رفع حالة الاستعداد: أسئلة المصريين عن قانون الطوارئ وحالة الأمن

تم دفن الموتى بدون جنازة

في التاسع من إبريل، تم تفجير اثنين من الكنائس عبر انتحاريين في طنطا والإسكندرية؛ في اليوم التالي، تم دفن أول سبعة ممن قتلوا بدير القديس مينا في منطقة كينج مريوت، على مشارف الإسكندرية. لا تقيم الكنيسة الأورثوذوكسية الشرقية جنازة عامة في أسبوع الآلام قبل عيد القيامة، ومن ثم، فإن المئات من المعزين حضروا الجنازة بدون الخدمة اللازمة للجنازة الشعبية. بعضهم كان هناك من قبل – حيث تم دفن بعض الذين قتلوا في دير القديس مينا عقب تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية عام 2011.

لم يكن القتلى جميعهم مسيحيون، فسبعة من عناصر الشرطة المسلمين كانوا ضمن الـ 46 ضحية، ثلاثة منهم من النساء، وتم دفنهن في نفس اليوم الذي أقيمت فيه جنازة دير القديس مينا.

أعلن تنظيم داعش مسئوليته عن التفجيرين، حيث تم تنفيذهما عبر انتحاريين، وقد تمكن الأمن المصري من التعرف عليهما الآن؛ كما أن التنظيم كان قد أعلن مسئوليته عن تفجير كنيسة القديس بطرس والقديس بولس بالقاهرة في الحادي عشر من ديسمبر 2016. عقب أقل من 24 ساعة من التفجيرين في طنطا والأسكندرية، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ العامة في البلاد، وهي الأولى منذ 14 أغسطس 2013 عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي. أثار الهجوم وما تلاه من اعلان حالة الطوارئ أسئلة حول قضيتين: الأولى عن ماهية حالة الطوارئ بالنسبة لمصر والثانية عن حالة الأمن في البلاد.

القضية الأولى ليست بالضرورة الأسهل لكنها لا تتطلب الكثير من التكهنات

كانت هناك موجة من التحليلات المتوترة حول التأثير المحتمل لحالة الطوارئ عبر وسائل الإعلام والمحللين، كان المصريون أكثر تفاؤلا حيالها: على الرغم من كل شيء، فإن البلاد قد شهدت حكماً عسكرياً من قبل، ومؤخراً حالة طوارئ. في 1914، حين أعلن البريطانيون الأحكام العرفية أثناء قتالهم مع الإمبراطورية العثمانية. وفي تاريخ أقرب، فإن أغلب السكان قد عاشوا تحت حكم الطوارئ، أحدهما كان عقب اغتيال الرئيس أنور السادات في أكتوبر 1981، وتم إلغاؤه في عام 2012. في أغسطس 2013، تم فرض قانون الطوارئ لمدة ثلاثة شهور، إلا أن هناك العديد من العوامل يجب أخذها في الاعتبار حين نقوم بدراسة الظروف الحالية.

في البداية، تم إلغاء قانون الطوارئ في عام 2012، ولم يكن هذا بالإنجاز البسيط في حد ذاته. ثانيا، هناك العديد من القوانين التي تتقاطع مع قانون الطوارئ، وسيكون لها الأسبقية قبل قانون الطوارئ الحالي، بما في ذلك تعديلات قانون العقوبات في عام 2014، وقانون الكيانات الإرهابية لعام 2015، وقانون مكافحة الإرهاب الذي صدر في نفس العام. ثالثا، عقب انتفاضة 2011، تم اتخاذ تدابير للحد من مدى ومدة قانون الطوارئ، والذي؛ وفقا للدستور، لا يتجاوز هذا المدى الثلاثة أشهر. في عام 2012، أتت المناقشات القانونية ثمارها بعد عقدين، بعد مواجهة التحديات في عام 1993، حيث تم إجراء تعديلات على المادة 3 من قانون الطوارئ الحالي (قانون رقم 162 لعام 1958) والتي كانت تقرر أنه، في ظل حالة الطوارئ، فإنه من غير الدستوري للرئيس السماح بالاعتقال وتفتيش الأماكن والأشخاص بدون تفعيل مواد قانون العقوبات. بقول آخر، لا يوجد تفتيش أو اعتقالات بدون إذن.

ما يلي هو صلاحيات الرئيس تحت قانون الطوارئ:

  • للرئيس حق تحديد حرية الأفراد في الاجتماع أو التحرك أو البقاء أو التنقل في بعض الأماكن والأوقات، وتعيين أي شخص لأداء أي مهمة.
  • الحق في مراقبة الرسائل من أي نوع، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والكاريكاتير، وكل وسائل التعبير والنشر قبل نشرها، وحجبها ومصادرتها وغلق أماكن طباعتها. عملياً، فإن ذلك هو التغير الأكبر في ظل حالة الطوارئ، حيث إن الضغط غير الرسمي على الإعلام للوقوف عند حد معين، سيكون أكثر قابلية للتنفيذ تحت هذا القانون.
  • الإجراءات التالية أيضا يمكن أن يتم تضمينها: فتح وغلق المحال العامة، وأيضا غلق كل أو بعض أماكن التسوق وفقا لتوجيهات الرئيس، والاستيلاء على أي منقول أو عقار، والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وكذلك تأجيل أداء الديون والالتزامات المستحقة.
  • سحب تراخيص الأسلحة أو الذخائر أو المواد القابلة للانفجار أو المفرقعات على اختلاف أنواعها، والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة، وإخلاء بعض المناطق (جغرافياً) أو عزلها، وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.

المسألة بالطبع أن أي قضية سيتم نظرها ستحال إلى محكمة أمن الدولة العليا، والتي لا تقبل أي استئناف أو التماس، إلا بأمر شخصي من الرئيس. وبما أنه من غير الممكن للرئيس أن يقوم بكل ما سبق، فإنه يحق له تفويض هذه السلطة، وتعيين أفراداً مختلفين في هذا السياق؛ على سبيل المثال، قد يتم انتداب وزير الداخلية لمراقبة وسائل الاتصال، أو يتم انتداب قضاة معينين في محكمة أمن الدولة العليا فقط. جوهرياً، يضع هذا الإجراء تعيين القضاة تحت السلطة الرئاسية، ولكن فقط لهذه المحاكم.

هناك ثلاث نقاط يجب أن نعضهم في الاعتبار؛ النقطة الأولى هي أن القيود التي تضعها مصر على مساحة حرية التعبير ستزيد في ظل قانون الطوارئ؛ النقطة الثانية هي أن تفويض السلطة الضروري من قبل الرئيس سيزيد من توطيد السلطة داخل السلطة التنفيذية، خاصة طلب موقف تعاوني واضح من جانب البرلمان.  تقول حفصة حلاوة، وهي قانونية ومحللة سياسية متخصصة في شئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “إن نية البرلمان تعليق جميع التشريعات المفعلة، مع سن مجموعة من القوانين لتعزيز السلطة التنفيذية، وهي إشارة واضحة إلى كيفية توقع السلطات الحاكمة لتطبيق قانون الطوارئ”.

وأخيراً، فإن الثغرات القانونية أمر مربك

لدى مصر مساحة قانونية واسعة وملتوية، وصراع على السلطة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ لا تنحصر السلطة في مصر في الرئاسة، بل إن الأمر بعيد عن ذلك تماماً، فالسلطة القضائية على وجه الخصوص أظهرت ميولاً عنيدة للتمسك بالاستقلال، وهو ما عوق السلطة التنفيذية. على سبيل المثال لا الحصر، قامت محكمة النقض (أعلى محكمة استئناف في مصر) بإبطال أو رفض العديد من الأحكام الصادرة عن دوائر الإرهاب، وقد تم ابطال بعض مواد قانون التظاهر، المكروه، من جانب المحكمة الدستورية العليا. وبطبيعة الحال، رفضت المحكمة في يونيو الماضي قراراً حكومياً بتسليم السيادة جزيرتي تيران وصنافير فى البحر الاحمر إلى السعودية. ربما يراقب القضاء الرئيس بحذر ليرى كيف سيختار طريقة تنفيذ القانون في ظل حالة الطوارئ. بالرغم من ذلك، فإن الوضع حرج، فالسلطة التنفيذية ستؤكد على أن حالة الطوارئ تفرض على جميع السلطات التعاون من أجل مصلحة البلاد. عادة ما يتم ترجمة “تعاون السلطات” بوصفه أن تتبنى رؤية موحدة متماشية مع رؤية السلطة التنفيذية. ربما تكون هذه فرصة للسلطة التنفيذية أن تضع القضاء تحت السيطرة، وسيكون تبعات ذلك بعيدة المدى. “كيفية استجابة القضاء بالفعل، وتحمل واجباته والتزاماته في تفسير القوانين وتطبيقها بشكل سليم، سيحدد الصورة التي ستكون عليها مصر في المرحلة القادمة” كما تذكر حلاوة.

التطورات القانونية حيوية لكن هناك مجموعة ثانية من الأسئلة يتم طرحها وفقاً للهجمات الإرهابية

بينما بدا واضحاً، بشكل مؤلم، أن الهجمات الإرهابية في عدة مدن حول العالم لا يمكن القضاء عليها، فإن هجومين إرهابيين في عطلة هامة هو تصعيد خطير. في حين أن الأمن هو أحد ركائز أي حكومة حول العالم، فإنه في هذه الحالة أمر هام بشكل خاص، حيث أن الحكومة قدمت محاربة الإرهاب بوصفه السبب لحكمها المتعنت. تم العثور على قنبلة وإبطال مفعولها قبل عشرة أيام من الحادث في كنيسة مار جرجس بطنطا (أحد الكنائس التي تم الهجوم عليها في هجمات التاسع من إبريل)، إذن كان من الواضح أنها مستهدفة. أعلنت وزارة الداخلية عن هوية المفجر وهو ممدوح البغدادي. ووفقا للوزارة، فقد تم تدريبه من قبل الإرهابي الهارب عمرو عباس، والذي تم تدريبه من قبل مفجر الإسكندرية محمود حسن مبارك عبد الله. تقول وزارة الداخلية بأن عباس لديه صلات بالتفجير في كنيسة القديس بطرس والقديس بولس في ديسمبر الماضي. في الواقع فإن بغدادي تم منعه من دخول الكنيسة يوم الأحد الماضي، لكنه تمكن من التسلل من باب خلفي. وقد تكون الإقالة الفورية لمدير أمن الغربية إشارة إلى التساؤلات حول التداعيات الأمنية. مسألة الأمن هامة بشكل خاص، حيث أن الاقتصاد والأمن كانا رهانان الرئيس أثناء حملته الانتخابية. في حين أن معدل التضخم بدا في التراجع ببطء في المناطق الحضرية والهامة، في إشارة أولية نتيجة استقرار السعر عقب تعويم سعر الصرف، إلا أن معدل التضخم يظل عند نسبة 30.9%، وستواصل الحكومة العمل على الإصلاحات الاقتصادية، بما في ذلك رفع الدعم.

لم يندهش الخبراء في دراسة تنظيم داعش من الهجومين، فهناك إجماع على أنه كلما تلقى التنظيم ضربات موجعة في العراق وسوريا، انتقل إلى إحراز انتصارات أسهل وتلفت انتباه الإعلام، وذلك كي يستعيد خطابه، ويستطيع تجنيد المزيد من الأشخاص. بينما كانت هناك تكهنات متفشية وهوس حول رغبة التنظيم في ضرب استقرار مصر، يعتقد مختار عوض، الباحث في برنامج دراسة التطرف في جامعة جورج واشنطن، بأنه من المبكر القفز لهذا الاستنتاج، حيث يقول “لايزال تنظيم داعش بعيد عن الوجود الثابت في وادي النيل، والذي يمكّنه من أن يحتفظ بهذا المستوى من النشاط على المدى البعيد، لكن إذا لم تتمكن الحكومة من تتبع وتفكيك خلاياه، فإن الأمر لن يستمر كذلك طويلاٍ، وما سيحدد ما إذا كان الوضع سيتفاقم أم لا هو تحرك الحكومة لتفكيك هذه الخلايا، وهو أمر متوقع إذا ما أخذت بعض الوقت.”

Read in English

ميريت مبروك

نائب مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط ومدير الأبحاث والبرامج.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط