي المشلب يقوم أبو محمد (رجل في الستينيات) بترميم جدار منزله من الخارج ويقول “سنعود حالما يتم الانتهاء من نزع الألغام”.

تدار المدينة اليوم عسكريًا من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومجلس الرقّة المدني المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وقوات التحالف الدولي، فالطرفان الدوليان زودا المجلس بآليات ومعدات لإعادة إعمار المدينة، ولعودة آلاف الأهالي من المخيمات ومناطق ومدن الريف.

هكذا مشهد الواقع على الأرض. إلا أن سياسيًا تشكل الرقّة مسرحاً للصراع وهناك تسابق للسيطرة عليها، فالنظام السوري يحاول استعادة السيطرة عليها، وقد أتهم قسد بـ”الخيانة” للدعم المقدم لها من الولايات المتحدة. في المشهد ذاته هناك عداء للقوى المسيطرة من قبل المعارضة السورية يظهر في تصريحات المجالس التي تمثل الرقّة والمدعومة من تركيا، وأيضًا ناشطو الرقّة الذين يظهرون اختلافهم مع (قسد) باعتبارها تقع تحت سيطرة الأكراد الذين يحاولون من وجهة نظر هؤلاء ضم الرقة لفدرالية شمال سوريا كجزء من مشروع كردي متهم بالانفصال.

شهدت الرقة قرابة خمسة أشهر بين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2017 حربًا ضروس بين قسد المدعومة من التحالف الدولي، وتنظيم داعش الإرهابي الذي عاث بين سوريا والعراق ودول أخرى فسادًا وبنى نفسه على القتل والذبح. أعلنت قسد في بيان التحرير مقتل 655 عنصًرًا تابعًا لها (عرب وأكراد وتركمان ومسيحين)، مع إجلاء نحو 450 ألف مواطن، في مدينة دمرت قرابة 80٪ منها.

لم يكن للرقّة الشهرة والاهتمام الكافييّن قبل السيطرة عليها من قبل داعش وإعلانها عاصمة التنظيم، فهي إحدى مدن المنطقة الشرقية المهمشة من قبل الحكومة السورية قبل الثورة السورية. زارها بشار الأسد أواخر عام 2012 بهدف كسب مؤيدين في الأحداث السورية. وفي شهر مايو/آذار 2013 أعلنت فصائل عسكرية معارضة عن تحرير الرقة بإدارة قوى عسكرية وفعاليات مدنية، قبل احتلاها من قبل داعش عام 2014.

يرفض الأكراد اتهامهم من قبل المعارضة بأنهم يقيمون مشروع انفصال بضم الرقّة. فيقول “صلاح مسلم” وهو المستشار الإعلامي لمركز التنسيق مع التحالف الدولي، إن هذا الاتهام مرفوض “ربما تنضم الرقّة إلى النظام الفيدرالي في شمال سوريا، لكن حاليًا لم يتم إقرار هذا”. ويتوقع مصطفى عبدي، مستشار إعلامي لدى مكتب إعلام قسد، شكلين للرقّة مستقبلًا: “أن تصبح إقليمًا مستقلًا ضمن فيدرالية شمال سوريا، أو تندمج مع دير الزور في إقليم واحد”. ويؤكد عبدي أنه سيتم تشكيل حكومة في الرقّة تدير شؤون المدينة “تضم مجلس تشريعي وتنفيذي وهيئات بمثابة وزارات كما طبّق في منبج”.

من وجهة نظر الناشط المدني “بشير الهويدي” من أبناء الرقّة، فإن من يحكم الرقّة اليوم قوى استخباراتية عسكرية، ويصف الجزء المدني بأنه “فقط واجهة”. مشيرًا ذلك إلى أن المجالس التأسيسية كالمجلس المدني وسواه تعود لسلطة مركزية لا ديمقراطية “قسد أيضاً واجهة عسكرية ومجرد شعار أكثر من أن يكون حقيقة”. ولا يوجه الهويدي تهمًا بوجود مشروع انفصال كردي بحق الرقّة. فيما يذكر المحامي والناشط السياسي محمد شلاش من الرقّة أن تعزيز فكرة الانفصال تأتي عبر “سلخ شمال الرقة إداريًا عن بقية المحافظة”.

صرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، أخيرًا عن إمكانية إرسال واشنطن دبلوماسيين إلى مناطق سيطرة قسد، للعمل إلى جانب الخبراء العسكريين. وهذا التصريح يأتي لصالح قسد ويعزز من سلطة المجلس المدني في الرقّة، ويشكل رسالة للنظام السوري المدعوم من روسيا بأن لا يفكر بالتقدم نحو غربي الرقّة.

تركيا من الدول التي تسعى جاهدةً لوقف مشروع تقدم قسد، فتحالفت أخيرًا مع روسيا وإيران لأجل وقف تقدم الأكراد (حيث تتهم الطرف الكردي بالتبعية لحزب العمال الكردستاني) بالسيطرة على المنطقة، كما تطلق تهديدات بمهاجمة مناطق الأكراد من بينها عفرين. وعلى الصعيد المحلي، يقف النظام والمعارضة السورية في نفس الخندق في التضاد لفكرة إدارة المنطقة من قبل الأكراد، حيث تأمل المعارضة موقفًا تركيًا عمليًا في صالحها ضد الأكراد، فيما النظام يقوم بدعم بعض العشائر في مناطق شمال شرق سوريا للتصدي للأكراد.

ليس هناك مبرر ملموس لدى النشطاء العرب الرقاوييّن من حالة التخوف من قسد. لكن محمد شلاش يفسر ذلك بعدم الثقة بالقوة العسكرية قائلًا “لدينا تجربة سابقة مع القوى المسلحة التي تخلت عن الرقة لصالح تنظيم داعش”. وأن سبب عدم الثقة في القوات المسيطرة يعود إلى “عدم وضوح موقفها من النظام السوري، كما لا يوجد ضمانات بعدم عودة الأخير للرقة”.

زاد تخوف أهالي الرقّة بحسب شلاش رفع صورة عبد الله أوجلان (الزعيم حزب العمال الكردستاني) وسط المدينة أثناء تحريرها. لكن يلوح صلاح الدين مسلم، المستشار الإعلامي لمركز التنسيق مع التحالف الدولي، بتطمينات أن الرقّة تدار وستدار من قبل أبنائها، وأن مستقبل المدينة سيكون أيضًا بيد هؤلاء “سيدير الرقّة مجلس مدني بالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي وقوات مكافحة الإرهاب”. ولم يخفِ مسلم وجود اتصالات يجريها من منصبه مع مجموعات تمثل المعارضين الرقاوييّن في الخارج مثل تركيا “لقد تغيرت نظرتهم المتشنجة بعض الشيء، لكن يبقى لديهم هاجس وهو خشيتهم من تركيا”.

في السؤال عن الحل الأمثل للرقّة، يرى شلاش أن ذاك يأتي بنقل تدريجي للسلطات في الرقّة إلى أبناء المدينة بمختلف مكوناتهم “في صورة تجسد الشراكة الحقيقية لهذه المكونات”.

توحي المؤشرات ولو ظاهرًا بأن لا اختلاف بين أبناء الرقّة في التفكير نحو مدينتهم، لكن يعزز خلافاتهم عدم الإقدام على فرصة للحوار والتواصل. نستخلص هذا من موقف الرفاويين، فرؤية شلاش هي أن الرقة تحتاج توافق بين جميع الأطراف والمكونات حتى ينسي المدنيون حقبة داعش، معتبرًا أن التوافق يجب أن يعتمد على تكريس الحرية، واجتماع أهل الرقة في الداخل لتباحث مصير محافظتهم، لكن “حتى الأن هذا ممنوع في الرقة”. من جانبه يعتقد بشير الهويدي، ناشط سياسي من الرقة، أن الرقّة يجب أن تدار من قبل أهلها “ذلك يحتاج لبيئة وزمن جيد” معتبرًا أن الرقّة الأن بيد إدارة طوارئ. فالرقة تحتاج لإدارة تتشكل من مجالس محلية، يشارك فيها أهل الرقّة في توفير الأمن والتعليم والخدمات والصحة”.

لن تشهد الرقة استقرارًا بدون توافق محلي، يرافقه اتفاق دولي على دعم المدينة وإعادة الاستقرار إليها، وقد بدأ ذلك بإعادة الإعمار ودور منظمات المجتمع المدني الفاعلة، يرافق ذلك موقف رسمي من الولايات المتحدة والتحالف يؤمّن تواصل بين الأطراف المحلية المتصارعة، ويوقف التخوف من عودة سلطة النظام المركزية، ووقف التهديدات التركية بحق المنطقة، ليبدأ أبناء الرقة بإعادة النبض لمدينتهم.

اشترك في نشرتنا English

سردار ملادرويش

صحفي كردي من سوريا، يعمل في الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة